قراءة في الاقتصاد السياسي لليبيا القذافي مقارنة بالنموذج السوفيتي


حميد كوره جي
الحوار المتمدن - العدد: 8712 - 2026 / 5 / 21 - 13:46
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

نحن اليوم تجاوزنا الربع الثاني من الألفية الثانية، وهي مرحلة تستوجب منا وقفة تأملية لمراجعة الأحداث المفصلية والأنظمة الاستثنائية التي شهدتها منطقتنا العربية. ومن بين أكثر التجارب إثارة للجدل، تبرز "ليبيا القذافي" كنموذج اقتصادي سياسي فريد، يثير تساؤلات جوهرية عند مقارنته بـ "النموذج البلشفي" السوفيتي. إن التباين بين النهجين يكشف ليس فقط عن خلافات أيديولوجية، بل عن رؤى متناقضة حول إدارة الدولة، والموارد، وعلاقة العامل بوسيلة الإنتاج.

كان القذافي يعكس رؤية متناقضة في السياسة الاقتصادية، فمن جهة كان يحمل نزعات ثورية رومانسية إزاء الاقتصاد المحلي، بينما من جهة أخرى تبنّى براغماتية رأسمالية في إدارة قطاع النفط. ففي حين سعى البلاشفة إلى تحويل المجتمع إلى جهاز ضخم يعمل بنظام صارم ومنظّم، كان القذافي يطمح إلى تفكيك هذا الهيكل وتحويله إلى شبكة من الوحدات المستقلة المترابطة فقط بتدفق الموارد المالية من المركز، أو ما يرمز إليه بالخيمة. ونتيجة لهذه الاستراتيجيات المتباينة، خلفت الصناعة السوفيتية إرثاً يتجسد في مصانع ضخمة وصناعات عسكرية متقدمة، بينما أدّى نهج القذافي إلى تشكّل بنية صناعية ضعيفة، سرعان ما انهارت مع توقف الدعم الحكومي أو تعثر إمدادات النفط.

تتجلّى المفارقة الواضحة بين رأسمالية الدولة في النموذج السوفيتي والاشتراكية الطوباوية-الفوضوية في نموذج القذافي. ورغم أن الأخير سعى إلى معالجة قضية "اغتراب العامل"، التي كانت محوراً لانتقاد كارل ماركس للرأسمالية، إلا أنه انتهى بطريقة غير مباشرة إلى بناء نظام يعتمد بشكل كبير على سلطة الدولة، بل ربما بدرجة تفوق اعتماد السوفييت أنفسهم.

تبرز في تحليل تجربة القذافي مقارنةً بنهج البلاشفة جملة من الاختلافات الجوهرية التي زادت من فرادتها رغم طابعها الفوضوي. من أبرزها مفهوم العلاقة الاقتصادية بين "الأجير" و"الشريك". فقد أبقى النظام السوفييتي على بنية الأجر التقليدية، حيث يتمثل دور العامل في بيع جهده للدولة مقابل أجر شهري ثابت. وبالتالي، كانت الدولة هي "الرأسمالي الأكبر" الذي يجمع الفائض ويُعيد توظيفه في دفع عجلة التصنيع الثقيل.


البلشفية: تقديس الهيكل والبيروقراطية

قام النهج البلشفي على فكرة إلغاء الطبقة الرأسمالية وإحلال الدولة محلها. ورغم تبني شعارات اشتراكية، إلا أن النظام حافظ على بنية "الأجر"، حيث تحولت الدولة إلى "الرأسمالي الأكبر" الذي يمتلك وسائل الإنتاج ويوزع الأجور. ولإدارة هذا الضخامة، أسس السوفييت جهاز "غوسبلان" (Gosplan)، وهو بيروقراطية هرمية بالغة التعقيد، ربطت كل مسمار يُنتج في سيبيريا بخطة مركزية في الكرملين. ورغم ما صاحب هذا النظام من جمود، إلا أنه حقق مستوى عالياً من التنظيم، التنسيق، وتراكم الخبرة التكنوقراطية.

"الزحف" والثورة على الإدارة

في المقابل، ذهب معمر القذافي في "الكتاب الأخضر" إلى ما هو أبعد من التأميم التقليدي، محاولاً إلغاء "صاحب العمل" و"الأجر" معاً، معتبراً الأخير عبودية حديثة. طرح القذافي مبدأ "البيت لساكنه والمصنع لمنتجيه"، وهو ما أطلق عليه "التزحيف"، حيث تم تفكيك الهياكل الإدارية التقليدية وإلغاء الوزارات لصالح "اللجان الشعبية".
هذا النهج لم يهدف إلى بناء تنظيم مؤسسي، بل إلى تفكيكه، ظناً بأن أي وسيط إداري هو أداة طغيان. والنتيجة كانت تحول المنشآت إلى "جزر منعزلة" تفتقر إلى الخبرة الفنية والمساءلة، مما أدى إلى تضارب القرارات وفشل التكامل الصناعي الوطني.

مفارقة النفط: ازدواجية المركز واللامركزية

تكمن المفارقة الكبرى في أن القذافي، بينما كان يروج لـ "اشتراكية فوضوية" في القطاعات الصغيرة والمتوسطة، تبنى براغماتية رأسمالية صارمة في إدارة قطاع النفط عبر المؤسسة الوطنية للنفط.
لقد كان النفط هو "صمام الأمان" الذي مكّن هذا النظام من الصمود؛ ففي حين كان الاقتصاد السوفيتي يعتمد على إنتاجية مصانعه لضمان استمرار الدولة، كانت المصانع في ليبيا تستهلك الموارد ولا تنتج أرباحاً، حيث كانت تُدعم بالكامل من عائدات النفط. بعبارة أخرى، كانت اللامركزية في ليبيا مجرد "واجهة بصرية"، تختبئ خلفها مركزية مالية مطلقة بيد السلطة.

جدلية "المنتج" و"المستهلك"

بينما سعى السوفييت إلى تحويل المجتمع إلى "مصنع واحد كبير" وجعل العامل ترساً في ماكينة الدولة، أراد القذافي تحويل المجتمع إلى مجموعة من "الخيام المستقلة" المترابطة فقط بحبل الوريد النفطي. انتهى الأمر بالنموذج السوفيتي إلى خلق طبقة تكنوقراطية قوية وجيش من المهندسين، بينما أدى نهج القذافي إلى تحويل الشعب من "منتجين" إلى "مستهلكين" يتلقون رواتبهم من ريع النفط لا من نتاج عملهم.

هل كانت الفوضى استراتيجية؟

يمكن القول إن نموذج القذافي كان بمثابة "تأميم ضد الدولة" بقدر ما كان "تأميماً ضد الرأسمالية". ولعل التفكيك المؤسسي المتعمد والعداء للإدارة التقليدية لم يكونا مجرد أحلام أيديولوجية، بل كانا أداة سياسية مقصودة لمنع نشوء أي طبقة تكنوقراطية (مديرين ومهندسين) قد تمتلك نفوذاً أو استقلالية تشكل تهديداً مباشراً لاستمرارية حكم القذافي.
في النهاية، رحل السوفييت تاركين خلفهم إرثاً صناعياً وعسكرياً ضخماً، بينما ترك نهج القذافي بنية اقتصادية هشة، سرعان ما تداعت مع توقف تدفقات النفط أو غياب اليد المركزية التي كانت تمسك بكل الخيوط. لقد كانت التجربة الليبية درساً في كيف يمكن للشعارات الثورية أن تُستخدم كغطاء لتعزيز سلطة مركزية مطلقة، عبر إشغال المجتمع بفوضى إدارية تحول دون التنمية الحقيقية.