المطالبة بمحاكمة العامري -وهم- أم ضرورة سياسية-إجتماعية؟


فارس محمود
الحوار المتمدن - العدد: 8819 - 2026 / 9 / 5 - 18:13
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     


(رد على مقال "هل ثمة إمكانية لمحاكمة العامري؟" للرفيق طارق فتحي)

أطلعت على مقال للرفيق العزيز طارق فتحي، نشرها هذه الأيام على الحوار المتمدن، وبعدها، على الفيسبوك تحت عنوان: "هل ثمة إمكانية لمحاكمة هادي العامري؟!" يرى الرفيق طارق أنَّ المطالبة بمحاكمة العامري مجرد "سروح بالخيال" و كما لو إن دعاة هذه المطالبة "يعيشون في الدول الاسكندنافية"، و"لكن ما أن تستفيق من سرحانك وغفوتك وتتذكر انك في بلد تحكمه الميليشيات الاسلامية حتى يعود لك رشدك وعقلك".
اعترف العامري و"بعظمة لسانه"، وبتمجيد وبفخر، بدور الفصائل، والتي أسماها بالمقاومة، بمقتل أكثر من 800 محتج ومحتجة بريئين، وكذلك جرح ما يقارب من 25 الف شاب وشابة، وبينهم من أصيب بإصابات بالغة، وان عوائل الضحايا ومحامين وأناس بالعشرات ومن ضمنهم أحد المؤسسات في واسط أقاموا أو أعربوا عن نيتهم بإقامة دعاوى قانونية على العامري، ومن هنا فإنَّ المنطقي إزاء تحرك هؤلاء المكلومين والمجروحين هو تجنب الاستخفاف المعبر عنه بعبارات مثيل "أين انتم عايشين؟أ في اسكندنافيا؟! وما معناه "أتحلمون؟!" "لا فائدة من ذلك!!". ليس هذا بتعامل جاد.
السؤال الذي يجب أن يطرح ليس هو الذي طرحه الرفيق طارق والذي مفاده "هل ثمة امكانية لمحاكمته؟" (!!) بل "يجب محاكمته"، وهذا جزء من نضال وصراع المجتمع ضد هذه السلطة، على العكس يجب حشد القوى من أجل تقديمه وتقديم كل إنسان له صلة بمجزرة كبيرة كهذه للمحاكمة:
لقد رأينا بأم أعيننا درجة الضغط الرهيب الذي وضعه المجتمع وقواه الداعية للعدالة على العامري. إن هذه الجريمة، جريمة بهذا الحجم المصائبي، ليست محلية، إنها عملية إبادة جماعية كبيرة، جينوسايد، تناولتها كل الفضائيات وإنشغل بها إعلام العالم لأشهر مديدة، ومن المحتمل كثيرا، إثر وإرتباطاً بهذه الحركة على صعيد العراق أن تتدخل المحاكم الدولية، مثل محكمة الجنايات الدولية، بمحاكمة هادي العامري كمجرم بحق الانسانية كذلك، وليس أمام المحاكم في العراق فحسب. وبالأخص بعد هذا الاعتراف الواضح والصريح.
من جهة أخرى، ليس بوسعنا أن نقلل ذرة من ضرورة وأهمية النضال من الناحية القانونية لتحقيق العدالة، طالما إن هناك فرصة حتى لو كانت بقدر ثقب الإبرة، فان دور رفاق من أمثال الرفيق طارق هو المساهمة الجادة والدفع بمثل هذا النضال من أجل إستغلال هذه الفرصة وتوسيع هذه الامكانية وجعلها إمكانية واقعية.
يجب أن نقف وراء عائلة صفاء السراي وعوائل كثيرة تمضي اليوم لتقديم الدعاوى وندفع الأمر من أجل إنصاف الضحايا الأبرياء، لا أن نقف موقف المتفرج منها. علماً إنَّ موقف العزيز طارق لم يكن موقف المتفرج فحسب، بقدر ما كان موقفاً يحرّض ويحث على السلبية.
إنَّ ما يجري هو ميدان صراع ونضال اجتماعي في المجتمع، فقد مضت سبعة أعوام وليس هناك من ادعى أنَّه هو "الطرف الثالث"، ثم يأتي العامري ويقول نحن الطرف الثالث، فليس من المناسب أن يكون جوابنا. (حسناً، عرفنا)، أو (ولكن من يستطيع أن يقدمكم للمحكمة؟!) إن هذا التصور يضعنا عملياً في خانة "الترفع" عن القيام بهذا النضال، للأسف!
