تركيا واستراتيجية -الاحتواء المرن- تجاه الحرب على ايران
حميد كوره جي
الحوار المتمدن
-
العدد: 8666 - 2026 / 4 / 3 - 22:48
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
تجد أنقرة نفسها اليوم في قلب مشهد جيوسياسي معقد يشبه إلى حد كبير التجول في "منطقة رمادية" مليئة بالتحديات والمخاطر؛ إذ تواجه تحولات استراتيجية فرضتها الهجمات المباشرة من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران. هذه التطورات دفعت تركيا إلى إعادة تقييم مفهوم "الواقعية البراغماتية" الذي لطالما اعتمدت عليه في سياساتها الخارجية. فمن وجهة نظر أنقرة، إيران ليست مجرد حليف دائم ولا عدواً وجودياً بالمطلق، بل هي خصم إقليمي يتداخل معها أحياناً في المصالح، خاصة فيما يتعلق باستقرار المنطقة، لكنه يتصادم معها كثيراً في سباق النفوذ وبسط الهيمنة الإقليمية.
وعلى الرغم من الفروقات الأيديولوجية داخل المجتمع التركي، فإنها لم تُفقده وحدته حول بعض القضايا المفصلية. فالمجتمع التركي ينقسم بين تيارٍ محافظ يرى في طموحات إيران الشيعية تهديداً للهوية الدينية والثقافية، وتيار آخر علماني يشعر بالقلق من تأثير النموذج الثوري الإيراني. ومع ذلك، يُلحظ وجود "براغماتية شعبية" قائمة على مصالح مباشرة توحد الرأي العام التركي. يدرك المواطن العادي تماماً أن أي اضطراب كبير في استقرار إيران قد يقود إلى أزمات متعددة الأبعاد: أزمة طاقة خطيرة ترتبط بمخاطر انقطاع أو تقليص إمدادات الغاز الإيراني الذي يُعد شرياناً حيوياً لتركيا، كابوس ديموغرافي نتيجة لتدفق موجات كبيرة من اللاجئين التي ستفوق قدرة الاقتصاد التركي الذي يعاني بالفعل من ضغوط متزايدة، بالإضافة إلى التأثير السلبي المتوقع على قطاعات مثل الاستثمارات والسياحة الإيرانية التي تعد مصدراً مهماً للعائدات.
هذا الفهم الشعبي يعزز موقف صانع القرار في أنقرة ويمنحه مساحة للتحرك وفق سياسة تحمل طابع الحذر والتوازن. فالسياسة التركية تتبع نهج "مسك العصا من المنتصف"، وهو نهج يحافظ على المصالح الوطنية دون الانحياز الحاد لأي طرف في الصراع، مما يمنحها مرونة أكبر للتعامل مع مرحلة غامضة المعالم ومكتظة بالاحتمالات.
ركائز التوازن الهيكلي (إرث 1639)
تقوم متانة العلاقة بين الطرفين على أساس تاريخي يمتد إلى معاهدة قصر شيرين، التي وضعت حجر الأساس لترسيم الحدود بينهما وأفسحت المجال للتركيز على صراعات النفوذ في ساحات إقليمية متشابكة مثل سوريا والعراق ولبنان، بدلًا من التوجه إلى مواجهة مباشرة. ومن خلال استراتيجياتها، تتخذ هذه السياسة ثلاثة محاور رئيسية تعمل في إطارها. يتمثل المحور الأول في منع هيمنة أي قوة منفردة على مقدرات المنطقة، بما يهدف إلى الحفاظ على توازن استراتيجي مستدام. أما المحور الثاني فيعتمد على التنسيق القسري، الذي يظهر من خلال التعاون بين الجانبين لاحتواء وتأطير نفوذ الحركات القومية الكردية والحد من تأثيراتها على المشهد السياسي والجغرافي. بينما يجسد المحور الثالث المناورات السياسية الذكية التي تبرز عبر استخدام خطاب معادٍ للغرب كأداة ضغط متبادلة عندما تقتضي الضرورة، على الرغم من عضوية تركيا في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، ما يعكس مرونة تكتيكية وتحالفًا براغماتيًا يتكيف مع تعقيدات الواقع الإقليمي والدولي.
معضلة "الخيط الكردي" وانعدام الثقة
يمثل الملف الكردي الرابط الأساسي الذي يجمع بين أنقرة وطهران، حيث يبرز كعامل مشترك قد يبدو للوهلة الأولى وكأنه "الغراء" الذي يوثق العلاقات بين العاصمتين ويدفعهما إلى التعاون. ولكنه في الوقت ذاته يشكل "القيد" الثقيل الذي يقيّد حركتهما ويضعهما أمام معضلات معقدة يصعب حلها بسهولة.
ظهر هذا الشكل من التعاون الإجباري إلى العلن بوضوح تام خلال إحباط استفتاء استقلال إقليم كردستان العراق في عام 2017، إذ انطلقت كلتا الدولتين من مخاوف مشتركة تتعلق بانتشار "عدوى الانفصال" إلى حدودهما الداخلية. هذا التعاون، على الرغم من دوافعه المشروعة ظاهرياً، لا يخلو من الشكوك العميقة التي تتبادلها الدولتان تجاه نوايا بعضهما البعض.
