ليس الأمر ب-زلّة لسان- ولا -خَرَف-! (كلمة حول إقرار هادي العامري بقتل محتجي تشرين)


فارس محمود
الحوار المتمدن - العدد: 8816 - 2026 / 9 / 2 - 23:09
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

في خطاب ألقاه زعيم ميليشيا بدر، هادي العامري، المعروف للعراقيين جيداً بتاريخها الحالك والمظلم منذ ثمانينيات القرن المنصرم، تحدث في مهرجان جرى في مدينة النجف بالحرف الواحد وبتبجح عن: "أن المقاومة هي التي وقفت وبشجاعة أمام فتنة تشرين، وحفظت الدولة والنظام السياسي بفضل الدماء الطاهرة لقادة النصر"، و"نحن من وقفنا ضد كل من خرج على هذا النظام في تشرين". إن هذا كلام خطير، ومن المفترض في أي بلد يحترم أدنى حقوق الإنسان أن تكون له تبعات قانونية كبيرة على مدّعيه. فبإعترافه هذا، أقرّ العامري بالجرم الصريح بصريح العبارة.

ألقى عادل عبد المهدي، رئيس الوزراء في وقتها، فعلة قتل أكثر من 800 شاب وشابة بعمر الورود وجرح ما يقارب 25 ألفاً آخرين، بعضهم بإصابات بالغة، على "طرف ثالث" غير الحكومة والميليشيات، طرف مجهول!!

بيد أن هذا الطرف الثالث كان معلوماً للجميع منذ اليوم الأول، وليس ثمة من كان يشك في من هو هذا الطرف الثالث. إن أركانه هي الفتوى التي أصدرها علي خامنئي في 30 تشرين الأول على شكل تغريدة والتي نصها: "...أوصي الحريصين في العراق ولبنان بمعالجة أعمال الشغب وإعدام الأمن التي تسببها في بلادهم أمريكا وإسرائيل وبعض الدول الغربية وبأموال الدول الرجعية"؛ أي قمع المتظاهرين دون رحمة، وكذلك الميليشيات الولائية ومعهم أحزاب الإسلام السياسي الشيعي الممثلون اليوم في الإطار التنسيقي. الكل كان يعرف ذلك، وأن من يقف على رأس هيئة أركان قمع هبة تشرين هم قاسم سليماني وأبو مهدي المهندس نائب قائد الحشد الشعبي وقادة الميليشيات، وثمة صور مسربة واضحة بهذا الصدد توثق ذلك.

ولكن لأقل بدءاً كلمة حول مصطلح "فتنة"، هذا التعبير الديني البالي وغير الطبقي وغير السياسي، حيث يتستر فيه على حقيقة أن المجتمع ذو طبقات مختلفة وسياسات مختلفة وذو مصالح وأهداف مختلفة، وكأن المجتمع كتلة واحدة!! وهذا تزييف للواقع؛ إذ تطلق هذه الكلمة على من يعارض أو يختلف أو يعبر عن رفضه. إنها تتضمن أن من هو قائم على السلطة على حق، ومن هو محتج أو معترض "قائم بفتنة"! ولكن الجميع يعرف أن من هبّوا بوجه السلطة هم من طالب بحق، وأن سلطة النهب وابتلاع ثروات المجتمع وإفقاره وتجويعه يقف على رأسها العامري ومن لفّ لفه. إنهم من تمادوا على المجتمع لأكثر من عشرين عاماً، وليس العكس؛ إنها قلب للحقيقة وواقع الأمر.

ولكن السؤال الأساسي هو: ما الذي جعل العامري يطلق كلامه هذا اليوم؟!! أية ظروف واقعية دفعت به ليتحدث بهذه الصيغة، علماً أنه كان أول من تباكى بـ"خطئنا بحق الشعب العراقي"، وأول من اعتذر جراء تنصلهم عن "خدمة الناس" وعن "فشل النظام السياسي" في حكمه؟ ما الذي كان ينشده من كلامه هذا ويهدف إليه؟

