كيف تحوّل الجيش الإسرائيلي إلى جيش الإدانات الواهنة؟


جدعون ليفي
الحوار المتمدن - العدد: 8796 - 2026 / 8 / 13 - 14:53
المحور: العمل المشترك بين القوى اليسارية والعلمانية والديمقرطية     

إن جيش الدفاع الإسرائيلي «يدين». إن هذا يكفي وحده لجعلك تعوي من شدة الغيظ. أقوى جيش في الشرق الأوسط، يؤدي الآن دور مراقب من برنامج المرافقة المسكونية التابع لمجلس الكنائس العالمي في فلسطين وإسرائيل.
الضفة الغربية تشتعل، وتشهد مذابح جديدة كل يوم بسبب سياسات الجيش الفاضحة، والجيش الإسرائيلي «يدين». الدماء تُراق، والممتلكات تُدمَّر، وحياة ملايين البشر تتحطم، وكل ذلك لأن المؤسسة التي تتمثل مهمتها في منع كل هذا، والتي تستطيع بسهولة أن تفعل ذلك، تكتفي بالمشاهدة من المدرجات وتوزيع علامات التقييم.
تتزايد الجرائم، فيما تنقسم القوات العسكرية الإسرائيلية بين أولئك الذين لا يحركون ساكنا لمنعها، وأولئك الذين يشاركون فيها بنشاط بل ويبادرون إليها، بينما يكتفي الجيش الإسرائيلي بإصدار البيانات.
المستوطنون الإسرائيليون
أقام مستوطنون بؤرة استيطانية في فناء منزل خاص في قرية فلسطينية بالضفة الغربية يوم الأحد، ومنذ ذلك الحين وهم يحاصرون سكان المنزل.
بل إن مراسلا ومصورا من صحيفة هآرتس تعرضا للاعتداء ومنعا من الوصول إلى الموقع، وذلك بحضور جنود صوروا وهم يصلّون مع المعتدين.
ويصدر الجيش الإسرائيلي بيانا، كما لو كان يتحدث باسم الأمم المتحدة. وينبغي تفكيك هذا النص عبارة عبارة حتى يمكن إدراك مدى بُغضه وإثارته للاشمئزاز.
قال الجيش الإسرائيلي في بيان أصدره هذا الأسبوع:
«خلال الأسابيع الأخيرة، تلقينا عدة تقارير عن دخول مدنيين إسرائيليين إلى منازل وأراضٍ فلسطينية والاستيلاء عليها في منطقتي قصرة وجالود».
«تلقينا تقارير»: ربما حدث الأمر، وربما لم يحدث.
«مدنيون يدخلون المنازل»: ربما جاؤوا للزيارة، أو لشرب القهوة، أو لإجراء حوار من أجل السلام؛ من يستطيع أن يعرف؟ لقد سمى الجيش الإسرائيلي مرتكبي المجزرة في قرية تل «متنزهين»؛ أما الآن فقد أصبحوا «مدنيين».
ويتابع البيان:
«هذا نشاط غير قانوني ومستنكر وغير مقبول، يلحق الضرر بسكان المنطقة ويعطل حياتهم اليومية».
يا للعجب، يا له من توبيخ!
وقد أشار البيان بالعبرية إلى الإخلال بـ «نسيج الحياة»، وهو مفهوم بغيض خُصصت له مديرية كاملة في الجيش الإسرائيلي، تتمثل مهمتها في جعل حياة الفلسطينيين بائسة.
ثم نصل إلى ذروة المفارقة:
«يلحق الضرر بالسكان».
جيش لا هدف لديه أهم من إيذاء ملايين الفلسطينيين في الضفة الغربية وإذلالهم وقمعهم يومياً؛ جيش يقتحم منازلهم ويختطفهم منها، ويضايقهم عبر 900 حاجز، ويسيء معاملتهم ويقتلهم، بمن فيهم الأبرياء؛ ثم يأتي هذا الجيش نفسه ليدين إلحاق الضرر بالسكان.
ثم يقول البيان:
«أي من جنود الاحتياط أو المجندين في الجيش الإسرائيلي يثبت تورطه في هذه الحوادث سيخضع لإجراءات تأديبية».
إجراءات تأديبية.
جنود يطلقون النار على سيارة عائلة بريئة، فيقتلون رضيعا، وبعد شهرين لا يجرؤ الجيش الإسرائيلي حتى على القول ما إذا كان قد جرى استجواب أي شخص. ثم يأتي «أكثر جيوش العالم أخلاقية» ليدين ما حدث من أذى.
وفي السطر الأخير من البيان:
«أمس، جرى تنسيق عبور سيارة إسعاف في منطقة قصرة لتقديم المساعدة الطبية، حيث مرت عبر حاجز عسكري إلى منزل فلسطيني يقع داخل المنطقة الخاضعة لآمرية المنطقة العسكرية المغلقة».
يكاد العقل يدوخ من كثرة العبارات الملطفة والمضللة: «تقديم استجابة»، «تنسيق دخول سيارة الإسعاف»، «منطقة عسكرية مغلقة».
والخلاصة هي أن المجرمين ما زالوا في قصرة. حاول الجيش الإسرائيلي إخراجهم وفشل، يا له من جيش واهن. وهو الآن يدين سلوكهم.
والآن إلى الواقع:
منذ ثلاث سنوات، تهتز الضفة الغربية المحتلة بزلزال متواصل، بأوامر من مستوطنين رأوا في السابع من أكتوبر/تشرين الأول فرصةً سانحة، فرصة ستنتهي، إذا استطاعوا، بحرب انتقامية من الفلسطينيين. وعندها لن يكون بمقدور أحد أن يشتكي من عنفهم.
وفي غضون ذلك، تغير وجه الضفة الغربية.
كان بوسع الجيش الاسرائيلي أن يوقف عنف المستوطنين بسهولة. وقد زعم رئيس الوزراء أن الأمر برمته سببه نحو 150 من الأحداث الجانحين. وحتى لو كان يكذب، فإن المستوطنين ليسوا ندا للجيش الإسرائيلي إذا كان هذا الجيش يريد حقا إيقافهم.
ليندا ديان وجوشوا ليفر في بودكاست الانتخابات الخاص بهآرتس
لم يعد الأمر مجرد مسألة تعاون بين المستوطنين والجيش. الآن هناك كيان واحد ينسّق الجرائم.
لم يعد الجيش الإسرائيلي يكتفي بالوقوف موقف المتفرج، كما فعل طوال عقود؛ فالجيش الإسرائيلي هو المستوطنون، والمستوطنون هم الجيش الإسرائيلي.
وأبرز تجسيد لهذا الواقع هو وحدات الدفاع الإقليمية، وهي ميليشيات ترتدي الزي العسكري. إنها تسيطر الآن على الضفة الغربية. والجنود يأتمرون بأوامرها، بينما يكتفي الجيش الإسرائيلي، العظيم الجبار، بإصدار بيانات الإدانة.