جانب من تلك الشكوك يتمثل في اتهام أنقرة المستمر لطهران بتوفير ملاذات آمنة لعناصر حزب العمال الكردستاني (PKK) في جبال قنديل، الأمر الذي تعتبره تركيا تهديداً مباشراً لطموحاتها الاستراتيجية في العراق. وفي المقابل، تحتفظ تركيا بورقة ضغط لا تقل أهمية، تتمثل في دعمها المحتمل لجماعات كردية إيرانية مسلحة مثل (PJAK)، والتي تلجأ إلى استخدامها كوسيلة للضغط عند الضرورة.
وفي خضم هذا التوازن الهش بين الطرفين، تُثار مخاوف جدية لدى تركيا من أن يؤدي أي ضعف في القبضة الأمنية الإيرانية، خاصة في حال تعرضها لضغوط أو ضربات خارجية، إلى خلق ما يمكن أن يُعرف بـ "فراغ أمني". ومما يزيد هذا السيناريو تعقيداً، هو احتمال استغلال القوى القومية المسلحة الكردية لهذا الفراغ لإعادة انتشارها وتموضعها الاستراتيجي على طول الحدود المشتركة، وهو سيناريو تعتبره أنقرة تهديداً وجودياً لأمنها القومي.
مثلث التوازن الإقليمي (سوريا، العراق، القوقاز)
تنظر تركيا إلى ضعف إيران بنظرة مزدوجة تجمع بين الترقب والقلق. فمن جهة، يمنح تراجع النفوذ الإيراني فرصة لأنقرة لتوسيع مناطق نفوذها، خاصة فيما يتعلق بمشروع المنطقة الآمنة، ومن جهة أخرى يثير المخاوف من احتمالية استغلال هذه الفجوات من قبل الولايات المتحدة أو إسرائيل أو حتى الفصائل المسلحة المعادية لتثبيت مواقعها.
في القوقاز، يحتدم الصراع حول الهوية القومية، حيث تكافح إيران لمواجهة صعود "العالم التركي" الذي يتنامى شمال حدودها. في مقابل ذلك، ترى تركيا هذا الواقع امتداداً طبيعياً واستراتيجياً لوجودها القومي. إلا أن هذا الصراع يبقى محدود التأثير على إيران باعتبار أن الأذريين الذين يشكلون فئة قومية إيرانية يتمتعون بمراكز قوة حيوية داخل البلاد، مثل التحكم بالتجارة والبازارات والتأثير الكبير في القيادة السياسية والدينية. ولذلك، ليس لديهم استعداد للتخلي عن هذه المكاسب لصالح حركة قومية تركية قد تحمل في طياتها مخاطر غير مضمونة.
واقعية 2026.. من "صناعة الفرص" إلى "إدارة الأضرار"
تعيش تركيا حالياً في حالة معقدة تشبه وضع دول الخليج، إذ تجد نفسها محاصرة بين التزاماتها الراسخة مع الغرب وبين واقعها الجغرافي الذي يفرض عليها التعايش مع إيران باعتبارها جاراً تاريخياً وحليفاً مشروطاً في آنٍ واحد. هذا الواقع أسهم في وضع يُلزِم أنقرة بالتحرك بحذر كبير لتجنب الانخراط في صراعات قد تمتد آثارها إلى الداخل التركي.
إن الإخفاق المستمر في دمج إيران ضمن إطار ترتيبات أمنية إقليمية مشتركة أفضى إلى وضع مصير هذه المنطقة الحساسة رهن قوى دولية كبرى مثل الولايات المتحدة وإسرائيل، مما دفع تركيا من موقعها كفاعل إقليمي مؤثر نحو دور أقرب إلى كونه "ممتصاً للصدمات"، أي التعامل مع تبعات هذا الواقع بدل تشكيله.
وفي ظل هذه التعقيدات، تعمل أنقرة جاهدة لحماية مكتسباتها على الصعيد الإقليمي ومنع تحول إيران إلى "دولة فاشلة"، وهو السيناريو الذي تخشى تركيا تبعاته لما قد يجلبه من مخاطر واسعة تشمل انهياراً أمنياً وفوضى عارمة تتجاوز الحدود الإيرانية إلى مناطق أوسع. لذلك تبدو الأولوية التركية منصبة حالياً على ضمان استمرار إيران كخصم "يمكن التنبؤ به والتفاوض معه"، عوضاً عن الوقوع في مستنقع عدم الاستقرار الناتج عن فراغ سياسي قد يقلب موازين القوى لصالح أطراف أخرى.
إن الموقع الجغرافي والاستراتيجي لتركيا يجعلها مضطرة للاستمرار في "الرقص مع الخصوم"، وهي سياسة تعتمد مزيجاً دقيقاً من المواجهة والاحتواء، حيث تسعى إلى تقليص النفوذ الإيراني قدر المستطاع في قضايا معينة، وفي الوقت ذاته تبذل جهوداً حثيثة للحفاظ على استقرار الهيكل الأمني والسياسي الذي يحمي حدودها من خطر الانزلاق نحو موجات أكبر من الصراعات والحرائق الإقليمية.
ما أصدق بشار بن برد عندما يقول:
إِذا كُنتَ في كُلِّ الذُنوبِ مُعاتِباً ---- صَديقَكَ لَم تَلقَ الَّذي لا تُعاتِبُه
فَعِش واحِداً أَو صِل أَخاكَ فَإِنَّهُ -------مُفارِقُ ذَنبٍ مَرَّةً وَمُجانِبُه
2026-04-03
مالمو