كيف تخلق الخدمة العسكرية «ذات المغزى» في إسرائيل جيلا ضائعا في الضفة الغربية


جدعون ليفي
الحوار المتمدن - العدد: 8775 - 2026 / 7 / 23 - 04:47
المحور: العمل المشترك بين القوى اليسارية والعلمانية والديمقرطية     

هذا هو السبب في أنهم ينتمون إلى جيل ضائع. إنهم يمثلون التيار السائد في المجتمع الإسرائيلي, وربما يصوت بعضهم للأحزاب الديمقراطية، وربما يصوت آخرون لإيتمار بن غفير، لكنهم لن يتعافوا أبدا من السلوك البلطجي الذي أصبح جزءا من شخصياتهم. لقد اكتسبوه خلال خدمتهم العسكرية.
كانت الساعة قد تجاوزت منتصف نهار يوم الاثنين بقليل عند الحاجز العسكري الواقع على المدخل الشمالي لمدينة رام الله. طابور طويل من السيارات يمتد أمام الحاجز، ولا يتحرك إلا بمقدار ضئيل كل بضع دقائق. إنه حاجز قلنديا، بخطوط انتظاره الطويلة والمحبطة التي قد تجبرك على الانتظار لساعات. ومن المهم الإشارة إلى أن هذا الحاجز ليس مدخلا إلى إسرائيل، بل هو مجرد نقطة خروج من العاصمة الفلسطينية غير الرسمية إلى بقية الأراضي الفلسطينية المحتلة.
لا أحد يطلق بوق سيارته، ولا أحد يتذمر أو يحاول تجاوز السيارة التي أمامه. يجلس الناس في سياراتهم تحت حرارة الظهيرة وينتظرون بصمت. إن حالة اللامبالاة التي تسيطر على المنتظرين في الطابور تمثل الدليل الحاسم على شعورهم بالهزيمة الكاملة والمستسلمة.
بعض السيارات تحمل لوحات ترخيص صفراء (إسرائيلية)، ويقودها فلسطينيون من الداخل أو من سكان القدس الشرقية، فيما تحمل سيارات أخرى لوحات فلسطينية. ولا يوجد أي يهودي هنا، إذ لا توجد مستوطنات إسرائيلية في رام الله حتى الآن.
يتولى جنديان ملثمان مسؤولية هذا الطابور الذي يبدو بلا نهاية. كلاهما مسلح ومجهز بالكامل من الرأس حتى أخمص القدمين، ويبدوان وكأنهما خرجا من فيلم خيال علمي. حركاتهما عصبية ومفاجئة، وكأنهما يشعران بضرورة إظهار القوة والعنف المكبوت في كل لحظة.
لقد وجها أسلحتهما الجاهزة للإطلاق نحونا، على سبيل المثال. أما وجهاهما فمغطيان، ربما خجلا، أو خوفا من أن تلتقطهما الكاميرات، أو ربما بهدف زيادة الترهيب.
لقد أمضيت سنوات طويلة في الانتظار عند الحواجز العسكرية، لكن هذا الحاجز تحديدا، خلال هذا الأسبوع، أثار في نفسي شعورا بالإحباط لم أشعر به من قبل. لم يكن أكثر عنفا أو إذلالا أو قمعا من غيره، لكنه كان مختلفا بطريقة ما.
منذ اندلاع الحرب على غزة، شهدت الضفة الغربية تغيرا جذريا أيضا. ويقول الفلسطينيون إن أكثر ما تجلى فيه هذا التغيير هو الطريقة التي أصبح الجنود يعاملونهم بها اليوم، دون ذرة من الإنسانية. وبالمقارنة، بات جنود الماضي، في نظر الفلسطينيين، أشبه بأفراد جيش الخلاص. ففي الضفة الغربية اليوم، أصبح الناس يحنون حتى إلى أولئك الجنود الذين كانوا يمنعون مرور النساء الحوامل في المخاض أو المرضى المحتضرين عبر الحواجز, لأن أولئك الجنود، على الأقل، كانوا يتحدثون مع ضحاياهم.
جاء دورنا أخيرا للوصول إلى الحاجز. وبينما كان الجنديان يتعاملان مع السيارة التي أمامنا، كانت لغة جسديهما تكشف عن توتر شديد وفقدان للسيطرة. لقد تجرأ السائق الذي أمامنا على التقدم قليلا قبل أن يحصل على الإشارة بالسماح له بالحركة.
لم يكونا من جنود الوحدات العسكرية الأقل تدريبا. فمعداتهما المتطورة كانت تدل على العكس. كما أنهما لم يبدوا وكأنهما ينتميان إلى هامش المجتمع الإسرائيلي. وعندما اطلعا على بطاقتي الشخصية والبطاقة الصحفية الخاصة بي، وكذلك بطاقات المصور أليكس ليفاك، فقدا أعصابهما تماما.
«أنت يهودي؟» حل الغضب محل الدهشة. ثم صرخ أحدهما مرتين: "ماذا كنت تفعل في رام الله؟".
أجبته بأننا التقينا بعض الأشخاص هناك. لكن عبارة "التقينا بعض الأشخاص في رام الله" كانت بالنسبة لهما أمرا غير قابل للفهم، إذ إنها ببساطة لا تدخل ضمن الاحتمالات الموجودة في أذهانهما. ففي نظرهما، لا يوجد "أشخاص" في رام الله. لقد أثار ذلك غضبهما.
ثم صاح أحدهما مرتين: "أنت تدمر الدولة"، وقد كادت عيناه تخرجان من محجريهما من شدة الانفعال.
وبعد سنوات طويلة من الاحتكاكات المشابهة عند الحواجز العسكرية، آثرت الصمت. وما إن ابتعدت عن المكان حتى غمرني شعور بالحزن لم أختبر مثله من قبل في الأراضي المحتلة.
هذان الجنديان لم يقتلا أطفالا في قطاع غزة هذا الأسبوع، ولم يقصفا أحدا. لكن سلوكهما المتسلط والعنيف والمتغطرس أصبح متجذرا فيهما إلى درجة أنهما ينفسان عنه في كل من يصادفانه.
لقد تم تدريب هذين الشابين على أن يكونا بلطجيين وعنصريين وعنيفين في كل الظروف. ولا سبيل إلى العودة إلى الوراء بالنسبة لهما, فسيحملان هذه الصفات معهما طوال حياتهما.
ولهذا السبب ينتميان إلى جيل ضائع. إنهما يمثلان التيار السائد في المجتمع الإسرائيلي, وربما يصوتان لأحزاب الوسط أو اليسار الصهيوني، وربما يصوتان لإيتمار بن غفير، لكنهما لن يتخلصا أبدا من هذه النزعة البلطجية التي أصبحت جزءا من تكوينهما النفسي.
لقد اكتسباها خلال خدمتهما العسكرية. فقد استوعبا كل ما لُقنا به عن الأشخاص الذين يمرون أمامهما عند الحواجز العسكرية. وتعلما أن يعتقدا بأنهما يقومان بحماية أمن الإسرائيليين، وأن يفخرا بخدمتهما العسكرية "ذات المغزى".
إن آباءهما وأصدقاءهما يفخرون بهما أيضا. وبالفعل، إنها خدمة عسكرية ذات أثر بالغ؛ لكنها أثرٌ يتمثل في تدمير مجتمع بأكمله من داخله، تدميرا قد يستمر إلى الأبد.