اتحاد عمال جنوب افريقيا -كوساتو- أمام اختبار الوحدة: خلافات القيادة والتمثيل تؤجل المؤتمر الوطني الخامس عشر


جهاد عقل
الحوار المتمدن - العدد: 8835 - 2026 / 9 / 21 - 12:01
المحور: الحركة العمالية والنقابية     

- من أزمة النصاب القانوني إلى مستقبل العمل النقابي: كيف يستعيد اتحاد عمال جنوب أفريقيا مسار مؤتمره وأولوياته العمالية؟
لم يكن تأجيل المؤتمر الوطني الخامس عشر لاتحاد نقابات عمال جنوب أفريقيا (COSATU)، في 16 أيلول/سبتمبر 2026، مجرد تعثر إجرائي في جدول أعمال مؤتمر نقابي. فقد جاء القرار في لحظة كان يُنتظر فيها من الاتحاد أن يناقش تحديات البطالة والفقر وعدم المساواة، وأن يحدد أولوياته التنظيمية والسياسية للمرحلة المقبلة.
وكان المؤتمر قد انطلق في مركز غالاغر للمؤتمرات بمدينة ميدراند، في الفترة المقررة من 14 إلى 17 أيلول، بمشاركة ممثلين عن النقابات الأعضاء، حاملًا شعارًا يربط بناء حركة عمالية كفاحية وثورية بتعزيز وحدة الطبقة العاملة المناهضة للإمبريالية، والدفاع عن الوظائف والتقدم نحو الاشتراكية.غير أن خلافات داخلية بشأن القيادة والتمثيل وإجراءات اعتماد المندوبين حالت دون استكمال أعماله، ودفعت قيادة الاتحاد إلى اتخاذ قرار التأجيل.
وفي بيان رسمي صدر يوم 16 أيلول، وصف كوساتو القرار بأنه صعب ومؤلم، لكنه ضروري لحماية وحدة الاتحاد وسلامته وقوته التنظيمية، مؤكدًا أنه «"سؤال يتجاوز موعد استئناف المؤتمر: كيف يمكن لحركة نقابية ذات تاريخ نضالي طويل أن تدير خلافاتها الداخلية بصورة ديمقراطية، وتحافظ في الوقت نفسه على قدرتها على الدفاع عن العمال؟
- من مؤتمر لتجديد الحركة العمالية إلى أزمة النصاب
كان من المنتظر أن يشكل المؤتمر محطة لتقييم أداء كوساتو، ومراجعة أوضاع النقابات الأعضاء، وانتخاب قيادة جديدة، ووضع برنامج عمل يستجيب للتحولات الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه الطبقة العاملة في جنوب أفريقيا.
وقد شارك في المؤتمر نحو 1,800 مندوب، وفق التقديرات المنشورة، قبل أن تتعثر أعماله نتيجة خلافات بشأن أهلية أحد المرشحين للمناصب القيادية وإجراءات اعتماد المندوبين.
وتمحور الخلاف المباشر حول مايك شينغانغي، النائب الأول لرئيس كوساتو، الذي كان يسعى إلى الترشح لرئاسة الاتحاد.
وكانت نقابته، الاتحاد الوطني للعاملين في التعليم والصحة والخدمات المرتبطة بها (NEHAWU)، قد أوقفته احترازيًا قبيل انعقاد المؤتمر، على خلفية خلاف بشأن ترشحه. وأثار القرار تساؤلات حول أهليته للاستمرار في منصبه داخل كوساتو، وحقه في خوض الانتخابات القيادية.
وحصل الاتحاد على رأي قانوني يفيد بأن الإيقاف الاحترازي من النقابة لا يعادل الفصل منها، وبالتالي لا يسقط عضويته القيادية أو أهليته للترشح. غير أن هذا التفسير لم ينهِ الخلاف بين النقابات الأعضاء. وتشير التغطيات الصحفية إلى أن عددًا من النقابات، بينها النقابة الوطنية لعمال المناجم (NUM)، امتنع عن تقديم قوائم مندوبيه قبل تسوية الخلاف، مما حال دون إثبات اكتمال النصاب القانوني.كما برز خلاف آخر حول اعتماد مندوبي نقابة العاملين في التجارة والمطاعم والقطاعات المرتبطة بها (SACCAWU)، وحقوقهم في التصويت. وهكذا تحولت الخلافات بشأن القيادة والتمثيل إلى عقبة إجرائية حالت دون استكمال المؤتمر.

