حول كذبة -يوم السيادة-!
فارس محمود
الحوار المتمدن
-
العدد: 8849 - 2026 / 10 / 5 - 21:59
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
مع ما يسمى بـ"جلاء" القوات الأمريكية من العراق، شهدنا حملة صخب وأهازيج وفرحاً مفتعلاً بمناسبة يوم "تحقيق العراق لسيادته" ويوم "دحر أمريكا على أيدي فصائل المقاومة وتحت ضرباتها"، وغيرها من تصاوير كاذبة لا أساس لها. من بين ذلك، خصصت حكومة الإطار التنسيقي من جانبها يومين بوصفهما عطلة رسمية، وأُقيمت العديد من التجمعات ونُظمت التظاهرات والمسيرات من قبل هذه الفصائل بالأساس، وخصصوا لها الحافلات لنقل جماعاتهم ووجبات الطعام وخلافه، و"طالت ألسنة" "الذبّابين" الذين يطلقون على أنفسهم "محللين" سياسيين، والذين تحدثوا عن "بطولات" فصائل المقاومة في إرساء هذه اللحظة "التاريخية"، وأطلق قادة الفصائل العنان لألسنتهم لتزداد شراسة وغروراً وعنجهية. إن السؤال المطروح: "لمن ولماذا كل هذا؟!"
إن "يوم السيادة" ما هو إلا كذبة بكل ما للكلمة من معنى. إن القوات الأمريكية أتت إلى العراق بناءً على طلب المالكي رئيس الحكومة العراقية في وقتها (أو قل تيارات الإسلام السياسي الشيعي الحاكمة) المرتعبة من "داعش"، وبهدف صيانة السلطة الطائفية والميليشياوية القائمة؛ حيث طلبوا دعم هذه القوات للتصدي لداعش التي سيطرت على ثلث العراق حسب ادعائهم. وها هي أمريكا اليوم تخرج من العراق لأي سبب كان ما عدا "دكّ الفصائل لها"! فما الذي جرى، ولِمَ كل هذه "الزيطة والزنبليطة"؟!
إن تاريخ تيارات الإسلام السياسي الشيعي وفصائل المقاومة هو تاريخ الكذب وتزوير الحقائق والتلفيق وتجهيل الجماهير من أجل ترسيخ هيمنتها على السلطة. إنها تسعى لتضخيم هذا الحدث، فهم يعرفون أن آليات التدخل السياسي والعسكري والاقتصادي الامريكي هي أبعد من أن تكون مرتبطة بتواجد قوات على الأرض، وإن انسحاب القوات الأمريكية، للأسف، لا يخفف من قبضتها المشؤومة والإجرامية على العراق والمنطقة.
"منجز" لمن لا منجز له!
إن هذه الفصائل تسعى لفبركة وافتعال "منجز" و"مكسب" وهمي وكاذب. وهي وسلطتها وعقدان من حكمهما بلغا الحضيض من حيث العجز عن الرد على متطلبات المجتمع التي ليست من أولوياتهم أساساً؛ فكل شيء تراجع بشكل رهيب: من الخدمات، للأمان والإنعدام الأمني والاقتصادي، إلى التراجع المادي والمعنوي، لغياب القانون، لتحكم العشائر في المجتمع، للتردي الفظيع في حقوق النساء، لمصادرة الحريات السياسية والمدنية، وإلخ. إنها تسعى لتسجيل مكسب و"انتصار"، والأغلبية الساحقة تعرف أن سلاح الفصائل ليس له أي صلة بإخراج المحتل، إن هذه دعاية كاذبة. إن سلاح الفصائل يتعقب هدفاً واحداً فقط داخل المجتمع وليس خارجه: إرضاخ المجتمع والسيطرة عليه وعلى ثرواته ومقدراته، بالارتباط مع الإطار التنسيقي ونظام الجمهورية الإسلامية، ولي نعمتهم. يريدون تكرار "طردنا لكم المحتل" بعد أن بَلُت ورقة "حفظنا أعراضكم وشرفكم" البالية والسخيفة إثر دحر داعش.
الهدف الحقيقي من "سلاح الفصائل"!
لقد صدّعوا رؤوسنا بأن "هذا السلاح هو لطرد المحتل وإن بقاءه مرهون بوجود المحتل"، و"هذا السلاح موجود لحماية البلد وذلك لضعف الجيش والقوات المسلحة". الكل كان يعرف أن هذه كذبة أخرى لا تنطلي على أحد؛ لأن هذا السلاح هو من أجل مكانتهم في السلطة والثروات والمكاتب الاقتصادية والنهب وسلب الأراضي والعقارات وغير ذلك. وما إن خرجت القوات الأمريكية حتى انكشفت كذبتهم، ليس هذا فحسب، بل أصبحوا يتمادون ويهددون بتبجح وغرور زائفين بالإطاحة بحكومة الزيدي! الكل كان يعرف أنهم لن يسلموا أسلحتهم مع "جلاء" القوات الأمريكية، لأن الأمر لا يتعدى كونه حجة؛ سيأتون بعدها بحجج أخرى من مثل "خروج القوات الأمريكية من المنطقة"، "نزع سلاح البيشمركة"، "قواعد تركيا" وغير ذلك. وقد قالوها وأصدروا بيانات بهذا الصدد! وحتى لو تحقق كل هذا، سيأتون بحجج أخرى.
