أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صبري يوسف - مشاهد من الطفولة














المزيد.....

مشاهد من الطفولة


صبري يوسف

الحوار المتمدن-العدد: 620 - 2003 / 10 / 13 - 02:54
المحور: الادب والفن
    


 

................... قصّة قصيرة


     آنذاك كنت في الخامسة من عمري .. كم كنتُ أحبُّ الذهاب مع أمّي إلى السوق. وعندما كنتُ أذهبُ معها كانت تقولُ لي: امسكْ فستاني ولا تفلّته كي لا تضيع في زحمة السوق. في إحدى المرّات منعتني من الذهاب معها وقالت: اليوم لا يوجد أحد في البيت وعليكَ أن تبقى بجانب أختكَ الصغيرة وتنتبه عليها جيّداً وتهزّ سريرها عندما تبكي. وقبل أن تخرجَ أمّي من البيت وعدتني بأنّها ستجلب معها (كمشة) راحة وكمشة سكاكر من السوق شريطة أن ابقى عند أختي حتّى عودتها.
     راقبتُ أمّي من بعيد إلى أن قطعَت الزقاق المؤدّي إلى الشارع العريض ثمَّ رجعتُ لألقي نظرة على أختي الصغيرة التي ما كانت تتجاوز عامها الأوّل. اقتربتُ منها إلى أن أصبحتُ بجوار سريرها  وبدأتُ أصغي إلى تنفّسها الهادئ .. وشيء ما في داخلي كان يدفعني أن أرفعَ غطاءها وأنظر إليها .. رفعتُ الغطاء بهدوء، كانت تغطُّ في نومٍ عميق .. شعرتُ أنّ الأطفال لهم صلة بالملائكة .. جمالهم، براءتهم، رائحة جسدهم الطريّ. كلّ هذه الجماليات تصبُّ في عالم الملائكة. انحنيتُ قليلاً وقبّلتها قبلتين، على كلّ خدّ قبلة. ارتعش وجهها. شعرتُ أنّها جفلَتْ ولكنّها لم تستيقظ من نومها. انتظرتُ لحظات وأنا أمعنُ النّظرَ إليها للتأكّد من استمراريتها في النوم .. ثمَّ قلتُ لها (وأنا أخاطبُ نفسي) : لا تفيقي من النوم، سأذهب وألعبُ قليلاً وآتي في الحال. وخرجتُ إلى الشارع لألعب مع رفاقي.
     تأخّرتُ حوالي ساعة ثمَّ عدتُ إلى المنزل قبل عودة أمّي، لأنّي كنت أعلم بأنّها ستتأخّر أكثر من ساعة. وفيما كنتُ أعبر (الحوش)، سمعتُ أختي تبكي بصوتٍ عالٍ فأسرعتُ إليها مضطرباً وكشفتُ غطاء سريرها فوجدتها عرقانة ويداها تتحرّكان على إيقاعات بكائها. ارتبكْتُ كثيراً وخفتُ على أختي الصغيرة من جهة، وخفتُ أن تأتي أمّي وتكشف أمري. لا أعرف ماذا أتصرّف؟ وسرعان ما وجدتُ نفسي أهزُّ سريرها .. ولكن بكاءها كان يزداد طرداً بازدياد عمليّة الهزّ. وكلّما كانت تبكي بصوتٍ عالٍ، كنتُ أهزُّها بسرعةٍ أكثر، متوقِّعاً بأنَّ عمليّة الهزّ ستساعدها على النوم أو التوقُّف عن البكاء. لم أشعر إلا وأنا أبكي معها أيضاً .. وبدأتُ أذرف الدموع كالمطر، ثمَّ أمسكتُ يدها الصغيرة وقلتُ لها أبوس (ايدكِ) لا تبكَي، ورفعتُ صوتي وأنا أقول: لا تبكي، لا تبكي، لا تبكي .. لو جاءَت ماما الآن ووجدتكِِ في هذه الحالة ستقتلني!
     خطرَ ببالي وأنا في هذه الحالة الميئوس منها أن أجلبَ لها كأساً من الماء لأنّني كنتُ أرى أمّي أحياناً تعطيها قليلاً من الماء عندما كانت تبكي أو تستيقظ من نومها .. فهرعتُ إلى المطبخ وأمسكتُ كوباً ووضعته في الجرّة. كانت الجرّة عالية قليلاً ولم أتمكَّن أن أصلَ إلى الماء .. فوقفتُ على رؤوس أصابعي ومع ذلكَ لم أستطِعْ أن أصلَ إلى الماء. اتّكأتُ على الجرّة تماماً ثمَّ أصبح كلّ ثقلي على الجرّة، وقَعَتِ الجرّة وانكسرَتْ وتناثرَ ماؤها فنسيتُ أختي وتبلّلتُ بالماء. تضاعفَ خوفي وبقيتُ جامداً في مكاني. وفجأةً سمعتُ صوتاً عالياً يردِّدُ: (هاوارو على بيتي بنتي ماتتْ!).
     كانت أمّي قد وصلَتْ من السوق فأسرعَتْ وأخرجَتْ أختي من سريرها وضمّتها إلى صدرها وطبطبَتْ على ظهرها بهدوء ونبرَتْ يإيقاع موسيقي. لا أمّي، أمّي، أمّي! .. (هذا المقصوف العمر ترككِ وحدكِ وراح يلعب). وأنا كنتُ ما أزال في المطبخ أبكي. سمعَتْ أمّي صوتي فجاءَت على الفور. وقفتُ وأنا ارتجفُ من الخوف. نظرْتُ إلى أمّي متمتماً: جئتُ كي آخذ كأس ماء (للببيّة) والجرّة انكسرَتْ بلا قصدي.
     عندما وجدتني أمّي أصفر اللون وخائفاً جدّاً لم تتفوّه بكلمة بخصوص الجرّة ولم تسألني عن بكاء الببيّة واكتفَتْ بالقول لا تبكي عيني الجرّة انكسرَتْ سلامة رأسك، المهم أنتَ بخير؟
     أيوه، أنا بخير ولكنّ الببيّة لم تشرب ماء.
     (معلهيش) خلّيك عند أختكَ، سأذهب وأجلب سطل ماء من البئر.
     عندما خرجَتْ أمّي وبقيتُ وحدي عندَ أختي، سألتها: لماذا كلّ ذلكَ البكاء يا شقيّة؟
     .. كانت تنظر إليّ وهي صامتة، ترمش عينيها الجميلتين، تبتسمُ وأبتسم معها أنا الآخر وأفرح لإبتسامتها العطرة .. تنظر إلى السقف وتحرّكُ يديها بعفويّة مبهجة. انحنيتُ وضمّيتها إلى صدري، وبالكاد كنت أستطيع حمْلها .. اختلَّ توازني قليلاً ثمَّ ثبَّتُ أقدامي وهمستُ لها: أبوسكِ يا أختي لقد خلّصني بكاؤكِ من العقاب .. وبدأتُ أقبِّلها وأقبِّلها.
     وبعد لحظات جاءتْ أمّي وهي تحمل سطل الماء على كتفها، وأنزلته بهدوء .. ثمَّ قدَّمَتْ كوباً من الماء للببيّة. شربَتْ كثيراً كغير عادتها، ثمَّ شربتُ أنا الآخر .. وكان الماءُ يتدفَّقُ على صدري كما تدفَّقَ ماءُ الجرّة!!