- لماذا قررت القيادة تأجيل المؤتمر؟
استند قرار التأجيل إلى المادة 3.4 من دستور كوساتو، التي تنص على تأجيل الاجتماع في حال عدم اكتمال النصاب القانوني، على أن يُعقد مجددًا خلال شهر في زمان ومكان يحددهما رئيس الاتحاد.
وأعلنت قيادة كوساتو أن اللجنة التنفيذية المركزية ستجتمع بصورة عاجلة لمعالجة المسائل العالقة، واستكمال الاستعدادات الدستورية والسياسية واللوجستية لاستئناف المؤتمر. ولم يحدد البيان الرسمي الصادر في 16 أيلول موعدًا جديدًا للانعقاد.
ومن المهم التمييز هنا بين الوقائع المؤكدة والتفسيرات المتداولة: فعدم اكتمال النصاب هو الأساس الدستوري المعلن للتأجيل، بينما تشكل الخلافات حول الترشح واعتماد المندوبين الخلفية المباشرة التي كشفت عنها التغطيات الصحفية.أما طبيعة التسويات التي قد تتوصل إليها النقابات، فلا تزال مفتوحة.

- هل تعكس الأزمة خلافات سياسية أعمق؟
لا يمكن فصل تطورات المؤتمر عن النقاشات السياسية الدائرة داخل الحركة النقابية الجنوب أفريقية، ولا سيما بشأن مستقبل التحالف الثلاثي الذي يجمع كوساتو والمؤتمر الوطني الأفريقي (ANC) والحزب الشيوعي الجنوب أفريقي (SACP).
فقد شهد هذا التحالف، الذي لعب دورًا تاريخيًا في مقاومة نظام الفصل العنصري وبناء جنوب أفريقيا الديمقراطية، تباينات بشأن السياسات الاقتصادية، والعلاقة مع الحكومة، والموقف من الانتخابات.
وتشير تقارير صحفية إلى أن قرار الحزب الشيوعي خوض الانتخابات المحلية لعام 2026 بصورة مستقلة عن المؤتمر الوطني الأفريقي أضاف بُعدًا جديدًا إلى النقاش بشأن مستقبل التحالف.
كما برزت خلافات حول إعادة هيكلة شركة الكهرباء الحكومية إسكوم، حيث تعارض نقابة عمال المناجم خطوات ترى أنها قد تؤدي إلى الخصخصة وتهديد أمن العمال الوظيفي.
لكن هذه التباينات لا تعني بالضرورة أن كل نقابة اتخذت موقفها من أزمة المؤتمر استنادًا إلى اصطفاف سياسي محدد. فالأسباب المباشرة للتأجيل تتعلق بالترشح والتمثيل والنصاب، بينما تشكل الخلافات السياسية سياقًا أوسع يحتاج إلى متابعة مستقلة.
والسؤال الذي تطرحه هذه التطورات هو كيفية إدارة العلاقة بين استقلالية القرار النقابي والالتزامات السياسية التاريخية، مع الحفاظ على حق النقابات الأعضاء في الاختلاف والمشاركة الديمقراطية.