من جهة أخرى، لا يتعلق الأمر بضعف الجيش والقوات المسلحة، فمن أضعفها؟ هم أنفسهم وحكوماتهم الولائية المتعاقبة كي يبرروا بقاءهم، وإلا فالأسلحة أسلحة الحكومة، والرواتب رواتب الحكومة، والرجال هم رجال هذا المجتمع الذين لم يأتِ الأغلبية منهم إلا لغياب فرص العمل والجوع والفقر.
تغيرت نبرة الإطار التنسيقي، بعد زيارة قاليباف، من "نزع السلاح" حتى يوم (30 أيلول) كحد أقصى إلى "حصر السلاح" و"تنظيم السلاح"، ومن "تنظيم الدولة للسلاح" إلى "تنظيم الفصائل للسلاح مع الدولة" وغيرها من الضحك على الذقون!! وعلى العكس من ذلك، مدّ الإطار أياديه أكثر إلى طرح قانون جديد "للحشد" أرسلته الحكومة للبرلمان من أجل إقراره، وهدفه هو الاستفادة من الأوضاع للمضي خطوة إضافية في ترسيخ سلطتهم الميليشياوية الطائفية.
الإطار-الحشد والفصائل: وجهان لعملة واحدة!
ثمة تصوير كاذب يسعون لإمراره على المجتمع أيضاً، ألا وهو علاقة الإطار بالفصائل؛ إذ يسعون لتصوير الطرفين على أنهما كيانان مستقلان ومختلفان. بيد أن الفصائل هي الحشد، إنهما شيء واحد، قسمان لحركة واحدة: أحدهما يظهر كسلطة ودولة و"قانون" و"حكومة"، والآخر "مقاوم" و"عنفي". الأول يستفيد من الثاني كأداة مسلحة يحتاجها لقمع الاحتجاجات غداً، والثاني يستفيد من الأول كغطاء سياسي ومالي ورسمي له. ولكن الكثير من فصائل المقاومة هي في الحشد الشعبي وتستلم رواتبها وسلاحها من الحشد و"الدولة"، بيد أن الأخيرة معترضة على الأولى فقط فيما يتعلق بحصتها من السلطة والثروة. فمثلما يسميها أحد الكتاب: شيعة السلاح (الفصائل) منزعجة من شيعة السلطة (الإطار التنسيقي والحشد) من زاوية حصتها تلك، فيما سعت الثانية، عبر دعم حركة السوداني بنزع سلاح الفصائل، من أجل حذف هذه الجماعات الباحثة عن سلطة وثروة والتي تنافسها عبر "سلاح المقاومة" هذا، أي أنه حتى بوجودهم في سلة واحدة، بيد أن الصراع قائم فيما بينهم حول السلطة والثروة.
ولهذا يفهم كل واحدٍ منهما الآخر؛ فقد رأينا بأم أعيننا كيف حين غضب "الحشد" من الحكومة والقوات الحكومية جراء اعتقالها مرتين أو أكثر لقادة الميليشيات، إذ طالب وضغط الحشد من أجل تسليمهم ومحاكمتهم من قبل الحشد حصراً، ليُطلق سراحهم فوراً معززين ومكرمين! كما يعلم الجميع أن بعضاً من قادة هذه الفصائل هم أعضاء في الإطار التنسيقي يحضرون جلساته أسبوعياً، من مثل أبا آلاء الولائي (كتائب سيد الشهداء)، وأبا حسين الحميداوي (حزب الله العراقي)، وأحمد الأسدي (الحركة الإسلامية في العراق)، وشبل الزيدي وغيرهم!!! فالحشد والإطار الولائي، مثلما يتندر العراقيون بحق، هما حكومة صباحاً و"فصائل مقاومة" مساءً!!
إن خروج القوات الأمريكية من العراق هو مطلب قديم لجماهير العراق، وإن انسحاب القوات الأمريكية يسحب البساط من تحت أقدام هذه الفصائل التي قتلت من العراقيين مئات الأضعاف مقارنة بما "ألحقته" بقوات الاحتلال؛ حيث عاثت فساداً وإجراماً وقتلاً بحق المحتجين والمدنيين والمناهضين للسلطة الميليشياوية القائمة، وأياديهم مخضبة بدماء التشرينيين والكثير من النساء التشرينيات ومما يسمى بالبلوغرات والفاشينستات وغيرهم.
إن حلّ الميليشيات هو مطلب فوري، وليس ثمة أي تحسن في حياة الجماهير ببقاء هذه الميليشيات وسلطتهم، سواء بفصائلهم المقاومة أو بحشدهم وسائر الميليشيات.