مطار بن غوريون يضم كل ما تحبه إسرائيل: الامتياز والعنصرية وطريق للخروج


جدعون ليفي
الحوار المتمدن - العدد: 8808 - 2026 / 8 / 25 - 04:52
المحور: العمل المشترك بين القوى اليسارية والعلمانية والديمقرطية     

بضع ساعات من الفوضى في المطار دفعت الإسرائيليين إلى حالة من الغضب، ووسائل الإعلام إلى حالة من الهياج. لكن الهوس بمطار بن غوريون يعكس شيئا أعمق: تراتبية البلاد، وشعورها بالتفوق، وفوق كل شيء، حاجتها إلى منفذ للهروب.

فجأة، فهمتُ جنون "جماعة أمناء جبل الهيكل". فلدينا، في نهاية المطاف، "جماعة أمناء مطار بن غوريون". فقط إياكم أن تجرؤوا على المساس بمطارنا، ذلك المعبد الإسرائيلي الشامل الذي بُني بالفعل.
لقد مضى وقت طويل منذ أن كانت إسرائيل كلها غاضبة إلى هذا الحد كما كانت يوم الخميس الماضي، حين تعرض المطار لإضراب استمر ساعتين أو ثلاثا. كادت عيون المذيعين التلفزيونيين المتشدقين أن تخرج من محاجرها من شدة سعيهم إلى توبيخ المسؤولين عن ذلك. كانوا أكثر غضبا مما كانوا عليه من أي شيء آخر من قبل. وأقسم كثير من الإسرائيليين أنهم سيغيرون الحزب الذي سيصوتون له في الانتخابات المقبلة. ولو استمر الإضراب ساعة أو ساعتين إضافيتين، لكانت الشوارع قد اشتعلت.
من المؤكد أن رؤية مطار يغلي غضبا أمر مزعج، والأكثر إزعاجا أن تفوّت رحلة انتظرتها طويلا. لكن لم تكن هناك أي نسبة أو تناسب بين حجم "المأساة" وبين عويل الجمهور عليها.
صحيح أننا نتحدث عن دولة جزيرية، حيث السفر جوا هو السبيل الوحيد للخروج منها. وهناك حروب بلا نهاية، وصيف خانق ترتفع فيه أسعار تذاكر الطيران، وشعور بالاختناق واليأس، والحاجة إلى إجازات قصيرة من دونها تصبح الحياة بلا معنى، بالنسبة إلى الأغنياء والفقراء على حد سواء. ومع ذلك، فإن كل هذه التفسيرات لا تستطيع أن تفسر حجم الجنون الذي استولى على البلاد.
مطار بن غوريون بعد الإضراب، يوم الخميس
حتى قبل كارثة 20 أغسطس/آب، لم يكن هناك برنامج إخباري واحد يخلو من تقرير من المطار. الأسعار ترتفع، الأسعار تنخفض, هناك عروض، ولا توجد عروض, طوابير هائلة، وصالات فارغة؛ شركة «هاينان إيرلاينز» ألغت رحلاتها، و«إير بالتيك» استأنفتها. نحن نتلقى معلومات عما يحدث في صالة المطار أكثر بكثير مما نتلقى معلومات عما يحدث في غزة. إنه أكثر أهمية وإثارة للاهتمام. إنه مقياس لمدى قبول إسرائيل في العالم، كما أنه مقياس للسعادة المطلقة.
يتحدث الناس عن أسعار الرحلات الجوية أكثر مما يتحدثون عن أسعار الطماطم، رغم أنهم يشترون من الأخيرة أكثر بكثير. ولا شيء يضاهي إعلانات السلع المعفاة من الرسوم الجمركية في المطار في التعبير عن روح العصر:
"إنها تعاني من اضطراب الرحلات الجوية الطويلة، لقد مضى وقت طويل منذ أن تنفست هواء السوق الحرة"، كما يقول أحد الإعلانات.