حين تم اغتيال الناشطة النسوية والسياسية، الرفيقة ينار، كان مطلبنا، ومن بيننا الرفيق طارق نفسه، جميعاً كشف القتلة ومن يقف ورائهم وتقديمهم للعدالة. فإذا رضينا أن نسير وفقاً لمنطق الرفيق طارق، فلماذا نرفع مثل هذا المطلب من الأساس! فاذا كان ذلك العامري، فإنَّ قتلة ينار هم "أولاد" المليشيات أو العامري ومن مثله، ومن المؤكد فإنهم لا يقروا بذلك! إنَّه تناقض غير مفهوم، أن نطلب الكشف عن مجرمين غير معروفين لحد الآن، كي نقدمهم للعدالة، في حين نغض الطرف عن شخص هو اعترف علناً بنفسه وبعظمة لسانه تحت مبرر يسوقه الرفيق طارق وهو: "من يستطيع تقديمه للمحكمة"! وفي السياق ذاته، نغض الطرف عن مجزرة سبايكر ومن المسؤول عنها وقضية نور زهير والكثير غيرهما وذلك تحت المبرر ذاته!
كما يضيف الرفيق طارق في مقالته ما يلي: "هادي العامري ليس هو الوحيد القاتل والمجرم، هذه تبرئة للنظام الاسلامي، جميع الاسلاميين الذين في الحكم هم مجرمين وقتلة ونهابون، لا يمكن تكثيف واختزال الاجرام والقتل والنهب في شخص واحد، هذا غير منطقي وغير واقعي. وبالتالي فأن قضية محاكمة هادي العامري هي قضية ساخرة او كوميدية، واذا تصورنا أن هناك محاكمة فهذا يعني اننا بغير دولة الاسلاميين، وهذا يعني محاكمة جميع اسلاميي السلطة.".
إني أتفق مع الرفيق طارق إن السلطة المليشياتية الحاكمة هي سلطة مجرمين وقتلة و...الخ، بيد أن تقديم العامري للمحاكمة لا يعني اصلاً "تبرئة النظام الإسلامي"! على العكس، إن تقديمه للمحاكمة بوصفه أحد أطراف رأس السلطة في العراق هو أكبر إدانة للسلطة السياسية المليشياتية الطائفية. ليس في محاكمة العامري اي "إختزال" لهذا النظام في شخص واحد، ناهيك عن استنتاجات أخرى من قبيل "إن هذا غير منطقي وغير واقعي". وإنَّنا نرى أنَّه لا يمكن أن تمثل الدعوة لمحاكمة هادي العامري أي "قضية ساخرة وكوميدية"، بل نراه عمل اصيل، عمل يجب ان نقوم به، وأنَّه ضمن مسؤوليتنا، واجبنا، لا أن نستخف به.
توفرت الفرصة لعوائل الضحايا والقوى الداعية للعدالة وفي يدهم دليل دامغ لشخص يفتخر بما قامت به مليشيات محددة من مجزرة، فلا يمكن والحالة هذه أن يكون ردّنا: "انتم وين عايشين؟!! لا نستطيع أن نستهين بمشاعر الأهالي والمجتمع لهذا الحد، وقبل هذا وذاك الضحايا أنفسهم!
لو طبقنا المنطق نفسه على الميادين المختلفة لإحتجاجات الجماهير الواسعة من عمال وطلبة وخريجين واصحاب عقود ومناهضين للقانون الجعفري والخدمات وكهرباء وضمانات اجتماعية وضمان بطالة....، نبلغ ذات النتيجة "أننم وين عايشين" فوفقاً لهذا المنطق، ليس هناك رجاء وأمل من أي نضال.
إن أول من يفرح بموقف طارق فتحي هذا، هو العامري نفسه والمليشيات والسلطة. إني أتفهم النقطة التي ينطلق منها طارق، وأنا مثله اعرف وضعية مجلس القضاء، بيد إن إتخاذ هذا الموقف، يعني عملياً رفع راية الاستسلام، هذه الراية التي قررت أهالي الضحايا والقوى الداعية للعدالة إسقاطها. إذ بدلاُ من بذل الجهود وشحذ الهمم من أجل الدفع بهذه القضية، فان طرح الرفيق طارق يثبط الهمم، للأسف!
ومن المؤكد ان هذا ليس قصد ولا هدف ولا امنية رفيق مثل طارق فتحي. لكنه يؤدي بنا عملياً الى هذه النتيجة للأسف.
3 أيلول 2026