سلام الحكومات وحقوق الشعوب


حميد كوره جي
الحوار المتمدن - العدد: 8805 - 2026 / 8 / 22 - 02:34
المحور: الارهاب, الحرب والسلام     

عِندما يَتحدثُ الزُّعماءُ عن السَّلام..
يعرِفُ العامَّةُ أنَّ الحربَ قادمة!
وعِندما يَلعنون الحرب..
تكونُ الأوامرُ قد صُدرتْ بالتعبئة
بريخت

لا شك أن درء ويلات الحروب وإبعاد خطر الدمار عن الأبرياء يمثل نجاحاً إنسانياً وسياسياً لا يمكن إنكاره؛ فالحرب وحش يبتلع الحاضر والمستقبل. ولكن، خلف الأضواء اللامعة للقاعات الدبلوماسية والتبسمات المتبادلة، يطرأ سؤال مهم: هل يعني "سلام الحكومات" بالضرورة "تحرر الشعوب"؟

عند النظر بعمق في كواليس الاتفاقيات الدولية ، وخاصة في العقود الأخيرة، يتضح بسرعة أنها غالباً ما تكون "صفقات تجارية كبيرة" مغطاة بوعود السلام. الدافع الأساسي هنا ليس العدالة أو حقوق الإنسان أو الرفاه الاجتماعي، بل يتمحور حول إعادة اندماج الاقتصادات في المنظومة الرأسمالية العالمية، وضمان تدفقات النفط، وفتح الأسواق للاستثمار، وتفكيك القضايا المالية والعقوبات.

في هذه المعادلات الرقمية الجامدة، تهمَل تماماً قضايا الإنسان الحقيقية. فلا وجود فيها لحرية النقابات العمالية، ولا للتوزيع العادل للثروات، أو تعزيز المساواة بين الجنسين. كما تغيب عنها قضايا القمع الداخلي والمشاركة الشعبية الفاعلة في اتخاذ القرارات السياسية. فهذه الأمور ممنوع تناولها لأنها تعتبر لديهم تدخلا في الشؤون الداخلية المقدسة.

نحن، إذن، أمام مفارقة مريرة: تنتهي الحرب بين الدول، وتتحقق "التسويات العليا" بين النخب الحاكمة لحماية عروشهم ومصالحهم، بينما تستمر الشعوب في حمل أعباء هذه الاتفاقيات، لتكتشف أن زوال صوت المدافع لا يعني بالضرورة مجيء الحرية، وأن السلام الحقيقي لا يُصاغ في الغرف المغلقة إذا ظلت الأغلبية مجرد صدى بلا صوت.


الحالة في مرآة الشعر العربي

لقد التفت الشعراء العرب منذ القدم إلى هذه المفارقة؛ حيث تتصالح الملوك والنخب لتتقاسم الغنائم، بينما يظل الكادحون والفقراء وقوداً للسلم والحرب على حد سواء.

في تصوير دقيق لحال "التسويات الفوقية" التي يدفع ثمنها البسطاء، يقول الشاعر العراقي معروف الرصافي منتقداً الدبلوماسية المزيفة التي تخدم الكبار فقط:


وما كُتبتْ عهودُ السِّلْمِ إلا ... لِتَكْتبَها دماءُ الأبرياءِ
تَسوسُ عقولَنا نُخَبٌ تَربَّتْ ... على مَصِّ الدِّماءِ بلا حياءِ


كيف يمكن للاتفاقيات الرسمية أن تخدم مصالح الطبقات المهيمنة بدلاً من تعزيز تحرر حقيقي للمجتمعات؟ في مجال العلوم السياسية والعلاقات الدولية، تُطرح عدة أطر ونظريات لتفسير هذا المنظور وتدعمه بأسلوب بنيوي.

