ليس مجتمع إيران بحاجة الى جلبي آخر (2-4)


فارس محمود
الحوار المتمدن - العدد: 8698 - 2026 / 5 / 5 - 22:13
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

سيناريو ذهني...وهم "ثورة"!
في بيانه المذكور، يرى الحزب أن في شن و إندلاع الحرب ضد ايران سيؤدي الى "شروع أوضاع تتطور بصورة كبيرة في إيران، وبغض النظر عن أهداف حكومات أمريكا وإسرائيل، تضع هذه الضربات الجمهورية الإسلامية في وضعية مهزوزة، وبوسعها أن توفر أوضاع لهجوم الجماهير على الحكومة. وإن الإطاحة بالنظام هو من عمل الجماهير الثورية"! بعد مرور أكثر من شهر ونصف على هذه الحرب، تبين عملياً ودون أن يحتاج المرء لقول شيء ما، مدى سذاجة هذا التحليل.
قبل هذا وذاك، وبقوله "وبغض النظر عن أهداف حكومات أمريكا وإسرائيل"، لماذا يقلل البيان من مخاطر ومصائب أمريكا وإسرائيل على العالم. كم يحتاج تقوائي ورفاقه من حمامات دم أخرى حتى يدركوا كارثية تلك "الأهداف" على العالم أجمع. من الواضح إن الرفاق لا يرون فقط وفقط نظام الجمهورية الإسلامية!

ليذكر لنا أصحاب هذا البيان، في اي تاريخ صحّت هذه الرواية وهذا الموقف؟! وبالأخص حرب وهجمة شرستين الى ابعد الحدود، ترتكب فيهما أعمال قتل ودمار وتفجيرات ومئات الغارات والصواريخ والقنابل تُصَوّب يومياً دون رحمة، وصولاً الى تهديد ترامب بـ"محو حضارة ايران"، فاي فرصة يمكن الأستفادة فيها من اوضاع الحرب لـ"تطوير الاحتجاج وتنظيم الإحتجاج"؟!. إنه لقول قديم لمنصور حكمت هو انه مع كل صاروخ جديد يلقى على مجتمع إيران، يدفع الثورة خطوات كبيرة للوراء. ومع كل قنبلة وإنفجار، يطول عمر الجمهورية الإسلامية أكثر. لإنها ببساطة ستوحد صفوفها أكثر، وأمام الخطر، تضع الأجنحة المختلفة إختلافاتها جانباً ويتوحدوا، يطلق أيادي النظام في القمع، يتقوى الصف "الوطني" والقومي بوجه العدو الخارجي! و...إلخ!
وللبرهنة على موقفهم هذا يوردون الحجة التالية: "أليست الثورة البلشفية أتت في أوضاع حرب؟!". كيف لأحد ان يقارن بين حرب جرت على حدود تبعد آلاف الأميال عن مدن موسكو وسانت بطرسبورغ وبين وضع استبيحت فيه سماء ايران عبر شن مئات الغارات الجوية اليومية وبقصف شنيع بالاف الصواريخ يومياً في قلب المدن الأيرانية؟!
ويضيف بيانهم المذكور: "بوسع الطلاب والمعلمين وعمال المراكز الانتاجية والخدمية وموظفي الادارات الشروع باضراب سياسي ويعدوا انفسهم لتوجيه ضربات أكثر للحكومة مع تعطيل النظام للمدارس والجامعات" أو الحديث عن " احتمال انفلات الأمور جراء الحملات العسكرية، و باسرع ما يمكن ، حيث "يفقد النظام سيطرته على المجتمع وتتقلص قدرته القمعية بشدة" ولهذا، "ينبغي الاستعداد لهذه الأوضاع كي تُنتَهَز الفرصة للهجمة على الحكومة وصياغة إحتجاجات جماهيرية واسعة ومقتدرة"!!ّ
من أين يأتوا بهذه السيناريوهات الذهنية!! إستغلال توقف الدوام جراء الحرب لتنظيم إضراب سياسي؟! "إضراب سياسي" إبان الحروب، ناهيك عن حرب بهذا الحد من الوحشية؟!!
