وباء الإنتاج المفرط - الصين نموذجاً
حميد كوره جي
الحوار المتمدن
-
العدد: 8663 - 2026 / 3 / 31 - 04:21
المحور:
ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية
تحرير الأجر وتحرير العقل: عن أصنام "الهيكل" وضريبة الإنسان
منذ عصور خلت، وفي بقاع شتى من العالم، يبدو أن التاريخ قد اتخذ مساراً واحداً في جوهره وإن اختلفت أدواته: تغييب الإنسان لصالح المنظومة. فبينما تعاني مجتمعاتنا من "تعطيل العقل" وإغلاق باب الاجتهاد باسم حماية "الهيكل" الديني أو الأيديولوجي، تقدم الصين نموذجاً موازياً في "تعطيل الأجر" وقمع القيمة المادية للإنسان باسم حماية "هيبة الدولة" والنمو الاقتصادي.
في مجتمعاتنا، تحول "الشك" إلى جريمة و"التكفير" إلى رياضة شعبية، حيث يُواجه كل تجديد بجيوش من "حماة الهيكل". المصيبة تكمن في أن الضحايا أنفسهم—المسحوقين تحت وطأة الجهل والاستبداد—هم الأكثر حماساً للدفاع عن جلاديهم، سواء كانوا شيوخاً أو أمراء يتسترون بعباءات وطنية أو يسارية.
وعلى الجانب الآخر من الكوكب، في "مصنع العالم"، نجد تجسيداً مادياً لهذا القمع. فالصين التي انتشلت الملايين من الفقر المطلق، فرضت عليهم "فقراً نسبياً" عبر هندسة قمع الأجور. فبدلاً من أن يكون العامل شريكاً في المعجزة، تحول إلى وقود لها. تراجعت حصة أجور العمال من الإنتاج الصناعي بشكل مخيف، حتى أصبحت الصين تدفع لعمالها أقل مما تدفعه دول أفقر منها مثل فيتنام، لضمان تراكم رأس المال في يد البيروقراطية الحاكمة.
لقد حذر ماركس قديماً من "وباء الإنتاج المفرط" الناتج عن استغلال العمال لدرجة تجعلهم عاجزين عن الاستهلاك. الصين اليوم تقع في هذا الفخ؛ فهي تملك 35% من طاقة الإنتاج العالمي، لكن شعبها لا يساهم إلا بـ 11% من الاستهلاك العالمي. هذا "الفائض" ليس نجاحاً، بل هو دليل على أن "النموذج الصيني" يقوم على عصر عرق العامل لتصدير السلع الرخيصة، مما أدى لـ "عولمة البؤس" وتدمير الوظائف في دول أخرى لا تستطيع منافسة "سعر السخرة".
أدرك الرأسمالي هنري فورد ما عجزت عنه الأنظمة الشمولية: العامل هو المستهلك الأول. فإذا لم يملك العامل "أجراً عادلاً" فلن يشتري السيارة، وإذا لم يملك الإنسان "عقلاً حراً" فلن ينتج فكراً.
إن "التبعية العمياء" في الفكر و"التبعية الاقتصادية" في الأجر هما وجهان لعملة واحدة. كلاهما يضع سقفاً لطموح الفرد ويحرمه من "فائض القيمة"؛ سواء كانت قيمة مادية (راتب) أو قيمة معنوية (فكرة).
إن المخرج من نفق التخلف في مجتمعاتنا، ومن نفق التفاوت في الصين، يمر عبر ممر واحد: إعادة الاعتبار للإنسان.
لا بد من "صدمة حضارية" تعيد ترتيب الأولويات؛ بحيث يصبح "الاجتهاد" حقاً فكرياً، و"الأجر العادل" حقاً مادياً.
لا يمكن بناء عظمة مستدامة على أنقاض كرامة المواطن. فالشعب الذي يُقمع عقله أو يُسرق عرق يومه، لن يبني حضارة، بل سيبني "أصناماً" تهوي به في أول عاصفة اقتصادية أو فكرية.
إن المعركة اليوم ليست بين "شرق وغرب" أو "رأسمالية واشتراكية"، بل هي معركة "الإنسان الحر" ضد "حماة الهياكل الصماء".
إنّ ما تمارسه الصين ليس "اشتراكية ذات خصائص صينية" كما تدعي البروباغندا الرسمية، بل هو رأسمالية الدولة في أشرس وأحط صورها، وللمفارقة، فهي بالفعل أكثر رأسمالية (بالمعنى المتوحش) من الولايات المتحدة.