وكان هناك أيضا شعور بالاختناق هنا في السنوات التي لم يكن فيها سوى عدد قليل جدا من الناس قادرين على تحمل تكاليف السفر إلى الخارج، ليعودوا مثلا بمكواة بخارية من قبرص. لكن فتح الأجواء جلب معه تدافعا جماهيريا، وتحولت الرحلات الجوية من كونها علامة على المكانة والترف إلى كونها علامة على الحياة.
أكثر من الرحلات نفسها، أصبح مطار بن غوريون معبدا يُعبد. لقد أصبح إسرائيل مصغرة تحتوي على كل شيء، ولكن على نطاق أصغر. وأصبح نظام البلاد في صورة مصغرة، بما فيه التمييز ضد الأجانب الذين يُقتادون جانبا، والمعاملة المختلفة للعرب الإسرائيليين الذين يخضعون للاستجواب بلا نهاية. أما الفلسطينيون من الأراضي المحتلة فلا وجود لهم هناك إطلاقا. هكذا نحبهم: غائبين، لكي نحافظ على وهم عدم وجود احتلال.
تُدار الإجراءات الأمنية بالطريقة التي يحبها الإسرائيليون: أجواء من السرية والتكتم تحيط بكل شيء. "هل حزمتم حقائبكم بأنفسكم؟"
الأغنياء، وذوو العلاقات، وكبار الشخصيات ينتظرون في الصالات الخاصة، بينما يقوم العمال الأجانب بتنظيف طاولاتنا ومراحيضنا من بعدنا، وهم غير مرئيين، تماما كما هم خارج المطار.
نقاط التفتيش عند المدخل تعتمد على لهجتك: اليهود يمرون مباشرة، والعرب إلى الجانب.
انظر إلى ما يحدث في مطار بن غوريون، وسترى إسرائيل نفسها، بكل ما فيها من عدوان وعنصرية وعنف وابتذال مألوف.
رئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت في مطار بن غوريون أثناء الإضراب، يوم الخميس
هكذا يبدو موقع العبادة الجماهيرية. إن التركيز المبالغ فيه على ما يحدث هناك يعكس الأهمية غير المتناسبة التي تمنحها إسرائيل له. وكونه الموقع الوحيد من نوعه يضيف إليه هالة من الأهمية.
يُقاس الإحساس بالحرب على الجبهة الداخلية بعدد الصواريخ الباليستية التي تُطلق على إسرائيل، وبعدد صفارات الإنذار التي تدوي، ولا يقل عن ذلك بعدد شركات الطيران التي تعلق رحلاتها إلى هنا.
كما أن الأوبئة تفرغ مبنى المطار من المسافرين، فيتحول المطار إلى مؤشر على الحالة الصحية للبلاد.
لكن فوق كل ذلك تبرز الضرورة الوجودية للمغادرة، مهما كان الثمن، ولو لفترة قصيرة.
ويقابل الهوس بجوازات السفر الأجنبية، الذي حطم كل الأرقام القياسية، شغفٌ بالرحلات الجوية يعكس العقلية الوطنية.
العالم يحبنا، والعالم يكرهنا، علينا أن نخرج من هنا.
نحن الأفضل والأكثر تفوقا في كل شيء، لكن علينا أن نطير بعيدا.
مؤشر السعادة في إسرائيل آخذ في الارتفاع، وفقا لاستطلاعات الرأي؛ فقط دعونا نتمكن من الهرب بالطائرة من حين إلى آخر.
جواز سفر أجنبي بوصفه خيارا للهجرة، ومطار مفتوح بوصفه خيارا للهروب.
ثم يأتي رئيس نقابة يُدعى بنحاس عيدان ويتجرأ على العبث بقدس أقداسنا.
وسوف يُحاسب على ذلك أكثر بكثير من المجرمين الحقيقيين من أصحاب الوزن الثقيل.