في ايام مثل هذه، يهرع الأنسان غريزياً لصيانة حياته وحياة ووجود أحبته، يشغل كل تفكيره صيانة نفسه وافراد عائلته من المخاطر، لن ينشغل أحد بتنظيم بثورة ولا غيرها. سيفكر اي انسان بكيفية تجنب ألمخاطر، بكيفية إيجاد قطعة خبز او قليل من ماء لسد جوعه وعطشه.
اي يصبح "البقاء وحفظ النفس" هو البوصلة والأولوية. إن هذه هي الآلية الحقيقية للحياة. إن موضوعة "الثورة" هنا، بأكثر اشكالها هزالة وأكثرها إنعداما للصلة بأية ثورات واقعية وحقيقية هي ما تشغل بال تقوائي وحزبه. إنها ثورة على مقاس أناس ليس لهم صلة حقيقية بالمجتمع وواقع ونضال جماهيره ناهيك عن القيام بثورة. إن هذا منطق أناس غرباء عن المجتمع وآلياته وآلية وسيكولوجية المجتمع في أوضاع مثل هذه. إن ما يتحدثون عنه ليس ثورة، بل كاريكاتير!
زد على هذا، يدرك النظام الغارق بسخط الجماهير وحنقها وغضبها جيداً خطورة مثل هذه الأوضاع، إذ حذّر من اليوم الأول وبصورة صريحة، وعلى لسان مسؤوليه الأمنيين والعسكريين، المحتجين والمتظاهرين مٌقَدمَاً على ان أي محتج سيتم التعامل معه بوصفه "جاسوساً" و"عميلاً" و"مصطّف مع أمريكا وإسرائيل" في حربها ضد البلد. في أوضاع مثل هذه، تُطلق أيادي جلاديّ النظام بالأعتقالات والسجون والقتل. ألم نر ما قامت به أجهزة قمع النظام إبان حرب ال 12 يوم ألتي شنتها إسرائيل قبل أشهر؟! إن تكتيك تقوائي ورفاقه هو بالضبط تعريض حياة المحتجين والساخطين وناشطي الحركات الإحتجاجية لخطر داهم. إن هذا أبشع درجات إنعدام المسؤولية السياسية. إن حزباً يتعامل بهذه الطريقة يدلل باوضح الأشكال على إنعدام أهليته السياسية أساساً.
لماذا هذا الموقف وليس ذاك؟!

يتمثل موقف حميد تقوائي من الحرب بما يلي : نحن لا ندين حرب أمريكا-إسرائيل على "نظام الجمهورية الإسلامية"، ولكننا ندين كل أشكال تعريض حياة وممتلكات الجماهير للخطر". وللدفاع عن صحة موقف حميد ورفاقه، لم يبق لهم سوى زج تحليلات منصور حكمت عبر مقارنة ما قاله حول افغانستان بموضوع الحرب الجارية إذ يتحفوننا بالقول: ألم يكن هذا هو موقف وتعامل منصور حكمت مع حرب أمريكا على طالبان وأفغانستان؟! لم نأت بشيء جديد، بشيء من عندنا. إنه ذات موقف منصور حكمت من تلك الحرب"!! وفي الحقيقة إنهم ليسوا "أغبياء" و لا "يتغابون". إنها المصلحة السياسية الإنتهازية لخطهم.
جرت خلال فترة حياة منصور حكمت خمسة حروب (الحرب العراقية الايرانية-1980، حرب الخليج الاولى (إثر إجتياح الكويت -1991 والثانية 2003، تهديدات الحرب بين ايران وافغانستان-1998، حرب أمريكا على افغانستان بعد 11 سبتمبر -2001، حرب الحزب الديمقراطي الكردستاني الايراني على منظمة كومه له عام 1985، أعطى في كل منها موقفاً خاصاً إستناداً الى ظروف تلك الحروب وارضيتها وأهدافها والخ بصورة موضوعية وبثراء سياسي مذهل.
