الفقر ليس قدرًا: من ينتج الحرمان، ومن يتحمل مسؤولية مواجهته؟
جهاد عقل
الحوار المتمدن
-
العدد: 8861 - 2026 / 10 / 17 - 20:13
المحور:
الحركة العمالية والنقابية
في السابع عشر من تشرين الأول/أكتوبر من كل عام، يحيي العالم اليوم الدولي للقضاء على الفقر. لكن قيمة هذا اليوم لا تُقاس بعدد البيانات الصادرة فيه، وإنما بقدرته على طرح السؤال الذي تحاول سياسات كثيرة تجاوزه: لماذا يعجز مئات الملايين عن تأمين ضروريات الحياة، وما المسؤولية التي تتحملها النظم الاقتصادية والحكومات عن استمرار حرمانهم؟
أقرّت الجمعية العامة للأمم المتحدة هذه المناسبة في 22 كانون الأول/ديسمبر 1992، بموجب القرار 47/196. وترجع جذورها إلى تجمع شهدته باريس في 17 تشرين الأول/أكتوبر 1987، للتضامن مع ضحايا الفقر المدقع والجوع والعنف. وقد حملت المناسبة منذ بداياتها معنى يتجاوز التذكير بمعاناة الفقراء إلى الاعتراف بكرامتهم وحقوقهم، وإشراكهم في الجهود الرامية إلى القضاء على الفقر.
والفقر أوسع من نقص المال؛ إنه عجز الإنسان عن تأمين الغذاء الكافي، والمسكن الملائم، والعلاج والتعليم، وعن المشاركة في مجتمعه دون إذلال أو إقصاء. وقد يكون الإنسان عاملًا، يقضي يومه في الإنتاج والخدمة، ثم يعود إلى بيت لا يكفيه أجره لتغطية احتياجات أسرته. لذلك لا يمكن اختزال الفقر في البطالة، ولا اختزال الخروج منه في العثور على أي وظيفة.
وبحسب تحديث البنك الدولي الصادر في أيلول/سبتمبر 2026، عاش نحو 824 مليون إنسان في فقر مدقع عام 2024، أي نحو 10,1٪ من سكان العالم. ويقيس البنك هذا الفقر بالعيش على أقل من ثلاثة دولارات للفرد يوميًا، وفق تعادل القوة الشرائية لعام 2021؛ وهو معيار للمقارنة بين مستويات المعيشة، وليس ثلاثة دولارات تُحوَّل ببساطة بسعر الصرف المحلي. أما نسبة 9,8٪ لعام 2026 فهي تقدير آني، وليست حصيلة مسوح مكتملة لذلك العام.
لكن تجاوز عتبة الفقر المدقع لا يعني الوصول إلى حياة كريمة. فمؤشر الفقر متعدد الأبعاد لعام 2025، الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومبادرة أكسفورد للفقر والتنمية البشرية، يرصد نحو 1,1 مليار إنسان يعانون حرمانًا حادًا متداخلًا في الصحة والتعليم ومستويات المعيشة، ضمن 109 دول شملها القياس، وأكثر من نصف هؤلاء أطفال. ولا يجوز جمع هذا العدد مع عدد الفقراء وفق مقياس الدخل؛ فالمقياسان مختلفان وتتداخل الفئات التي يرصدانها.
كيف يقع كل هؤلاء في دائرة الفقر؟ تبدأ الإجابة من العلاقة بين الدخل وتكاليف الحياة، لكنها لا تنتهي عندها. فضعف فرص العمل المنتج، والأجور المنخفضة، وغياب التأمين الاجتماعي، وعدم تكافؤ فرص التعليم والصحة، كلها تجعل الأسرة عاجزة عن تحسين أوضاعها. وقد تكفي إصابة عمل، أو فاتورة علاج، أو خسارة محصول، أو ارتفاع حاد في الإيجار، لدفع أسرة كانت بالكاد تتدبر أمورها إلى الفقر.
