هل الإنسان ذئبٌ لأخيه؟


حميد كوره جي
الحوار المتمدن - العدد: 8718 - 2026 / 5 / 27 - 16:11
المحور: الفلسفة ,علم النفس , وعلم الاجتماع     

على مر التاريخ، أشار العديد من الفلاسفة إلى الجوانب المظلمة في الطبيعة البشرية، مثل الأنانية، الحسد، الرغبة في السيطرة، والخوف من الآخر. هذه الدوافع والمشاعر قد تؤدي إلى استغلال الآخرين وإلحاق الأذى بهم، كما لمست من خلال ما عايشته في تجربتي الشخصية.

مع ذلك، هناك فلاسفة آخرون تبنوا رؤية أكثر تفاؤلًا تجاه الإنسان، مبرزين قدرته على التعاون، التعاطف، وممارسة الإيثار. ولكن حتى هؤلاء لم يغفلوا عن الاعتراف بوجود الجانب المظلم في الذات البشرية، وأكدوا أهمية وجود آليات اجتماعية وأخلاقية تسهم في ضبطه والتخفيف من تأثيراته السلبية.

يمكن التأكيد إذًا أن المقولة الشهيرة "الإنسان ذئب لأخيه" تحمل أصداء فلسفية عميقة تمتد جذورها إلى الماضي. فقد تناولها العديد من المفكرين والمحللين على اختلاف مدارسهم الفكرية ووجهات نظرهم. وما اختبرته من تجارب شخصية يضفي بُعدًا واقعيًا ملموسًا لهذه القضايا التي طالما كانت محور النقاش.

من بين أبرز الفلاسفة الذين تبنوا وأسسوا لهذه الرؤى، نجد توماس هوبز الذي عرض نظرة صارمة للطبيعة البشرية في كتابه "الليفياثان". رأى هوبز أن حياة الإنسان في حالتها الأصلية تتسم بالفوضى و"حرب الكل ضد الكل"، حيث تتحكم فيها الأنانية ورغبة البقاء والسيطرة. لذلك، دعا إلى ضرورة تأسيس سلطة قوية (الدولة) لضمان الأمن والنظام والحيلولة دون الانزلاق نحو الفوضى.

أما نيكولو مكيافيلي، وإن لم يصرح بنفس المقولة حرفيًا، فإن فلسفته السياسية التي عرضها في كتابه "الأمير" تعكس رؤية مشابهة للطبيعة البشرية بنبرة أكثر براغماتية وتشاؤمًا. كان يعتقد أن الناس في جوهرهم أنانيون وغير موثوق بهم، لذا نصح الحكام باستخدام القوة والخداع متى ما تطلب الأمر لضمان استقرار سلطاتهم وتحقيق أهدافهم.

وفي مجال علم النفس، طرح سيغموند فرويد مفهوم "غريزة الموت"، التي تمثل نزعة داخلية متأصلة في الإنسان تدفعه نحو العدوان والدمار، سواء كان موجهًا نحو الآخرين أو ضد الذات. هذه الفكرة تعزز الرؤية التي تصف الإنسان بامتلاكه دوافع ظلامية قد تجعل منه "ذئبًا" لشبيهه.

من خلال تجاربي في الحياة، عرفت العديد من الأشخاص الذين كنت أظنهم مثالاً للطيبة والإنسانية. كنت أراهم في قمة النقاء الأخلاقي، لكن مع مرور الزمن وزيادة وعيي الثقافي والمعرفي والنفسي، بدأت أسترجع ذكريات بعضهم وأدرك كم كانوا أقرب إلى الذئاب التي تستغل الضعفاء دون رحمة.

أذكر أن هناك أحد أقاربي، كان يعمل أسطى بناء ومعروفًا في مهارة "اللبخ". بدا لي في ذلك الوقت لطيفًا وطيب القلب. كان لديه عامل مسكين يعاني من إعاقة جسدية، وكان يشغله بنقل الجص لمساعدته في تغطية الجدران. العامل كان يعمل معه يوميًا لمدة عشر ساعات دون انقطاع. وذات يوم فوجئنا بخبر وفاة هذا الرجل المسكين. علّق والدي رحمه الله حينها قائلًا: "لقد قتله عبد الحسين (اسم مستعار) بسبب إرهاقه الشديد في العمل دون رأفة." الحقيقة أن عبد الحسين لم يكن ليستخدم المزيد من العمال لتوفير الأجور، واكتفى باستغلال هذا الشخص لوحده ضمن ظروف شاقة تفوق طاقته.

أما الحادثة الأخرى، فكانت مع رجل يمتلك عربة لتوزيع النفط يحرّكها حصان. كان يعمل لديه شاب يعاني من إعاقة في النطق، يُجبره على التنقل بين الأزقة لتوزيع النفط على المنازل، بينما صاحب العربة جالس مستريح، مشغول بتناول المكسرات والبقوليات واحتساء المشروبات في الظل.

في ذلك الوقت، كنا نعتبر هذه الأمور اعتيادية ولا نرى فيها مشكلة. لكن بعد أن عشت لسنوات طويلة في الغرب وتعلّمت عن حقوق العمال وضماناتهم، أدركت كم كان ذلك الوضع ظالمًا وجائرًا. للأسف، نحن أنفسنا كنا جزءًا من هذا الظلم، سواء بسكوتنا أو تقبّلنا لما يحدث كأمر طبيعي.
ميزان النفس.. حين تتصالح مع الذاكرة
قد تعتصرُ قلبَك الذكريات، وتوقظ فيك غُصّة الألم حين تستحضرُ لحظاتٍ كُسرت فيها إرادتك، أو نال منك التنمر، أو طالتك يدُ الظلمِ فصمتَّ ولم تنتقم. قد يبدو الأمر جرحاً لا يندمل، لكن لتبرُد لوعتُك وتستكين روحك، انظر إلى المرآة بصدقٍ كامل.
تذكر -في لحظة صدقٍ مع الذات- تلك الأوقات التي كنت فيها أنت الجلاد، حين زلَّت قدَمك لتجرح أحداً بكلمة، أو مارستَ سطوةً على من هو أضعف منك. حين تدرك أنَّ الحياة "دَينٌ وكِفاء"، وأن ميزان العدلِ لا يغفلُ عن خطاياك كما لم يغفل عن حقوقك، سيهون عليك وقعُ الأذى، وتتعلم كيف تعفو لتُعفى.
فما أنت إلا بشرٌ يتقلبُ بين النور والظلمة؛ مهما بلغتَ من نُبلِ القصد وسموِّ الأخلاق، ستظلُّ فيك بقيةٌ من طينٍ تجعلك بعيداً عن كمال الملائكة. فالعفو عن الآخرين هو في حقيقته تصالحٌ مع بشريتك الناقصة.
مالمو
2026-05-27