- أربعون عامًا من التاريخ النقابي أمام تحديات الحاضر
تأسس كوساتو في كانون الأول/ديسمبر 1985، في مرحلة كانت فيها الحركة العمالية إحدى القوى المنظمة في مقاومة نظام الفصل العنصري. ولم يقتصر دوره على المطالبة بتحسين الأجور وظروف العمل، بل امتد إلى المشاركة في النضال من أجل الحقوق الديمقراطية والمساواة، ثم المساهمة في النقاشات المتعلقة بالتشريعات العمالية والحماية الاجتماعية بعد انتهاء نظام الأبارتهايد.
وقد منح هذا التاريخ الاتحاد مكانة تتجاوز حدود جنوب أفريقيا، من خلال علاقاته بالحركة النقابية الأفريقية والدولية وتضامنه مع قضايا العمال والشعوب.لكن التاريخ النضالي، مهما بلغت أهميته، لا يلغي الحاجة إلى تجديد التنظيم النقابي ومراجعة أساليب العمل.
وتشير الوثائق التنظيمية المعدة للمؤتمر إلى تحديات تشمل تراجع العضوية في بعض القطاعات، واتساع العمل غير المستقر، والتعاقد الخارجي، وضعف التنظيم في مواقع عمل جديدة، فضلًا عن الضغوط المالية والتنظيمية التي تواجه النقابات. 
وتبرز هذه القضايا الحاجة إلى نقاش يتجاوز انتخاب القيادة، ليشمل كيفية توسيع قاعدة الاتحاد وتعزيز حضور الشباب والنساء والعمال الذين لا تشملهم أشكال التنظيم التقليدية.

- القضايا العمالية التي تنتظر استئناف المؤتمر
كان المؤتمر مدعوًا إلى معالجة ملفات اقتصادية واجتماعية ترتبط مباشرة بحياة العمال ومستقبلهم.
وتشمل هذه الملفات البطالة المرتفعة، والفقر وعدم المساواة، وتراجع فرص العمل المستقر، وتسريح العمال، وارتفاع تكاليف المعيشة. كما تتضمن الدفاع عن المفاوضة الجماعية والأجور اللائقة والخدمات العامة، ومواجهة آثار التقشف وإعادة هيكلة المؤسسات على العمال.
وتشير وثائق الاتحاد إلى ضرورة تجديد التنظيم في أماكن العمل، واستقطاب العمال في أشكال التشغيل غير المستقرة، وتحسين المساءلة القيادية وتطوير وسائل التنظيم النقابي. وتكتسب هذه القضايا أهمية خاصة في بلد لا تزال فيه البطالة وعدم المساواة من أبرز التحديات الاجتماعية والاقتصادية.
إن تأجيل المؤتمر لا يلغي هذه الملفات، لكنه يؤخر استكمال النقاش المؤسسي بشأنها واتخاذ القرارات المرتبطة بها.
ولهذا فإن استئناف المؤتمر لا يتعلق فقط بحسم الخلافات القيادية، بل بإتاحة الفرصة للمندوبين لمناقشة التقارير والبرامج وانتخاب القيادة وفق الإجراءات الدستورية.

- الوحدة النقابية بين الديمقراطية والمسؤولية الجماعية
يحمل البيان الرسمي لكوساتو رسالة واضحة مفادها أن الاختلاف داخل الاتحاد لا ينبغي أن يتحول إلى انقسام يضعف قدرته على تمثيل العمال.
وقد دعا الاتحاد نقاباته الأعضاء إلى استثمار فترة التأجيل في الحوار المتبادل وإعادة بناء الثقة، مؤكدًا أن الوحدة لا تظهر فقط عندما يتفق الجميع، بل تتعرض للاختبار عندما يختلفون.
وهنا تبرز مسألة نقابية أساسية: الوحدة التنظيمية لا تعني إلغاء الاختلاف، كما أن الديمقراطية الداخلية لا تقتصر على إجراء الانتخابات. فهي تشمل وضوح القواعد الدستورية، والمساواة في حقوق التمثيل، واحترام استقلالية النقابات الأعضاء، وتوفير آليات لمعالجة النزاعات دون تعطيل المؤسسات.
وتكشف الأزمة الحالية عن أهمية هذه المسائل بالنسبة إلى اتحاد يضم نقابات من قطاعات متعددة، لكل منها مصالحها وتجاربها وتوجهاتها. ويمكن أن توفر فترة التأجيل فرصة لمعالجة الخلافات بصورة مؤسسية، لكن نجاح ذلك يتوقف على ما ستسفر عنه اجتماعات القيادة والنقابات الأعضاء، وعلى قدرتها على استئناف المؤتمر وفق قواعد متفق عليها.

