محاضرة للرفاق حول سؤال ما هي الفلسفة ..؟
غازي الصوراني
الحوار المتمدن
-
العدد: 8829 - 2026 / 9 / 15 - 02:56
المحور:
الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع
سأحاول تقديم عدد من الاجابات الوافية لهذا السؤال... وأبدا بالحديث عن التعريف التقليدي للفلسفة الذي ينص على أن الفلسفة ليست حبا للحكمة .. إنها حب المعرفة.. وهي موقف الإنسان مما حوله ، الإنسان اللامبالي هو سلبي أو مستسلم للظلم الوطني والاجتماعي أو لاي شكل من أشكال الاضطهاد .
أما التعريف العام، فهو ينطلق من كون الفلسفة أحد أشكال معرفة الإنسان للعالم ، هي شكل من أشكال الوعي الاجتماعي إلى جانب العلم والفن والسياسة والدين و الأخلاق.. أو هي : مجموعة من النظرات الشاملة إلى العالم والطبيعة والمجتمع والإنسان عبر التلازم الجدلي بين العام والخاص .
ووفق هذه الرؤية، فإن الفلسفة هي الوسيط المنطقي بين العلم والثورة، وبالتالي فإن وظيفتها المساهمة في تزويدنا بالنظرات الجديدة والشاملة التي يفترض بناء الإنسان الطليعي بها، ووضوح البناء الأيديولوجي الذي يحدد مسار الإطار الطليعي من جهة وسمات أو طبيعة وشكل النظام السياسي – الاجتماعي الذي يفترض بالنسبة لنا في الجبهة، أن ننتهي إلى إقامته من جهة أخرى.
وهي ايضاً –وهذا هو المهم- نشاط فكري واعي وطليعي يقوم به المثقفين عموماً والمثقف العضوي المنظم في حزبنا/جبهتنا خصوصاً من أجل تغيير وتجاوز هذا الواقع المأزوم والمهزوم الذي نعيشه اليوم.
إلى جانب ما تقدم، فإن جرامشي يرى أن الفلسفة نشاط فكري تلقائي يقوم به الناس العاديون تعبيراً عن تصوراتهم العفوية للعالم .. نجد هذه الفلسفة أو المواقف العفوية في أشكال مختلفة في اللغة والدين الشعبي والمعتقدات والرؤية الخاصة والسلوك والفولوكلور، والسؤال هنا: كيف نستطيع التفاعل والتواصل مع هذا الوعي العفوي للارتقاء به وصولاً إلى التشابك السياسي والمعرفي مع أهداف وبرامج حزبنا/وجبهتنا ؟
إن القيمة الأساسية (الفكرية والسياسية والتربوية والعملية )، من دراسة تاريخ الفلسفة ، تكمن في قدرتنا كحزب على ربط النظرية بالممارسة العملية سواء في إطار التوسع التنظيمي والنضال الجماهيري والوطني والكفاحي أو على الصعيد الاجتماعي والمطلبي المرتبط بالقضايا الحياتية للمواطنين.
إن الالتحاق الطوعي في العمل الحزبي هو شكل متطور للموقف الفلسفي وانتقاله من البسيط إلى الوعي الطليعي .
المهم، الارتقاء بهذا المستوى العفوي –السائد بهذه الدرجة أو تلك حتى اللحظة في حزبنا - لنتخذ موقفاً نقدياً من فلسفتنا اليومية العفوية، بهذا يمكن الانتقال من الامتثال والسلبية إلى الإدراك والوعي والفعل على طريق بلورة الدور الطليعي لحزبنا بصورة ملموسة ومتفاعلة مع الجماهير الشعبية على أرضية الواقع الحياتي (الاجتماعي والسياسي والاقتصادي) الملموس، انطلاقاً من رؤيتنا المستندة إلى المنهج العلمي ، المادي الجدلي، وهو المنهج المستند بدوره إلى وجه الفلسفة المادي.
ذلك إن للفلسفة وجهان: الوجه المادي والوجه المثالي: وكل منهما يحاول الإجابة عن المسألة الأساسية في الفلسفة : علاقة الفكر بالوجود أو علاقة الروح بالطبيعة .. إنه السؤال الخالد أيهما أسبق إلى الوجود؟ الإجابة على هذا السؤال تحدد موقفنا مع المثالية أم مع المادية ومنهجها .
المفكر المادي : هو الذي ينظر إلى العالم المحيط بالإنسان (شمس ونجوم وارض وكواكب و بحار وكائنات حية ...الخ) على أنها أشياء موجودة موضوعياً، أي أنها غير مرهونة في وجودها بالوعي البشري، من ناحية أخرى ترى المادية إلى العالم الموضوعي هو عالم سرمدي ، غير مخلوق وانه هو علة وجود الوعي لا العكس (أي انه سبب الوعي ). المفكر المثالي : يقول بأن الوعي (أو الفكر أو الروح أو الإله لا فرق)، هو الأسبق على الوجود إنه ينكر أن يكون وعي الناس انعكاساً للواقع الموضوعي (مثالية ذاتية أو موضوعية).
