التمييز ضد النساء في عالم العمل: المساواة حقّ يُنتزع بالنضال النقابي


جهاد عقل
الحوار المتمدن - العدد: 8856 - 2026 / 10 / 12 - 11:28
المحور: الحركة العمالية والنقابية     

ليست المساواة شعارًا يُرفع في المناسبات، ولا وعدًا إداريًا يُترك لتقدير أصحاب العمل. المساواة حقّ عمالي كامل، لا يتحقق إلا بالتنظيم النقابي، والمفاوضة الجماعية، والضغط المستمر، وربط كل مبدأ عام بمطلب واضح وآلية تنفيذ ومساءلة. فكل فرصة توظيف تُحجب عن امرأة، وكل أجر يُنتقص، وكل ترقية تُربط بشروط مجحفة، وكل شكوى تُهمَل، هي شكل من أشكال التمييز الذي يجب أن تواجهه النقابة بلا تردد.
هذا الموضوع يشغل الحركة النقابية بإستمرار ومختلف الهيئات الدولية، لكن قضية التمييز بحق المرأة العاملة ما زالت قائمة وللأسف، لاهمية الموضوع نستعرض هنا قضية التمييز بحقّ المرأة العاملة اعتماداً على مادة نشرها الاتحاد الدولي لنقابات عمال الصناعة.(1)
تقدّم المادة التي نشرها الاتحاد الدولي لنقابات عمال الصناعة ، بعنوان "خمس طرق لجعل التحوّل نحو المساواة بين الجنسين في العمل واقعًا"، مدخلًا مهمًا إلى هذه المعركة. فهي لا تكتفي بالدعوة إلى تغيير الخطاب، بل تضع القواعد التي تنظّم العمل وتوزّع الفرص والمسؤوليات والسلطة موضع المساءلة. وهذه هي النقطة التي يجب أن تنطلق منها الحركة النقابية: لا مساواة حقيقية من دون تغيير شروط العمل، ولا تغيير من دون قوة جماعية تفرضه على طاولة المفاوضة.

كما وجدنا ان المادة تعرض مثالاً سويديًا مهمًا يوضح كيف يمكن تحويل المساواة من مبدأ عام إلى ممارسة نقابية ملموسة. ففي السويد، أظهرت تجربة نقابية في قطاع الصناعة أن معالجة الفجوة بين النساء والرجال لا تقتصر على المطالبة بأجر متساوٍ، بل تشمل مراجعة أنظمة الأجور والتصنيف المهني، وتحديد القيمة الفعلية للمهارات والمسؤوليات التي تتطلبها الوظائف، وإشراك العاملات في كشف أوجه التحيّز داخل مكان العمل. ويكشف هذا المثال أن التغيير يصبح ممكنًا عندما تستخدم النقابات البيانات والمفاوضة الجماعية والتمثيل العمالي للضغط من أجل تعديل القواعد التي تنتج التفاوت، لا الاكتفاء بإدانة نتائجه.

قد تعلن الإدارة أنها تطبّق قواعد موحّدة على جميع العاملين، لكن القاعدة الموحّدة قد تكون أداة للتمييز إذا تجاهلت اختلاف الظروف والاحتياجات. فاشتراط التفرّغ الدائم للعمل الإضافي للحصول على ترقية يعاقب العاملات اللواتي يتحمّلن مسؤوليات الرعاية، حتى عندما يمتلكن الكفاءة والخبرة. وتوفير معدات وقاية بمقاسات لا تلائم أجساد العاملات ليس تفصيلًا تقنيًا، بل تقصير في حقهن بالسلامة والحماية.
لذلك، لا يجوز للنقابات أن تكتفي برصد هذه الاختلالات، بل عليها أن تضعها في صلب المفاوضة الجماعية. والمطلوب هو التفاوض على معايير توظيف وترقية مكتوبة وشفافة، تمنع التمييز المباشر وغير المباشر، وتضمن احتساب الخبرة والكفاءة بدلًا من التفرّغ غير المحدود. كما يجب إلزام أصحاب العمل بمراجعة معدات السلامة، وإشراك العاملات في تحديد احتياجاتهن، وإدراج حق النقابة في مراقبة تطبيق هذه المعايير ورفع التقارير بشأنها.