وتتراكم هذه العوامل عبر الأجيال: طفل ينشأ في مسكن غير ملائم، ويتلقى تعليمًا ضعيفًا، ويضطر إلى العمل المبكر، يصبح أقل قدرة على الحصول على عمل مستقر ودخل كافٍ. وحين تتدخل الحروب والتهجير وتدمير البنية الأساسية، لا يعود الأمر مجرد تعثر اقتصادي، بل تدميرًا للشروط التي تمكّن الناس من إعالة أنفسهم.
من هنا تأتي مسؤولية السياسات الاقتصادية. ففي رأيي، تتحمل السياسات التي تُخضع الحقوق الاجتماعية لمنطق الربح مسؤولية أساسية عن إعادة إنتاج الفقر. وحين نستخدم تعبير «توحش الرأسمالية»، ينبغي أن نوضح مضمونه: الضغط على الأجور، وإضعاف التنظيم النقابي، وتحويل الخدمات الضرورية إلى سلع يصعب الوصول إليها، وتركز القوة الاقتصادية، وتحميل أصحاب الدخول المحدودة كلفة الأزمات.
غير أن النقد الجاد لا يكتفي بالشعار، ولا يفترض أن جميع البلدان الرأسمالية تنتج النتائج نفسها. فأنظمة الضرائب، وقوة النقابات، ونوعية الخدمات العامة، واتساع الحماية الاجتماعية، تؤثر في توزيع ثمار النمو. كذلك لا يصح إغفال الحروب والفساد والتمييز وضعف المؤسسات والأزمات المناخية. المسألة هي كيف تتفاعل هذه العوامل، ومن يملك القدرة على تجنب أضرارها، ومن يُترك ليتحملها.
وفي هذا السياق، يصبح تراجع الدور الاجتماعي للدولة عاملًا حاسمًا. فحين تنخفض القيمة الفعلية لمخصصات التقاعد والبطالة وضمان الدخل، أو تضيق شروط استحقاقها، تنتقل المخاطر من المجتمع إلى الفرد. ويجد العامل أو المتقاعد نفسه مطالبًا بشراء الحماية من سوق لا يملك القدرة على دفع تكاليفها.
ومع ذلك، لا يمكن القول إن الحماية الاجتماعية تراجعت في كل مكان. فتقرير منظمة العمل الدولية للحماية الاجتماعية 2024–2026 يشير إلى ارتفاع نسبة المشمولين بمنفعة حماية اجتماعية واحدة على الأقل إلى 52,4٪، مع بقاء نحو 3,8 مليارات إنسان دون أي تغطية. وهذا التقدم مهم، لكنه لا يعني أن المنافع كافية أو أن جميع المخاطر مغطاة. فالسؤال ليس فقط: هل توجد مخصصات؟ بل: هل تكفي لحماية الإنسان من الفقر؟
لذلك، فإن السياسة الأجدى لمكافحة الفقر تجمع بين دخل كافٍ، وعمل لائق، وخدمات عامة جيدة، وحماية اجتماعية شاملة. والمساعدات العاجلة ضرورية لإنقاذ الناس من الجوع والحرمان، لكن إخراجهم بصورة مستدامة من دائرة الفقر يتطلب تغيير الظروف التي تعيدهم إليها.
ويبدأ ذلك بأجور دنيا تُراجع وفق تكاليف المعيشة، ومفاوضة جماعية فعالة، وحماية حرية التنظيم النقابي، وإنفاذ حقوق العمال. فالعمل ينبغي أن يكون طريقًا إلى الأمان الاقتصادي. كما يتطلب ضمان دخل مناسب لمن لا يستطيعون العمل، ومعاشات تقاعد تحفظ الكرامة، وتأمينًا للبطالة والمرض والإعاقة، وحماية للطفولة والأمومة.
ويكتمل هذا النهج بتعليم وصحة متاحين للجميع، وسكن ميسور، ونقل عام، وخدمات رعاية تتيح للنساء والرجال المشاركة في العمل دون إهمال احتياجات أسرهم. ويتطلب تمويله ضرائب تصاعدية عادلة، ومكافحة التهرب الضريبي والفساد، وتوجيه الاستثمار نحو الإنتاج والتشغيل، مع دعم البلدان المثقلة بالديون حتى لا تصبح خدمة الدين على حساب الغذاء والصحة والتعليم.
