تطلّع في غير محلّه!


فارس محمود
الحوار المتمدن - العدد: 8746 - 2026 / 6 / 24 - 23:31
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

(حول انتقاد البعض للحزب الشيوعي العراقي بسبب ممارساته المرتبطة بالمناسبات الدينية)
في عاشوراء من كل عام، على وجه الخصوص، وفي سائر المناسبات الدينية عمومًا، تتصاعد الاعتراضات على قيام الحزب الشيوعي، كعادته، بالترويج والدعاية والمشاركة في ما يُسمّى بـ«الشعائر الحسينية» وغيرها، وحثّ رفاقه في الندوات على «رفع راية الحسين»، واعتبار أن «الحسين ثورة»، وأنه «ينبغي الاقتداء بثورة الحسين» و«بثورية أبي ذر الغفاري»، وما شابه ذلك. كما تقوم مقراته بطبخ «الهريسة» و«مرقة القيمة»، وتسيير المواكب الحسينية. وإزاء هذا السلوك، يواجه الحزب اعتراضًا واسعًا. بيد أن هذا الاعتراض «الراديكالي» ليس في محلّه أساسًا، بل هو اعتراض غارق في الوهم.
ومن المؤكد أن ما يقف وراء هذا الاعتراض هو كون الحزب «حزبًا شيوعيًا». ومن الواضح أن المعترضين، في أغلبهم، يمثلون نسخة أكثر «راديكالية» من النسخة الشيوعية التي يجسدها الحزب الشيوعي نفسه. غير أن ثمة قولًا قديمًا مفاده أنه لا يمكن تقييم الأحزاب والمنظمات والحكم عليها استنادًا إلى ما تعلنه عن نفسها أو تدّعيه، بل إلى موقعها وممارستها في النضال الواقعي داخل المجتمع. وقد بيّنت التجربة التاريخية أن حتى أكثر الأحزاب فاشيةً قد ألحقت بنفسها اسم الاشتراكية، ومن بينها حزب البعث نفسه.
إن تعامل الحزب مع مناسبات من هذا القبيل ليس جديدًا، ولا هو وليد الصدفة أو نابع من فراغ، كما أنه ليس دلالة على نزعة محافظة لدى هذا السكرتير أو تلك القيادة في أي مرحلة من تاريخ الحزب المديد. وهو ليس مجرد تعبير عن انتهازية أو تملّق، ولا غير ذلك من الأوصاف الأخلاقية. فإلى جانب هذا التعامل، الذي يبرّره الحزب بـ«احترام عقائد الجماهير»، نجد طيفًا واسعًا من كتّابه وشعرائه، وما أكثرهم، يفيض بمثل هذا النوع من الخطاب. فمن منّا ينسى قول مظفر النواب: «لو جئت اليوم ــ وقصده علي بن أبي طالب ــ لحاربوك، الداعون إليك، وسمّوك شيوعيًا»؟ أو نتاج عريان السيد خلف وسائر الشعراء الذين انتموا إلى هذا التيار، وهم كثر.
ولهذا، فإن من غير الواقعي أن نتطلع إلى شيء مختلف من الحزب الشيوعي. فهذا الحزب هو نتاج ظروفه التاريخية والأهداف الأولية التي تأسس من أجلها. إنه نتاج شيوعية مرحلة تاريخية معينة: مرحلة الاستعمار البريطاني. وشعاره «وطن حر وشعب سعيد» تعبير حيّ وحقيقي عن تلك المرحلة. وان هذا التوجه ليس محلياً، بل عالمياً وفق توجهات الأممية السوفيتية في مرحلة ستالين ومابعدها. ومحورها مد اليد لكل الحركات حتى الدينية والعشائرية واعتبارها "تقدمية" وذلك لمناهضتها للامبريالية وتحديداً الامبريالية الأمريكية.
في عالم ما بعد هزيمة ثورة أكتوبر، خلال منتصف عشرينيات القرن الماضي، ظهرت تيارات وأحزاب عديدة استلهمت التجربة السوفيتية. وبرزت أشكال مختلفة من الشيوعية في أوروبا والعالم، تأثرت، دون شك، بأوضاع مجتمعاتها الخاصة، وسعت إلى معالجة قضاياها في ظروف مختلفة. فإذا كانت الاشتراكية الأوروبية قد فسحت مجالًا أوسع للديمقراطية وحقوق الإنسان والقومية، بل ودرجة من الليبرالية، نتيجة الضغط الفكري والسياسي والإعلامي في الغرب، فإن الشيوعية في بلدان العالم الثالث قد منحت حيزًا أكبر لمعاداة الإمبريالية والاستعمار، ولمناهضة الغرب وقيمه وثقافته وحداثته، مع تأكيد قوي على القيم والرموز «الوطنية» و«المحلية»، بل وحتى على بعض القيم المحلية المتخلفة والبالية، بوصفها نقيضًا للقيم الغربية.
وفي هذا السياق، رفعت هذه التيارات راية الاعتزاز بتاريخها وثقافتها وتراثها وطقوسها وعاداتها وتقاليدها المحلية. وكانت القيم الدينية والطائفية جزءًا أساسيًا من هذا الإرث الذي جرى الاحتفاء به.
ولهذا، ففي ذروة مرحلة «جيل الطيبين»، وفي خضم "الانفتاح" السياسي والاجتماعي، واتساع مظاهر السفور والحريات الشخصية، وانتشار قصات شعر «الخنافس» وبنطال «الشارلستون» في سبعينيات القرن الماضي، وفي الوقت الذي كانت فيه تنورات الفتيات في الجامعات ترتفع «شبرين» فوق الركبة، كان بعضهم يغني:
«مكَبَّعة* ورحت أمشي يمّه بالدرابين الفقيرة...»
إن تقديس ما هو محلي يمثل جزءًا أساسيًا من ذلك النوع من الشيوعية. ولذلك، فالمسألة ليست خطيئة هذا الشخص أو انحراف تلك القيادة، بل هي أحد الأركان التأسيسية لهذه الحركة منذ نشأتها. إنها مسألة بنيوية لا طارئة. إنها اشتراكية عالم-ثالثية، مناهضة للغرب وقيمه وحداثته وعصريته، ومدافعة عن كل ما هو «محلي» و«وطني» و«...نا».
وعليه، فليس هؤلاء «مخطئين»، وإنما يكمن الخطأ في طبيعة ذلك الانتقاد نفسه، وفي التوقعات التي ينطلق منها، ولكن ما هو مخطيء هو صاحب ذلك النوع من الانتقاد والانتظار والتطلع!
* المكبَّعة: امرأة ترتدي العباءة السوداء، أي الزي التقليدي المحافظ للنساء.