تظهر جذور التفاوت بوضوح في العلاقة بين العمل المأجور وأعمال الرعاية داخل الأسرة. فالطبخ والتنظيف ورعاية الأطفال والمسنّين والمرضى أعمال ضرورية لاستمرار المجتمع، لكن تحميل النساء معظم هذه المسؤوليات يضيّق خياراتهن المهنية، ويستنزف وقتهن، ويحدّ من مشاركتهن في التنظيم النقابي. ولا يجوز أن تتحول مسؤوليات الرعاية إلى عقوبة مهنية تُفرض على النساء وحدهن.
ويكفي هنا مثال إحصائي واحد: قدّرت منظمة العمل الدولية أن 708 ملايين امرأة كنّ خارج القوى العاملة عالميًا في عام 2023 بسبب مسؤوليات الرعاية غير المدفوعة، وفق خبر نشرته المنظمة في 2024. ويشير الرقم إلى حجم أثر الرعاية غير المدفوعة في مشاركة النساء الاقتصادية، من دون أن يثبت وحده أن مسؤوليات الرعاية كانت السبب الوحيد في كل حالة(2).
عليه، يجب أن تتحول الرعاية إلى محور تفاوضي واضح. فالمطلوب هو انتزاع نصوص ملزمة في الاتفاقات الجماعية لتوفير الحضانات أو بدل رعاية مناسب، وإقرار إجازات والدية مدفوعة وعادلة، وضمان عدم معاقبة العاملات بسبب إجازات الأمومة أو مسؤولياتهن الأسرية. كما يجب تنظيم العمل المرن بحيث يكون حقًا اختياريًا لا وسيلة لخفض الأجر أو تعطيل الترقية أو تمديد يوم العمل إلى ما بعد ساعات الدوام. وعلى النقابات أن تطالب بإشراك الرجال في مسؤوليات الرعاية، لا أن تترك النساء وحدهن في مواجهة نتائجها المهنية.
أما الأجور، فلا يكفي إعلان المساواة فيها. المطلوب هو كشف الفجوات وإغلاقها. ويجب أن يستند تقييم العمل إلى المهارة والجهد والمسؤولية وظروف الأداء، لا إلى الصور النمطية التي تقلّل من قيمة المهن التي تتركز فيها النساء. وتؤسّس اتفاقية منظمة العمل الدولية بشأن المساواة في الأجور لمبدأ المساواة في الأجر عن عمل متساوي القيمة، بما يسمح بمقارنة وظائف مختلفة تتكافأ قيمتها الفعلية. (3)

لذلك نؤكد أنه تقع على النقابات مسؤولية مباشرة: يجب أن تطالب بإعلان سلالم الأجور، ونشر معايير العلاوات، وإجراء تدقيق دوري للفجوة بين أجور النساء والرجال، وإعادة تصنيف الوظائف التي جرى التقليل من قيمتها تاريخيًا. كما ينبغي إدراج بند واضح في الاتفاقات الجماعية يلزم صاحب العمل بتصحيح أي فجوة غير مبررة ضمن جدول زمني محدد، مع حق النقابة في الاطلاع على البيانات ومتابعة التنفيذ. فشفافية الأجور ليست امتيازًا إداريًا، بل حق تفاوضي لا يجوز التنازل عنه.

كما يؤكد المثال السويدي أن هذه المطالب لا تبقى نظرية عندما تمتلك النقابة أدوات المتابعة والضغط. فمراجعة الأجور، وإعادة تقييم الوظائف، وإشراك العاملات في تحديد مواطن التمييز، كلها خطوات يمكن نقلها وتكييفها في قطاعات وبلدان مختلفة. والمهم هو أن تتحول المساواة إلى بند تفاوضي قابل للقياس، لا إلى إعلان عام لا يترتب عليه أي التزام.
وعليه لا تكتمل المساواة إذا بقيت النساء خارج مواقع القرار النقابي. فتمثيل النساء في الهيئات القيادية يجب أن يتحول إلى نفوذ فعلي في صياغة المطالب، وقيادة المفاوضات، وتحديد أولويات التنظيم. ولا يكفي أن تُدعى العاملات إلى الاجتماعات؛ يجب أن تكون لهن حصة مؤثرة في اللجان والهيئات المنتخبة، وأن تُدرج قضاياهن في برامج النقابات لا بوصفها ملفًا هامشيًا، بل باعتبارها جزءًا من جوهر العمل النقابي.على النقابات أن تتفاوض داخليًا أيضًا من أجل إزالة العوائق التي تحدّ من مشاركة النساء. ويشمل ذلك عقد الاجتماعات في أوقات مناسبة، وتوفير دعم للرعاية أثناء الأنشطة، وضمان فرص متساوية في التدريب والتأهيل، واعتماد آليات انتخاب وتمثيل تمنع الإقصاء. كما يجب إنشاء لجان نقابية مختصة بالمساواة، تتمتع بصلاحيات واضحة وموارد كافية، وتقدّم تقارير دورية إلى الهيئات القيادية والعضوية.