ليس ما قاله "زلة لسان" ولا "عَتَه كِبَر السن" ولا غير ذلك؛ لأن كلامه ببساطة كان مدوناً ومكتوباً ولم يرتجله، وفي مناسبة مُعدّ لها مسبقاً. إن أردنا معرفة سر هذا الخطاب، ينبغي أن ننظر للأوضاع السياسية والاجتماعية للمجتمع، وللحركة الاحتجاجية المتصاعدة اليوم في أغلب مدن العراق، لعمال العراق وفي مقدمتهم عمال النفط، احتجاجات الخريجين والخريجات، أصحاب العقود، وانعدام الكهرباء وغياب الخدمات واتساع رقعة الجوع والفقر والبطالة وانعدام الضمانات الاجتماعية وغياب القانون وانفلات شريعة الغاب وتغوّل أزلام الميليشيات، وهذا الحد العجيب من الفساد ونهب المال العام والتنظير الإسلامي له بحجة "مال سحت"، والاستهتار بحياة أكثر من 45 مليون إنسان وسلب الحريات والحقوق السياسية والمدنية، والمحتجين على القوانين القروسطية والمتخلفة ومنها القانون الجعفري سيئ الصيت، وعشرات الاحتجاجات في الميادين المختلفة لمعيشة وحياة وعمل الناس. يعلم العامري علم اليقين أن المجتمع يقف على بركان مدمر من الاحتجاجات والسخط والغضب اللامحدود.

ناهيك عن ضغط أمريكا الخانق على ولي نعمتهم واحتمالية انهيار النظام أمام الضغط العسكري والاقتصادي من جهة، وعلى سلطة الإطار التنسيقي كذلك، والوضع الإقليمي الذي لا يسير بصالح سلطة تجار الحروب هذه، وكذلك الضغوط الإقليمية الأخرى لدول المنطقة والعزلة السياسية والاجتماعية التي يمرون بها. وإجمالاً، القلق الكبير على مصيرهم ومستقبلهم السياسي ومستقبل سلطتهم والثروات التي استولوا عليها ولا زالوا! كما إنهم يعرفون أنفسهم جيداً: عديمو القاعدة السياسية والاجتماعية، منبوذون على صعيد اجتماعي واسع، وحتى شيوخ العشائر الانتهازيون الذين يغدقون عليهم بأموال طائلة من المال الفاسد، سيبيعونهم لأول مشترٍ!

إن كلام العامري الذي لا يمثل نفسه بقدر ما يمثل الإطار التنسيقي، هو رسالة بوجه تشرين أخرى، بوجه ناشطيها وفعاليها، بوجه هذه القوى المليونية الساخطة جراء كل ما جرى بحقها من استهتار، وستحرقهم تشرين أخرى بنارها شر حريق!

بتهديده سيئ الصيت هذا، يبين ويكشف عن حقيقة طالما أكدنا عليها مفادها أن هذا السلاح ليس له ربط بأي مقاومة لمشاريع أمريكا، فهذه كذبة، إذ لا هم قادرون على هذه المنازلة ولا يرغبون بشنها، ولا ربط لهذا السلاح والمقاومة بفلسطين والقدس ولا بحماية البلد والحدود و"عرض العراقيين" و"شرف العراقيات" ولا غيرها من الأكاذيب؛ إنها مقاومة بوجه المجتمع وحقوقه وحرياته ورفاهه، مقاومة من أجل إرعاب المجتمع وتخويفه وقتل شبابه وشاباته، من أجل الدفاع عن سلطتهم وثرواتهم الخرافية. إن هذا هو سبب إصرارهم على بقاء سلاحهم "المنفلت" و"غير المنفلت" أو الحكومي أو الحشدوي.

ونظراً للضغط الرهيب الذي تعرض له العامري في المجتمع جراء الإقرار بهذه الجريمة، مضى البعض، وبهزالة مفرطة، لتخفيف وتمييع الحديث بالحديث عن "صفات الحجي" و"فضائله" و"حكمته" و"سياسيته" و"جهاديته". ومثلما يقول العراقيون في مثلهم الشهير: "الميّت ميتي، وأعرفه"!! الجميع يعرف ماهية تاجر الحرب هذا ومن لفّ لفه.

يجب على مجلس القضاء الأعلى توجيه أصابع الاتهام فوراً لهادي العامري والتحقيق معه، وتقديم كل من ساهم في هذه الجريمة النكراء سواء عبر تنفيذها أو من وقف وراءها من مخططين وآمرين، للمحاكم لينالوا جزاءهم.

3 أيلول 2026