إن السؤال المطروح هنا هو: لماذا هذا الاستنساخ لتجربة وموقف حرب أمريكا على افغانستان من بين كل مواقف منصور حكمت تجاه كل الحروب الأخرى؟! إن وراء الأكمة ما ورائها! لماذا لم يتخذوا الموقف الذي اتخذته الشيوعية العمالية في حرب الخليج مثلاً (إدانة حرب أمريكا على العراق والمطالبة بوجوب إيقاف العجرفة والغطرسة الامبريالية الامريكية فوراً)؟! ليس لحرب أمريكا على إفغانستان أي شبه بالحرب الراهنة. كان موقف منصور حكمت هو التالي: إن طالبان سلبت كل سمات حياة مدنية من المجتمع الافغاني، انهم ، جماعة بالية، وحتى استخدام كلمة "قروسطية" هو كلمة محترمة بحقها، فعصابات طالبان حبست المجتمع واعتاشت على زراعة وبيع المخدرات لتديم سلطتها وحكمها. ليس في هذا المجتمع الذي لا حول له ولا قوة "دائرة بريد" لتسهيل التواصل بين الناس. انهم سلطة تسوق النساء في الشوارع كما تسوق الحيوانات بالضبط: مدثرات بجادر ويشرف عليهن ملتح من القرون البربرية حاملا عصا في يده!!!. ولهذا إتخذ ذاك الموقف: لم ندن الحرب انذاك، ولكننا ادنا تعريض حياة الجماهير للخطر. ليس هذا وحسب، قال منصور حكمت على البشرية ان تفكر جدياً بازاحة طالبان بكل وسيلة ممكنة. ليأتي من ياتي ويزيح هذه السلطة لأن لن يكون بعدها ما هو أبشع مما تقوم به طالبان. وتحدث عن لو استلمنا السلطة في ايران، لن نقف مكتوفي الايدي تجاه ما تقوم به طالبان تجاه المجتمع والمرأة. ما أن تستتب سلطتنا، سنشن حرب عليها. نحن لا نتحمل وجود مثل هكذا سلطة على حدودنا، من المؤكد إننا سنبني خنادقنا الحمراء تجاهها. كيف لأحد ان يقارن دولة الكهوف وتوارابورا هذه بمجتمع إيران، مجتمع حي من اكثر من 90 مليون إنسان، لديه تأريخ، لديه نضالات وإحتجاجات مليونية، فيه مدنية، فيه تيارات سياسية وإجتماعية حية، للمرأة حضور جدي في المجتمع و...الخ. إن موقف منصور حكمت مرتبط بتلك الوضعية المحددة، تحديداً سلطة طالبان!
ولكن السؤال من بين كل التكتيكات والمواقف لماذا إتخذوا موقف منصور حكمت والشيوعية العمالية من حرب أمريكا على طالبان وطبّقوه كقطع ولصق على هذه الحالة؟ لإن هذا يخدم موقفهم وتوجهاتهم السياسية: تأييد الحرب على إيران. وهذا يتناغم مع تيارهم بوصفه تيار قومي موالي للغرب مناهض للنظام قصراً! وفي الحقيقة ان الموقف الشيوعي من حرب ايران واسرائيل ضد ايران اليوم يشابه في جوهره الموقف من حرب الخليج، اي حرب امريكا ضد العراق.
ان تأييد الحزب الشيوعي العمالي الإيراني بقيادة حميد تقوائي بتأييدهم للحرب ولدعم أمريكا لستة أحزاب قومية كردية وتزويدها بالسلاح والمال من أجل التدخل البري-حيث كانت هذه خطة أمريكا وإسرائيل في مرحلة ما من الحرب ولكن فشلت، وبمشاركته مع أكثر القوى البرجوازية القومية الرجعية لمؤتمر حرية أيران، أصبح الحزب الشيوعي العمالي الإيراني أحد قوى السيناريو المظلم. ليدوسوا على تلك الصفحة الخالدة من تاريخ الحزب ومنصور حكمت الذي حذّر من خطر السيناريو المظلم الذي مجتمع إيران غير محصن منه! وسعى لجمع القوى من أجل تجنيب المجتمع في إيران من مصير مثل هذا! أنه أمر يبعث على الأسف جدياً.
للمقال تتمة.....