- البعد الدولي للأزمة
لا تنحصر أهمية التطورات داخل حدود جنوب أفريقيا.ف "كوساتو" أحد الاتحادات ذات الحضور التاريخي في الحركة النقابية الأفريقية والدولية، وقد ارتبط اسمه بالتضامن العمالي العابر للحدود وبالنضال ضد الفصل العنصري.
وتتابع الحركة النقابية الدولية تجربته أيضًا في قضايا الانتقال العادل، والتغير المناخي، وحماية الخدمات العامة، والتنظيم في القطاعات الصناعية والخدمية. ومن هذه الزاوية، يثير تأجيل المؤتمر تساؤلات تتصل باستمرارية البرامج النقابية الدولية للاتحاد، ومدى تأثير الخلافات الداخلية على قدرته على تنفيذ التزاماته. لكن لا تتوافر حتى الآن معطيات تثبت حدوث تعطيل فعلي لهذه البرامج نتيجة التأجيل، ومن الضروري التمييز بين المخاوف المحتملة والنتائج التي يمكن توثيقها.

- المؤتمر تأجل، لكن مسؤولية تمثيل العمال مستمرة
يواجه "كوساتو" لحظة تنظيمية تتطلب معالجة خلافات القيادة والتمثيل، واستكمال مؤتمره الوطني وفق دستوره، وإعادة النقاش إلى القضايا التي انتدب العمال ممثليهم لمعالجتها. وقد أكد الاتحاد في بيانه أن العمال أرسلوا مندوبيهم إلى المؤتمر لمواجهة البطالة والفقر وعدم المساواة والاستغلال وتسريح العمال وارتفاع تكاليف المعيشة، وللدفاع عن الوظائف والأجور اللائقة والخدمات العامة وكرامة الطبقة العاملة.
وتلخص هذه الرسالة الفارق بين جدول أعمال المؤتمر الذي تعثر، والمسؤوليات النقابية التي لا تتوقف بتأجيله.
إن الاختبار الذي يواجه كوساتو الآن هو قدرته على معالجة خلافاته بالوسائل الديمقراطية والدستورية، واستئناف أعمال مؤتمره، وتحويل أولوياته المعلنة إلى قرارات وبرامج قابلة للتنفيذ.
فالمؤتمر الوطني الخامس عشر لم يُختتم بعد، ولم تصدر عنه حصيلة نهائية يمكن تقييمها. وستتضح نتائج هذه المرحلة عندما يستأنف المندوبون أعمالهم، ويناقشون التقارير، ويبتّون في القضايا التنظيمية والسياسية والعمالية المطروحة أمامهم.
ويبقى ما أكده كوساتو في ختام بيانه هو جوهر المسؤولية الملقاة على عاتق قيادته ونقاباته الأعضاء: أن الاتحاد أكبر من أي فرد، وأن حمايته وتعزيزه وتسليمه إلى الجيل القادم مسؤولية جماعية.

المصادر: بيان كوساتو الرسمي، 16 أيلول/سبتمبر 2026؛ وتقارير SABC News وBusiness Day وDaily Maverick وIndependent Online المنشورة يومي 15 و16 أيلول/سبتمبر 2026. لم تُعامل التقارير المقدمة إلى المؤتمر بوصفها قرارات معتمدة منه.