هذه ليست وصفة موحدة لجميع البلدان؛ فالأولويات تختلف بحسب ظروفها. لكنها تنطلق من قاعدة واحدة: قياس نجاح الاقتصاد بقدرته على تحسين حياة الناس. وقد شدد برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في ورقة صدرت في تشرين الثاني/نوفمبر 2025 على الجمع بين النمو الكثيف التشغيل، ورفع الأجور، والحماية الاجتماعية القادرة على الاستجابة للصدمات، لضمان خروج مستدام من الفقر.
وعندما ننتقل إلى منطقتنا، تتخذ هذه الأسئلة إلحاحًا أكبر. فالعالم العربي ليس كتلة اقتصادية واحدة؛ فيه تفاوت واسع في الموارد والقدرات، لكن الحروب وأعباء الديون وارتفاع كلفة المعيشة وضعف الحماية تتقاطع في تعميق الحرمان. وأشار تقرير للإسكوا صدر عام 2024 إلى معاناة نحو 181 مليون شخص في المنطقة من انعدام الأمن الغذائي. وهذا مؤشر على اتساع الهشاشة، وإن لم يكن مساويًا لعدد الفقراء وفق خطوط الدخل.
وفي فلسطين، لا يمكن فصل الفقر عن الاحتلال والقيود على الحركة والعمل والتجارة، وعن الدمار والتهجير في قطاع غزة. فقد أشار البنك الدولي في تشرين الأول/أكتوبر 2025 إلى أن الفقر طال تقريبًا جميع سكان القطاع منذ عام 2024. وأكد تقريره الصادر في أيار/مايو 2026 استمرار ضعف القدرة الشرائية والاعتماد الكبير على المساعدات، إلى جانب القيود التي تعوق تعافي اقتصاد الضفة الغربية. ولذلك فإن مكافحة الفقر الفلسطيني تتطلب الإغاثة وإعادة الإعمار وحماية العمل والإنتاج، وترتبط أيضًا بإنهاء الاحتلال وتمكين الشعب الفلسطيني من التحكم بموارده ومستقبله.
وفي إسرائيل، يكشف تقرير مؤسسة التأمين الوطني عن عام 2024 أن نحو مليوني شخص عاشوا تحت خط الفقر، بينهم نحو 880 ألف طفل؛ أي 20,7٪ من السكان و28٪ من الأطفال. وبلغت نسبة الفقر بين الأسر العربية 37,6٪. وهذه بيانات عن الفقر النسبي وفق المقياس المحلي، فلا تُقارن مباشرة بخط الفقر المدقع العالمي. ويُظهر التقرير نفسه أن التحويلات الاجتماعية والضرائب المباشرة خفضت نسبة الفقر بين الأفراد من 31,5٪ قبل احتسابها إلى 20,7٪ بعدها؛ وهو دليل على أثر تدخل الدولة، وعلى الحاجة إلى تعزيز كفاية هذا التدخل وعدالته.
إن اختلاف هذه الأوضاع لا يلغي مسؤولية السياسات العامة عن حماية الناس، لكنه يفرض فهم خصوصية كل واقع. ففي منطقتنا تتلاقى الحاجة إلى السلام والحرية مع الحاجة إلى العدالة الاجتماعية، وتلتقي حقوق العمال مع حق الشعوب في التنمية.
وفي اليوم الدولي للقضاء على الفقر، ينبغي أن يكون صوت الفقراء حاضرًا في تحديد الحلول، وأن تتحول الأرقام إلى التزامات وموازنات وحقوق قابلة للتحقق. فالكرامة تحتاج إلى أجر ومعاش ومسكن ومدرسة وعلاج، وإلى مجتمع يضمن للإنسان أن يعيش ثمرة عمله، وأن يجد الحماية حين يعجز عن العمل. الفقر ليس قدرًا، ومواجهته مسؤولية سياسية واقتصادية واجتماعية لا يجوز تأجيلها.