        المالكيّة: 4 . 3 . 1986

          صبري يوسف
كاتب وشاعر سوري مقيم في ستوكهولم
[email protected]
* هوامش:
هاوارو، كلمة عاميّة تعني يا مصيبتي!

 



#صبري_يوسف (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أنشودة الحياة ـ 3 ـ ص 244 ـ 248
- أنشودة الحياة ـ 3 ـ ص 241 ـ243
- أنشودة الحياة ـ 3 ـ ص 238 ـ 240
- أنشودة الحياة ـ 3 ـ ص 235 ـ 237
- أنشودة الحياة ـ 3 ـ ص 232 ـ 234
- أنشودة الحياة ـ 3 ـ ص 228 ـ 231
- أنشودة الحياة ـ 3 ـ ص 225 ـ 227
- أنشودة الحياة ـ 3 ـ ص 222 ـ 224
- أنشودة الحياة ـ 3 ـ ص 219 ـ 221
- أنشودة الحياة ـ 3 ـ ص 216 ـ 218
- أنشودة الحياة ـ 3 ـ ص 213 ـ 215
- أنشودة الحياة ـ 3 ـ ص 210 ـ 212
- أنشودة الحياة ـ 3 ـ ص 207 ـ 209
- أنشودة الحياة ـ 3 ـ ص 204 ـ 206
- أنشودة الحياة ـ 3 ـ ص 201 ـ 203
- قصائد Dikter
- الشعر رحلةُ عناقٍ مع العشب البرّي
- اللحية واللحاف.......... قصّة قصيرة
- رنين جرس المدرسة ..........................إهداء: إلى صديقة ...
- يا زهرةَ الزهرات


المزيد.....




- الرجل الذي كان يهرب على عجلتين
- مقابر بني حسن.. حين نحت أمراء مصر القديمة سيرهم في بطن الجبل ...
- أكثر من 2500 فيلم يتنافسون على المشاركة في «كان» السينمائي
- أول تجربة إنتاجية لمنى زكي.. -وحيدا- ينافس في مهرجان هوليوود ...
- فيلم -الحياة بعد سهام-.. ماذا نعرف حقا عن آبائنا؟
- معرض تشكيلي جماعي بمناسبة الدورة الربيعية لموسم أصيلة الثقاف ...
- جمعية الرّواد تحتفي بالمسرحيين بيوم المسرح العالمي في بيت لح ...
- عنابة تستعد لاستقبال البابا.. سياحة دينية على خطى أوغسطينوس ...
- سينما عيد الأضحى في مصر 2026.. منافسة ساخنة تحت قيود الإغلاق ...
- مهرجان كان السينمائي يكشف عن قائمة الأفلام المتنافسة على الس ...


المزيد.....

- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد
- فن الكتابة للعلاقات العامة من التحرير الى صياغة الحملات الال ... / أقبال المؤمن
- الرسائل الاعلامية و الادبية من المعنى الى التأثير / أقبال المؤمن
- إمام العشاق / كمال التاغوتي
- كتابات نقدية ماركسية(العمل الفني في عصر الاستنساخ الآلي) وال ... / عبدالرؤوف بطيخ
- المقدِّماتُ التحقيقيّةُ لشيوخِ المحقِّقين / ياسر جابر الجمَّال
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الأو ... / السيد حافظ
- أحافير شاب يحتضر / المستنير الحازمي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صبري يوسف - مشاهد من الطفولة