فالفكر بالنسبة لنا في الجبهة يبدأ حين نشك في كل شيء. الفكر يقودنا إلى سؤال: لماذا تخلفنا وتقدم غيرنا؟ لماذا تتكرر هزائمنا في مقابل انتصار أعداؤنا ؟ لماذا لم تتطور مجتمعاتنا العربية ولم تمتلك حتى اللحظة مقومات العلم والتكنولوجيا ؟ ولماذا لم تحقق أي شكل من أشكال النهوض التحرري أو التنويري العقلاني ؟ لماذا تنتشر كل هذه المظاهر من أشكال التخلف والاصولية المتزمتة غير المستنيرة ؟ لماذا توقف انتاج المعرفة و الفلسفة في الوطن العربي ؟ ما هي الاسباب الجوهرية للدعوات المشبوهة من النظام العربي والسلطة الفلسطينية للتطبيع مع دولة العدو الاسرائيلي والاقرار بشروط الرباعية وغيرها ؟ ما هي أسباب الانقسام والصراع التناحري المحتدم حتى اللحظة بين فتح وحماس رغم عدم اختلافهما في الجوهر ؟ لماذا تطغى النزعات الحزبية لحماس او لفتح على حساب المشروع الوطني ومستقبل النضال الوطني كله ؟ وهل تتناقض حركة حماس فعلاً وكذلك حركة الاخوان المسلمين مع النظام الرأسمالي أو الجوهر الامبريالي ؟ ما هي طبيعة المصالح الطبقية للقوى المتنفذة في سلطة الحكم الذاتي في رام الله في علاقتها الرخوة مع العدو الاسرائيلي ؟ أسئلة أو تساؤلات كثيرة لابد لنا من ادراجها للبحث الدائم وصولاً إلى التحليل المنطقي الموضوعي السليم في اجاباتنا عنها ... ولعلنا أيها الرفاق نجد في وثائق حزبنا وادبياته وضوحاً ساطعاً في الاجابة على كل هذه الاسئلة بصورة تفصيلية أو عامة دون أن نلغي دوركم أو دور عقولكم واجتهاداتكم في تحليل وتفكيك الظواهر المحيطة بنا وفق منطلقات حزبنا الفكرية.
- المهم ايها الرفاق أن نمارس عملية التفكير بصورة عقلانية وموضوعية إلى أبعد الحدود بعيداً عن التفكير التقليدي من ناحية وبعيداً عن طرق التفكير لدى السلطة أو النظام العربي ولدى التيار الديني بمختلف حركاته أيضاً ، لكي نتوصل إلى الحقائق الموضوعية التي تؤكد عليها وثائق حزبنا.
معنى ذلك بالنسبة لنا في الجبهة أن ننتقد ونبتعد ونقطع معرفياً مع كل الأفكار الرجعية والتقليدية وكذلك القطع المعرفي والسياسي مع أفكار الطبقات الحاكمة بمختلف توجهاتها ، آن الأوان أن نقول أنه يجب على الفكر العربي والوعي العربي الانتقال من الرمزية والشيئية إلى المفهومية والواقعية.
وفي هذا السياق ، فإن الرمز ليس المفهوم وليس الحقيقة . الوطن ليس علَماً، العلم رمز للوطن لا أكثر، الحزب ليس لافتة (يافطة). الكلمات رموز، أنها بدائل عن الفكر أو المفاهيم . يجب الذهاب من الكلمات إلي المفاهيم... من اللغة إلي الفكر.. هل الفكر العربي فكر؟ أم مرتبة أقل؟. هو فكر غربي بمعنى محدود ومحدد أن قسم كبير من وعينا العربي دون مستوى روسو وبيكون وديكارت (الفكر يبدأ حين نشك). ان الفكر العربي في حالة نوم عميق .
الفكر يقودنا إلى سؤال: لماذا تخلفنا وتقدم غيرنا؟ لقد توقف نمو الفلسفة العربية في وقت مبكر قبل النهضة.
أننا اليوم لا يمكن أن نقول عن فكرنا النموذجي انه عربي كما نقول عن فكر ديكارت انه فرنسي. إذن يجب إن نؤمن بذاتنا (العربية ) كفكر من أجل تكون وعي عربي وذات عربية تجسد طموحات الجماهير الشعبية في إقامة المجتمع العربي التقدمي الديمقراطي الموحد.
أما بالنسبة لمفهوم العقل فهو أداة المعرفة ، والمعرفة هي أسلوب وجود الوعي...الذي يحمل بدوره خمسة جوانب:
• الوعي معرفة- الوعي وعي للذات – الوعي انفعال – الوعي تخيل – الوعي إرادة وهو أهم جانب من جوانب الوعي
فإذا كان العقل هو الأداة الفكرية المحاكمة ...فما هو الفكر ؟ وجوابنا أن الفكر إدراك ... إدراك ماذا ؟إدراك هويات جميع إلاشياء.
أما الإدراك فهو نوعان: الاول: الادراك الحسي
الثاني :الإدراك في التجريد الفكري العالي: مثلاً الحق غير الباطل :ضده .. كلاهما الفكر.. فإذا توصلنا إلى المعرفة أو الفكر .. وميزنا بين الحق والباطل ..فأن الواجب يدفعنا إلى رفض الباطل من أساسه .. باطل الفكرة.
أخيراً نطرح السؤال التالي : ما هو الاطار الفكري التي يضم كل هذه المفاهيم .. انه المنهج، وما هو المنهج ؟ هو الطريق الذي يؤدي بنا إلى الهدف ... المنهج العلمي الجدلي العقلاني هو طريقنا إلى المعرفة الواعية، بمعنى المعرفة التي تأتي انعكاساً لحركة الواقع الموضوعي بعيداً عن الغيبيات أو الميتافيزيقا.
_ و الجدلية هنا هي ذلك المنهج وهي المنهج، الوحيد الذي يوافق النظرة العلمية إلى العالم، وبالتالي ليس من الصدفة أننا في الجبهة نؤكد على التزامنا الواعي بالمنهج المادي الجدلي.
أما المنهج الميتافيزيقي : كلمة "ميتا فيزيقية " مشتقة من "ميتا" اليونانية و هي تعني "ما وراء" و"فيزيقيا" و هي تعني علم الطبيعة. أما المنهج الميتافيزيقي : فهو الطريق الذي يذهب بعيداً إلى ما وراء الطبيعة أو الوجود بعيداً عن الواقع الملموس.