غورباتشوف أم نابليون؟
حميد كوره جي
الحوار المتمدن
-
العدد: 8798 - 2026 / 8 / 15 - 18:45
المحور:
مواضيع وابحاث سياسية
مآلات الفراغ الإيراني وحتمية "البزّة الإيرانية"
لا مفرّ من مواجهة الواقع بدلاً من الدوران في فلك المبادئ المجردة، أو استبعاد التحولات التي قد تقع خارج إرادتنا؛ فالتحليل السياسي الرصين لا يُبنى على ما نتمناه، بل على استشراف ما قد يحدث فعلياً.
في المشهد الإيراني الراهن، يغيب أي بديل سياسي متماسك ومنظم قادر على ملء الفراغ فوراً في حال انهيار الجمهورية الإسلامية. وفي المقابل، استنفدت السلطة ذاتها أي فرصة لترميم شرعيتها أو البقاء بالصورة التي وعد بها الخميني قبل وصوله إلى الحكم؛ كإقامة جمهورية على الطراز الفرنسي تضمن التعددية وحرية العمل الحزبي، بما في ذلك للقوى اليسارية والشيوعية. لقد أصبحت الهوة بين يوتوبيا الوعود وواقع اليوم سحيقة، مما يجعل النظام في مواجهة حتمية مع سؤال السقوط: كيف سينهار، ومن سيرث الركام؟
هنا يبرز التساؤل التاريخي والمفصلي: أيهما الأرجح في حالة الانفجار الإيراني، خروج "غورباتشوف" من عباءة ولاية الفقيه، أم صعود "نابليون إيراني" من وسط الفوضى؟
وهم "غورباتشوف" واستحالة الإصلاح من الداخل
عند تفكيك البنية الهيكلية للنظام الحالي ومقارنتها بالمسارات التاريخية لانهيار الدول الأيديولوجية، يتضح أن الرهان على "غورباتشوف إيراني" يفتقر إلى الواقعية. في التجربة السوفيتية، أدركت "النومنكلاتورا" (الطبقة البيروقراطية) أن ركود النظام يهدد امتيازاتها، فدفعت بمسار إصلاحي لإنقاذ الهيكل. لكن في إيران، الهيكل مختلف جذرياً؛ فالمؤسسة الحاكمة لم تعد تعتمد على "الأيديولوجيا" بقدر ما تستند إلى تكتل عسكري-اقتصادي هائل يمثله "الحرس الثوري".
أي محاولة لظهور إصلاحي جذري من داخل النظام سيصطدم فوراً بهذه البنية الصلبة التي ترى في تفكيك العقدة الأيديولوجية تهديداً مباشراً لإمبراطوريتها. فالنظام الإيراني المتكلس لا يمتلك ترف الإصلاح أو مرونة الانحناء؛ ومجرد البدء بإصلاحات هيكلية سيؤدي إلى الانهيار التام للهيكل بأكمله.
مسار التدمير الذاتي والضربات الاستباقية
بسبب انسداد أفق الإصلاح، دخل النظام مرحلة التدمير الذاتي. تتجلى هشاشة هذا الهيكل في سياساته الأمنية؛ حيث يمكن قراءة تصعيد الهجمات على مواقع الأحزاب الكردية في إقليم كردستان العراق كجهد استباقي لمنع تشكل خلايا مقاومة مسلحة. النظام يدرك أن أي توسع للعمليات العسكرية الخارجية (الأمريكية أو الإسرائيلية)، أو أي ارتخاء في قبضة المركز، سيشعل انتفاضة عارمة تتغذى على الفقر المدقع، وينضم إليها الخزان الاحتجاجي الهائل لعوائل ضحايا القمع والإعدامات على مدار أربعة عقود.
يترافق هذا التآكل الداخلي مع معضلة أمريكية؛ فواشنطن ترابض عند موقف يرفض إنهاء المواجهة دون إنجازات استراتيجية، لكنها في الوقت نفسه لا ترغب في انهيار شامل يخلق ارتدادات كارثية على الإقليم، مما يبقي المشهد في حالة استعصاء مستمر. علاوة على ذلك، فإن زوال الأذرع الوكيلة في المنطقة لن يكون مجرد انتكاسة خارجية، بل سيشكل عبئاً ثقيلاً يرتد على النظام في الداخل، ويفقده مبرراته التي طالما تغذى عليها، مما يعجل بمسار انهياراته التدريجية.
عتبة التحمل وصعود "النابليون الإيراني"
مع استحالة الإصلاح واستمرار التآكل، نصل إلى السيناريو الأرجح: "الخيار البونابرتي". لا أحد يمكنه التكهن بيقين أين تكمن "عتبة التحمل" لدى المجتمع الإيراني، لكن إذا أفضى الشلل الاقتصادي والاجتماعي إلى كسر هذه العتبة، فإن البلاد ستنزلق نحو الفوضى.
التاريخ يعلمنا أن المجتمعات المنهكة والمستنزفة، حين تواجه شبح تداعي مؤسسات الدولة والفوضى الشاملة، تميل إلى مقايضة حريتها بالأمن. النابليون الإيراني المنتظر لن يهبط بالمظلة، بل سيخرج من رحم النظام نفسه، وتحديداً من المؤسسة العسكرية.
ستأخذ هذه التحولات مساراً شبه محتوم؛ فستدرك البراغماتية العسكرية داخل الحرس الثوري أن المرجعية الدينية أصبحت عبئاً يهدد بقاء مصالحهم. سيتدخل هذا الجناح بحجة "إنقاذ الوطن من الانهيار"، مقصياً المؤسسة الدينية، ومقدماً نفسه كمنقذ وحيد يضمن الاستقرار. ولضمان القبول الشعبي، سيُستبدل الخطاب الأيديولوجي الطائفي بخطاب قومي إيراني يداعب المشاعر الوطنية.
عطالة البديل المدني واختطاف اللحظة
لتجاوز هذه الحتمية البونابرتية، يفترض المنطق التاريخي أن تتقدم القوى المدنية واليسارية والطبقة العاملة لبناء هياكل "سلطة مزدوجة" وتسيير تنظيمات أفقية تسحب البساط من تحت أقدام العسكر. لكن القراءة المادية للواقع الإيراني تكشف عن حقيقة أكثر قسوة: فهذه القوى لم تتعافَ بعد من إرث القمع الممنهج والتصفيات التاريخية.
والأسوأ من ذلك، أن هيمنة المركزية البيروقراطية المستبدة لا تزال، حتى في أضعف حالاتها، تخنق أي محاولة حقيقية للتنظيم الأفقي أو خلق وعي طبقي متماسك. هذا التفتيت الممنهج للمجتمع يعني أنه في لحظة الفراغ، ستجد الجماهير الغاضبة نفسها بلا أطر تنظيمية قادرة على إدارة الدولة، مما سيجعلها، بدافع الخوف من الفوضى الشاملة، لقمة سائغة أمام المؤسسة العسكرية التي تحتكر التنظيم العمودي الوحيد المتبقي. هكذا، وفي غياب البديل المدني المنظم، يبدو أن الطريق مُعبّد تماماً لـ "نابليون" القادم كي يختطف اللحظة، ويعيد إنتاج المأساة.
مالمو
2026-08-15