ضمن هذه الإطارات، يبرز مفهوم "السلام السلبي" و "السلام الإيجابي" كما طرحه عالم الاجتماع النرويجي يوهان غالتونغ. يمثل نموذجه هنا حجر الزاوية في الفهم الأكاديمي لهذه المسألة. يرى أن السلام السلبي يُعرف بأنه مجرد "غياب الحرب" أو توقف العنف المباشر مثل النزاعات المسلحة. ينشأ هذا النوع من السلام عادةً من خلال اتفاقيات تستهدف فيها النخب السياسية توقيع العقود ورفع العقوبات دون معالجة المشاكل الهيكلية، وهكذا يبقى النسيج الاجتماعي للمجتمع مهزوزًا. أما السلام الإيجابي، فيراه بمعني غياب "العنف البنيوي". والعنف البنيوي يتمثل في الأنظمة السياسية والاقتصادية التي تحول دون تحقيق الأفراد لقدراتهم الكاملة، كالفقر والتمييز وغياب الحريات والتوزيع غير العادل للثروة. غالبًا ما تعمل اتفاقيات النخب على تعزيز هذا النوع من العنف لأنها تحافظ على مصالح الطبقات المهيمنة على حساب حصول الشعب على حقوقه الأساسية، مما يؤدي في النهاية إلى سلام هش وسلبي.


تركز النظرية الغرامشية الجديدة في الاقتصاد السياسي الدولي على الأفكار التي طرحها المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي، وبالأخص مفهوم "الهيمنة". يعتقد منظرو هذه النظرية أن الاتفاقيات والمعاهدات الدولية ليست مجرد وسائل لحفظ السلام، بل تُستَخدم كأدوات لتحقيق "الهيمنة التاريخية" وتثبيت نفوذ "الكتلة التاريخية الحاكمة"، التي تشمل التحالف بين النخب السياسية المحلية والرأسمالية العالمية.

بحسب هذا الفهم، فإن دمج اقتصاد أي دولة ضمن النظام الرأسمالي العالمي من خلال اتفاقيات نفعية يُعتبر وسيلة لامتصاص الصدمات وضمان بقاء النخبة في السلطة عبر الحصول على "شرعية دولية". وفي المقابل، تبقى القوى العمالية والشعبية مهمشة وتفتقر إلى السيطرة على مواردها.

نظرية التبعية تؤكد على أن النظام الاقتصادي العالمي موزع بين "المركز"، الذي يضم الدول الرأسمالية المتقدمة، و"الأطراف"، التي تضم الدول النامية أو التابعة. العلاقة بين المركز والأطراف يمر من خلال "النخب المحلية" في دول الأطراف، وتلعب هذه النخب دور "الوكيل" أو "الجسر" الذي يساعد في نقل الثروات مثل النفط والموارد إلى المركز الرأسمالي مقابل الحفاظ على مواقعهم في السلطة وضمان حمايتهم من الانتقادات الشعبية. بناءً عليه، أي اتفاقية دولية تهتم بـ"النفط، التجارة، الاستثمار، ورفع العقوبات" تعزز علاقة التبعية بشكل متواصل. تستفيد النخبة المحلية من الأرباح والاعتراف الدولي، فيما يضمن المركز الرأسمالي حماية مصالحه، بينما يتحمل الشعب الأعباء الناتجة عن الاستغلال والضغوط الاقتصادية وإهمال قضاياه الحياتية والسياسية.

يعتقد أصحاب النظرية السياسية الواقعية بأن القرارات الكبرى في السياسة المحلية والدولية تُتخذ من خلال "تحالف وثيق" يجمع بين النخب العسكرية والسياسية وكبريات الشركات الاقتصادية. تتحرك هذه النخب وفق منطق "البقاء واستدامة القوة". فعندما تُبرم النخب الحاكمة اتفاقاً لوقف الحرب، فإن الدافع وراء ذلك يعود إلى أن تكاليف الحرب أصبحت تشكل تهديداً لبقائهم، أو لأن السلام التجاري يعِدهم بعوائد أكبر. وبما أن الشعب لا يشارك في مفاوضات كهذه، فإن قضايا مثل العدالة الاجتماعية وحقوق المرأة وحرية النقابات تُغفل تماماً لأنها تعتبر تهديداً لمصالح النخبة ذاتها.
تلتقي هذه النظريات عند حقيقة واحدة مفادها أن "التحرر" هو جهد ينطلق من الشعب نفسه نحو الأعلى، بينما "الاتفاقيات والمعاهدات" تعتبر أدوات هندسة وضبط تأتي من الأعلى إلى الأسفل. لذلك، يمكن للاتفاقيات الدولية أن تحقق "الاستقرار المؤقت"، لكنها تقف عاجزة أمام توفير الحرية الحقيقية أو الكرامة الاقتصادية والاجتماعية للشعوب.

مالمو
2026-08-21