من الاستبداد الأيديولوجي إلى البراغماتية الأمنية


حميد كوره جي
الحوار المتمدن - العدد: 8797 - 2026 / 8 / 14 - 02:02
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

كيف يهندس النظام الإيراني "هبوطه الآمن"؟

تمر الساحة السياسية الإيرانية بمنعطف تاريخي يعيد تشكيل قواعد اللعبة بين السلطة والمجتمع. وخلافاً للتوقعات التي رجحت انهياراً وشيكاً للنظام تحت وطأة العقوبات الاقتصادية والضربات العسكرية، أظهرت طهران قدرة استثنائية على التكيف، محولةً التهديدات الوجودية إلى ركائز لتعزيز قبضتها وإعادة إنتاج شرعيتها بأدوات جديدة.


لقد تجاوز المشهد الإيراني ثنائية الصراع التقليدي بين المحافظين والإصلاحيين. يتمثل التحول الجوهري اليوم في انتقال مركز الثقل السياسي من مؤسسة "الولي الفقيه" ورجال الدين إلى دائرة ضيقة ومحكمة من قادة الحرس الثوري والأجهزة الأمنية.

لم يعد الجناح العسكري مجرد أداة تنفيذية، بل تحول إلى "دولة عميقة" تتخذ من المؤسسات الدينية غطاءً أيديولوجياً يشرعن هيمنتها. هذا الانتقال يعكس تخلص النظام من أعبائه الأيديولوجية الكلاسيكية، متبنياً براغماتية أمنية صارمة لا تضع نصب عينيها سوى هدف واحد: البقاء المطلق.


لم تكسر العقوبات ظهر النظام، بل قدمت له فرصة ذهبية لاحتكار الثروة. فقد استغلت الكيانات الاقتصادية والعسكرية العزلة الدولية لتجفيف المنافسة وتأسيس شبكات مصالح معقدة، مما جعل من مسألة التغيير الكلاسيكي أمراً بالغ التعقيد.

في المقابل، يقف المجتمع الإيراني، وخاصة الطبقة الوسطى، أمام حالة من الإنهاك غير المسبوق جراء عقود من التضخم والقمع. هذا التعب المجتمعي ولّد رغبة براغماتية في أولوية السلم الأهلي وتأمين لقمة العيش، حتى لو تطلب ذلك تأجيل المعارك السياسية الكبرى.

يدرك "الحرس القديم" والطبقة البراغماتية الحاكمة هذه الحالة، ويسعون لاستثمارها عبر تقديم تنازلات تكتيكية تُعرف بـ "الهدنة الاجتماعية". ويشمل ذلك:


• إرخاء القبضة الثقافية وتخفيف القيود اليومية (مثل التغاضي التدريجي عن قوانين الحجاب).

• السماح بنمط حياة أكثر انفتاحاً كـ "صمام أمان" لامتصاص الغضب الشعبي، دون المساس بجوهر السلطة.


خوفاً من مآلات المواجهة العنيفة والمفتوحة مع الشارع، يميل أقطاب النظام نحو استراتيجية "الانهيار المدار" أو الهبوط الآمن. قد يتضمن هذا المسار المليء بالمخاطر تقديم تنازلات هيكلية استجابة للضرورات الداخلية والضغوط الدولية، أبرزها:


• تحويل منصب "الولي الفقيه" إلى مؤسسة شرفية، لتصبح أقرب إلى نموذج الملكية الدستورية.

• السماح بهامش شكلي للتعددية الحزبية وحرية الصحافة.

يهدف هذا المسار إلى نيل اعتراف دولي يمهد لرفع العقوبات، معلناً بطريقة غير مباشرة وصول الاستبداد الأيديولوجي إلى نهايته، ليحل محله نظام أمني براغماتي يشتري شرعيته بـ "الخبز والاستقرار".


التيار الإصلاحي: معضلة التمزق الهيكلي
وسط هذه التحولات، يعيش التيار الإصلاحي في إيران حالة من الجمود التكتيكي والتمزق الهيكلي، منقسماً بين تيارين:


1. تيار "الترقيع المستحيل" (القيادات التقليدية): يراهنون على إصلاح النظام من الداخل، ليس تفاؤلاً، بل رعباً من بدائل الانهيار المفاجئ التي قد تجر البلاد إلى حرب أهلية أو ديكتاتورية عسكرية علنية. يحاولون لعب دور "الجسر" بين الشارع والسلطة لانتزاع تنازلات طفيفة.

2. تيار "التحول الجذري" (القواعد الشابة والنخب): أيقنوا بوفاة مشروع الإصلاح الداخلي. أدركوا أن الدستور الحالي، بصلاحياته المطلقة لولاية الفقيه ومقص "مجلس صيانة الدستور"، أفرغ الانتخابات من معناها. ويطالبون اليوم بصياغة دستور جديد واستفتاء عام.


يواجه الإصلاحيون معضلة قاتلة؛ فالدفاع عن الدستور الحالي يجردهم من حاضنتهم الشعبية ويجعلهم مجرد "محللين للاستبداد"، في حين أن المطالبة بتفكيك النظام ستضعهم في مواجهة ساحقة مع الآلة الأمنية كـ "خونة ومتمردين". وفي ظل غياب الشجاعة السياسية، تكتفي قياداتهم بالانتظار، آملين أن تستدعيهم السلطة يوماً لإدارة "الهبوط الآمن"، رغم إدراكهم أن قطار الشارع قد تجاوزهم.


بين النموذج السوفيتي والنموذج الإسباني
حاولت موسكو إنقاذ نظامها عبر سياسات "الغلاسنوست والبيريسترويكا" لتقليص هيمنة الحزب الشيوعي، لكن النتيجة كانت تفكك الدولة. السبب؟ الأيديولوجيا كانت هي "الغراء" الوحيد الذي يربط مؤسسات الدولة.

"ولاية الفقيه" في إيران ليست منصباً قابلاً للتقليص، بل هي الغراء الأيديولوجي الذي يمنح شرعية الوجود لـ "الدولة الموازية" ومؤسساتها العسكرية.

نجحت إسبانيا بعد حقبة فرانكو في الانتقال السلس بفضل دستور جديد حوّل الديكتاتورية إلى ملكية دستورية تعددية بضمانات حقيقية.

يقف النظام الإيراني "الجديد" أمام تحدٍ وجودي: إن تقليص صلاحيات القائد الأعلى وتعديل الدستور هو الثمن الوحيد للبقاء والاندماج الدولي، لكنه في الوقت ذاته قد يكون المسمار الأخير في نعش البنية الأيديولوجية للنظام بأكمله.

2026_08_13
مالمو