أما التمييز والتحرّش، فلا مكان للتسامح معهما تحت أي ذريعة. فالعنف والتحرّش يهددان سلامة العاملات ويقوّضان قدرتهن على المشاركة والتبليغ والتنظيم. وتوفّر اتفاقية منظمة العمل الدولية رقم 190 بشأن العنف والتحرّش في عالم العمل إطارًا دوليًا مهمًا، يشمل العنف والتحرّش القائمين على النوع الاجتماعي. وقد دخلت الاتفاقية حيّز النفاذ في 25 حزيران/يونيو 2021. (4)
يجب على النقابات أن تفرض إدراج بنود صريحة في الاتفاقات الجماعية تجرّم التحرّش، وتحدّد إجراءات الوقاية والتبليغ والتحقيق والعقوبات، وتحمي المبلّغات والمبلّغين من الانتقام. كما يجب توفير قنوات شكوى مستقلة وسرية، وضمان تمثيل نقابي فعلي في التحقيقات، وعدم السماح بنقل الضحية أو معاقبتها بدلًا من محاسبة المعتدي. فالأمان في مكان العمل ليس مطلبًا ثانويًا، بل شرط أساسي لممارسة أي حق عمالي.

أما في واقعنا العربي، لا بد من الانتقال من البيانات العامة إلى برامج تفاوضية قابلة للتنفيذ. يبدأ ذلك بتنظيم لقاءات منتظمة مع العاملات في مواقع العمل، بما في ذلك العاملات بعقود مؤقتة أو في القطاعات غير المنظمة، وتوثيق الانتهاكات، ثم تحويلها إلى مطالب محددة. ومن هذه المطالب: عقود مكتوبة، أجر متساوٍ، حماية من الفصل بسبب الحمل أو الأمومة، فرص تدريب وترقية عادلة، معدات سلامة ملائمة، حضانات وخدمات رعاية، وآليات فعالة لمواجهة العنف والتحرّش.

بل يجب أن تتضمن كل جولة تفاوضية ملفًا خاصًا بالمساواة بين الجنسين، لا أن تُترك القضية للمناسبات. كما ينبغي تحديد أولويات واضحة، وجدول زمني للتنفيذ، ومؤشرات لقياس التقدم، وآلية تصعيد عند رفض المطالب. فالمفاوضة الجماعية لا تكون فعالة إذا اقتصرت على المطالبة الأخلاقية؛ قوتها في تحويل المطالب إلى التزامات مكتوبة، وربطها بالرقابة والضغط والإضراب عند الضرورة.
إن قوة النقابة تُقاس بقدرتها على حماية أضعف أعضائها، وخصوصًا العاملات اللواتي يواجهن التمييز المركّب في الأجر والوقت والأمان والتمثيل. وكل مكسب يُنتزع في هذا المجال يرفع مستوى شروط العمل للجميع، ويعزّز الثقة بالتنظيم الجماعي، ويؤكد أن النقابة ليست وسيطًا بين العامل وصاحب العمل، بل أداة نضال تفرض العدالة وتدافع عن الكرامة.

هذه هي الرسالة التي ينبغي تطويرها انطلاقًا من مادة ״ الاتحاد الدولي لنقابات عمال الصناعة": المساواة لا تُمنح، بل تُنتزع بالنضال والتنظيم. وهي لا تُقاس بعدد الشعارات، بل بما يُكتب في الاتفاقات الجماعية، وما يُنفّذ في مواقع العمل، وما يُحاسب عليه أصحاب العمل. وعندما تضع النقابات الأجر والوقت والرعاية والسلامة والتمثيل في صلب مفاوضاتها، وتستفيد من التجارب النقابية، ومنها المثال السويدي، تصبح المساواة قوة عملية، ويصبح عالم العمل أكثر عدلًا وكرامة للجميع.

هوامش:
1-استنادًا إلى مادة الاتحاد الدولي لنقابات عمال الصناعةhttps://www.industriall--union-.org/5-ways-to-make-gender-transformation-at-work-a-reality/
2-4 مواد صادرة عن منظمة العمل الدولية