كيف أمكن للنظام القمعي أن يشجع الشعر الأكثر راديكالية ونقداً، فيتحول إلى مادة تروق للطاغية نفسه؟


حميد كوره جي
الحوار المتمدن - العدد: 8801 - 2026 / 8 / 18 - 01:57
المحور: الادب والفن     

ظاهرة "صمام الأمان" والتفريغ الوجداني

عندما كان الحاكم المستبد مثل القذافي أو صدام أو الأسد يستمع لقصائد كتلك لمظفر النواب أو نزار قباني، لم يكن ذلك لإظهار شجاعة الشعر أكثر مما كان إظهاراً لقدرة السلطة على تفريغ الكلمة من مضمونها الفعّال. فقد أدرك الطغاة المعاصرون أن السماح بالنقد الشعري اللاذع قد يعمل كـ "صمام أمان" يخفف الغضب الشعبي؛ فالجماهير التي تستنفد طاقتها العاطفية في ترديد وحفظ القصائد الهجائية قد تجد في الجماليات الشعرية بديلاً عن الفعل السياسي المباشر. كان استماع الحاكم لشاعره المتمرد نوعاً من استعراض السيطرة والتكبر، وكأنه يقول: "أستمع إلى نقدك لي وأنا في قمة سلطتي، ولن يغير ذلك الواقع شيئاً".
شاهد من الشعر الحديث (مظفر النواب):
تُعد قصائد مظفر النواب، وتحديداً "الوتريات الليلية"، مثالاً صارخاً على هذا التفريغ. فرغم هجومه الكاسح والشتائم المباشرة للأنظمة في قوله:

القدسُ عروسُ عروبتكم
فلماذا أدخلتم كلَّ زناةِ الليلِ إلى حجرتها؟
ووقفتم تسترقونَ السمعَ وراءَ الأبوابِ لصرخاتِ بكارتها..

ورغم قسوة الكلمات، كانت شرائط الكاسيت الخاصة به تتداول سراً وعلناً، وكانت الأنظمة تغض الطرف عنها أحياناً لأنها تمنح الشعوب شعوراً زائفاً بالانتصار اللفظي وتفرغ شحنات الغضب المكبوت في الهواء.



تحوّل الشعر إلى "استهلاك جمالي"

في العصر الحديث، وقع العديد من الشعراء، حتى من يتظاهرون بالمعارضة، في فخ الاستهلاك والإثارة اللفظية. فمثلاً نزار قباني، رغم هجومه اللاذع على "الهزيمة" و"الاستبداد" في قصائد مثل «حواشٍ على دفتر النكسة»، إلا أن أشعاره استمرت في التوزيع المتداول بين الأوساط الثقافية والنخب التي يسعى لانتقادها، لتصبح المعارضة عنده مجرد "موضة بلاغية" أو تجربة من الاستمتاع بالرفض دون تحمل تبعاته. كما أن بعض الشعراء والشاعرات يتقنون اللعب على حبال التوازن بين الخطابات التحررية للجمهور والمواقف المهادنة مع مراكز النفوذ لضمان جوائز النشر والمهرجانات.


شاهد من الشعر الحديث (نزار قباني):
في قصيدته اللاشعرية الشهيرة «هوامش على دفتر النكسة» التي انتقد فيها بنية الأنظمة العربية بعد هزيمة 1967، قال:

إذا خسرنا الحربَ لا غرابهْ
لأننا ندخُلها..
بكلِّ ما يملكُ الشرقيُّ من مواهبِ الخطابهْ
بالعنترياتِ التي ما قتلت ذبابهْ

تحولت هذه القصيدة إلى ما يشبه "التريند" الثقافي، تُطبع في دواوين فاخرة وتُلقى في قاعات مكيفة، فاستُهلكت جمالياً بدلاً من أن تُؤسس لوعي سياسي يغير ما انتقدته القصيدة نفسها.


اتساع الفجوة بين "القصيدة" و"الدولة الشمولية"

ثمة تباين جوهري في تأثير الشعر بين العصور القديمة والحديثة. في الماضي، كان الشعر جزءًا لا يتجزأ من مجتمع شفاهي، حيث كانت الكلمة تحمل تأثيرًا سياسيًا واجتماعيًا مباشرا، مثل التحريض على الحروب أو صياغة التحالفات.
قديماً، كان للقصيدة ثمنٌ باهظ وتأثير يزلزل العروش. الشاعر المعارض دعبل الخزاعي عاش طريداً بسبب هجائه اللاذع للخلفاء العباسيين، والذي مثّل معارضة سياسية حقيقية غير مدجنة، حيث قال في هجائهم:

إنّي أرى أميّةَ معذورينَ إن قَتَلوا
ولا أرى لبني العبّاسِ مِن عُذْرِ

وفي العصر الجاهلي، لم تكن القصيدة مجرد تنفيس، بل كانت "مانيفستو" يسبق الفعل العسكري، كما فعل عمرو بن كلثوم في معارضته وتحديه المباشر لملك الحيرة عمرو بن هند، والذي انتهى بقتل الملك فعلياً:

أَبَا هِنْـدٍ فَلاَ تَعْجَـلْ عَلَيْنَـا
وَأَنْظِـرْنَا نُخَبِّـرْكَ اليَقِيْنَـا
بِأَنَّا نُـوْرِدُ الـرَّايَاتِ بِيْضـاً
وَنُصْـدِرُهُنَّ حُمْراً قَدْ رُوِيْنَـا


أما في العصر الحديث، يواجه الشعر تحديات جديدة تتمثل في وجود الدولة الشمولية المعاصرة، المزودة بترسانة من الأدوات الأمنية والإعلامية الموجهة، بالإضافة إلى وسائل الاحتواء الناعمة. فالشاعر القديم كان يعتبر ناطقًا باسم تطلعات الجماعة بشكل مباشر، بينما الشاعر الحديث يميل أكثر إلى الانعزال الفردي، معبرًا عن ضميره الشخصي بدون امتلاك الوسائل الكافية للتأثير الجماعي. وقد تمكنت السلطة المستبدة من تحويل فعل التمرد إلى مجرد سلعة، حيث أصبحت القصيدة الهجائية مجرد روتين لفظي لا يغير الأسس الفكرية للمجتمع، بل يعزز القبول بالوضع القائم مموهًا تحت ستار "البطولة اللفظية".

في الماضي، كانت القصيدة تلعب دور "الإعلام الشامل" للمجتمع، حيث تشتمل على الخبر والتاريخ والبيان السياسي واللمسة الجمالية. أما اليوم، فقد شهدت طبيعة التأثير تحولاً جذرياً حيث استبدلت الكلمة المكتوبة أو الملقاة بالصورة البصرية والوسائط الرقمية السريعة ولم تعد القصيدة تتمتع بالمقدرة نفسها على توجيه الوعي الجماعي كما في العصور الشفوية حين كان التفاعل مع الشعر يتطلب درجات عالية من التركيز والتأمل والتذوق اللغوي، وهي مهارات بدأت تضمحل في عصر المعلومات السريعة والاستهلاك الخوارزمي.

من جهة أخرى، وقع الشعر العربي الحديث في أزمة هيكلية أثرت سلباً على قدرته في إحداث تغيير معرفي جوهري. حيث تحولت بعض أشكال الشعر المعارضة إلى مجرد هجاء زائف أو تفريغ عاطفي، تستهدف الحاكم دون فك تدريجي للعناصر التي تؤسس للاستبداد أو تلك الخرافات السياسية والدينية التي تسانده. في المقابل، لجأ بعض الشعراء الحديثين إلى رمزية غامضة تتجاهل واقع الناس، مما جعل القصيدة تنحصر داخل الأوساط الثقافية النخبوية دون أن تصل إلى الجمهور العام. في كثير من الأحيان، توقفت القصيدة عن كونها إنتاجاً فكرياً يمزج بين العقل والخيال، وأصبحت مجرد تعبير عن مشاعر أو استعراض للقدرات اللغوية.
مع تراجع تأثير اللغة وظهور الخطاب الشعري السطحي أو الغامض، تمكنت الأنظمة الشمولية من استغلال هذا الأمر لصالحها. أصبحت السلطة تعتبر القصيدة الثائرة مجرد "فلكلور تنويري" أو وسيلة للتنفيس، غير مهددة لثبات الحكم لأنها تفتقر إلى التنظيم أو المعرفة الفاعلة في المجتمع. فقدت التجربة الشعرية قدرتها على إحداث التغيير، وكثيراً ما يجد الشاعر نفسه بشكل واعٍ أو غير واعٍ، في دور "المغني في بلاط الطاغية"، حتى وهو يعترض عليه. إذا كانت القصيدة تحرك العاطفة، فإن النثر يمنح هذه العاطفة اتجاهاتها وفلسفتها. ففي غياب الإطار المعرفي الذي يضيفه النثر والتحليل الفكري، تبقى المشاعر طاقة عشوائية يمكن توجيهها بسهولة نحو تعزيز الأوضاع القائمة ذاتها.