في الولايات المتحدة (الرأسمالية التقليدية)، توجد نقابات (وإن ضعفت)، وقوانين مكافحة احتكار، وحق في التقاضي العمالي. أما في الصين فإن الدولة تمنع أي نقابات مستقلة؛ أي أن "الرأسمالي الأكبر" (الدولة) هو الذي يحدد شروط اللعبة دون معارضة. وبات العامل في الصين "سلعة" صرفة، يُعصر لاستخراج فائض القيمة ثم يُلقى به في الريف عند انتهاء صلاحيته.
الرأسمالية في الغرب، على عيوبها، مقيدة بآليات ديمقراطية وضغط رأي عام. في الصين، تم دمج كفاءة القمع الشمولي مع جشع الأسواق العالمية لتكون النتيجة "رأسمالية مخبرية" حيث يمكن للحكومة خفض الأجور بقرار سياسي، أو منع العمال من المطالبة بحقوقهم عبر "نظام الائتمان الاجتماعي". وهذا هو "الحلم المستحيل" لأي رأسمالي متطرف: إنتاج بلا معارضة، وعمال بلا أصوات.
الماركسية تدعو لامتلاك العمال لوسائل الإنتاج، لكن في الصين، البيروقراطية الحزبية هي التي تمتلك وتدير وتستحوذ على الأرباح. الأرقام المنشورة حول انخفاض حصة الأجور من الناتج المحلي مقابل تضخم ثروات الكيانات الحكومية، تثبت أن الدولة تعمل كـ "شركة قابضة عملاقة" تهدف للربح الجيوسياسي وتراكم رأس المال، وليس لرفاهية "البروليتاريا".
الولايات المتحدة تخصص نسبة أعلى من إنتاجها للأجور (12%) مقارنة بالصين (3.3% - 4%). هذا يعني أن "الرأسمالية الأمريكية" تدرك ضرورة بقاء المستهلك حياً، بينما "الرأسمالية الصينية" مستعدة لحرق المستهلك المحلي مادام هناك مستهلك عالمي يشتري بضائعها.
كما أن "حماة الهيكل" في مجتمعاتنا يرفعون شعار الدين لسحق العقل، فإن "حماة الحزب" في الصين يرفعون شعار الماركسية لسحق العامل. وفي الحالتين، يتم استخدام "النص المقدس" (سواء كان دينياً أو أيديولوجياً) لتبرير "الاستغلال المدنس".
يخطئ الكثير من الشباب والمثقفين المنبهرين بالصعود الصيني حين يظنون أننا أمام بديل اشتراكي للمنظومة الغربية؛ فالحقيقة الصادمة هي أن الصين اليوم تتبنى "رأسمالية دولتية" هي الأكثر توحشاً في التاريخ الحديث، بل إنها في جوهرها المادي أكثر رأسمالية من الولايات المتحدة أو كندا.
بينما وضعت الرأسمالية الغربية (بفعل ضغط النضال العمالي والديمقراطية) كوابح مثل النقابات المستقلة، والحد الأدنى للأجور، وقوانين مكافحة الاحتكار، قامت الصين بدمج "جشع السوق" مع "قبضة الاستبداد". والنتيجة هي "رأسمالية مخبرية" مثالية للمستثمر والبيروقراطي، وكابوسية للعامل؛ حيث يُمنع التنظيم النقابي باسم "الاستقرار"، ويُسحق أجر الفرد باسم "النمو الوطني".
إن "حماة الهيكل" في بكين يرفعون صور ماركس في القاعات المكيفة، بينما يمارسون في المصانع أسوأ أنواع "استخراج فائض القيمة" التي حذر منها ماركس نفسه. هذا التناقض ليس مجرد شأن اقتصادي، بل هو تزييف كوني للوعي؛ فكما يُستخدم الدين في مجتمعاتنا لتبرير الجمود الفكري، تُستخدم "الماركسية" في الصين لتبرير عبودية الأجر.
على المثقف المتنور اليوم ألا ينخدع ببريق الأبراج الشاهقة في شنغهاي؛ فالعظمة التي تُبنى على حساب "تصفير" قيمة الإنسان هي عظمة هشة. إن النموذج الصيني يقدم "الخبز مقابل الحرية"، لكن الأرقام تثبت أنه حتى الخبز الذي يقدمه هو "فتات" مقارنة بما يسرقه من جهد العامل.
إن كشف هذا الزيف هو الخطوة الأولى لتحرير العقل العربي من الانبهار بـ "المستبد الناجح". فالنجاح الحقيقي ليس في "تصدير السلع"، بل في "بناء الإنسان" الذي يملك أمره في جيبه (أجره) وفي رأسه (عقله).
مالمو
2026-03-30