عندما تسقط -الأخلاق- عن السياسة تصير مأساةً، أحزابُ -اليسار- ببلادنا نموذجاً..


حسن أحراث
الحوار المتمدن - العدد: 8703 - 2026 / 5 / 12 - 02:47
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

إنها حال النظام الرجعي القائم والقوى السياسية الرجعية. فليس غريبا أن يسود الإجرام كشكل من أشكال المأساة، بل ويستفحل كلما اشتد الصراع الطبقي ببلادنا وارتفع المنسوب النضالي للجماهير الشعبية المضطهدة وفي مقدمتها الطبقة العاملة.
لسنا مثاليين، ولا نتوقع من النظام القائم الربث على أكتافنا أو تزيين أقدامنا "الخشنة" بالحناء. نعلم أن الصراع لا يرحم (أن نكون أو لا نكون)؛ وقد خبّرنا ذلك بالملموس بدهاليز التعذيب السرية وبزنازين الذل والعار بمختلف السجون، وقد سقط بجانبنا شهداء وما فتئ العديد من رفاقنا يعاني مخلفات التعذيب وتبعات الاعتقال والإضرابات عن الطعام. وللمزيد من التأكيد والفضح، فقد تُركنا لحالنا داخل السجون والشهداء يتساقطون الواحد تلو الآخر إبان الانتفاضة الشعبية ليناير 1984 (شهداء الانتفاضة، خاصة بالشمال) وبعدها (عبد الحكيم المسكيني ببني ملال وبوبكر الدريدي بالصويرة ومصطفى بلهواري باسفي...).
إننا نواصل معركة تحرر وانعتاق شعبنا بكل التضحيات المطلوبة من خندق الطبقة العاملة، الطبقة الثورية حتى النهاية، ولن نسقط في مستنقع البورجوازية الصغيرة المتذبذبة، فهذه الأخيرة ذاكرتها مثقوبة ولا رصيد نضالي يميزها..
وإن معضلتنا تكمن في جزء كبير منها في "هيمنة" البورجوازية الصغيرة على ركب "اليسار" منذ أواخر خمسينيات أو على الأقل منذ منتصف ستينيات القرن الماضي. لقد حاولت الحركة الماركسية اللينينية المغربية تكسير هذه "الهيمنة" الخسيسة من خلال التجذر في صفوف الطبقة العاملة من أجل إنجاز مهام الثورة الوطنية الديمقراطية الشعبية، إلا أنها لم تفلح رغم التضحيات البطولية للرفاق (عبد اللطيف زروال وسعيدة المنبهي ورحال جبيهة...) أمام القمع الهمجي والشرس للنظام القائم وتواطؤ القوى السياسية المتخاذلة البورجوازية الصغيرة حينذاك (التقدم والاشتراكية والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية)..
والمؤسف حتى الآن هو استمرار حضور البورجوازية الصغيرة على رأس جل التشكيلات المحسوبة على اليسار، خاصة الأحزاب السياسية (الحزب الاشتراكي الموحد وفيدرالية اليسار الديمقراطي وحزب النهج الديمقراطي العمالي...) والنقابات (الكنفدرالية الديمقراطية للشغل...) والجمعيات (الجمعية المغربية لحقوق الإنسان...).
إن قوتنا وبدون مزايداتٍ أو تحاملٍ مجانيٍّ على أي جهة سياسية أو نقابية أو جمعوية حاضرة في تسمية الأشياء بمسمياتها دون لف أو دوران أو ركوب العموميات (المريحة) أو ترديد الشعارات المكرورة والمقولات الجاهزة المنقولة. إننا نسعى بنضالية ومبدئية الى تبيُّن الطريق السديد الذي يخدم قضية شعبنا.
وفي هذا السياق، ومن خلال متابعتنا لمستجدات الحياة السياسية ببلادنا، وخاصة منها ما يخص "اليسار" وبالتحديد القوى السياسية المحسوبة على "اليسار"، أثار انتباهنا قرارا المجلسين الوطنيين لكل من حزبي فيدرالية اليسار الديمقراطي والاشتراكي الموحد بشأن "الاستحقاقات التشريعية المقبلة".
سمعنا خطابات جميلة لقياديي الحزبين المذكورين وقرأنا نصوصا "أجمل"، ومن بينها "التحالف لم يعُد مجرد مشروع، بل أصبح واقعا"، وكأننا أمام "كائنات" سياسية مجهولة نكتشفها لأول مرة. وما يحُزّ في النفس هو سقوط العديد من الطاقات المناضلة في فخ محترفي السياسة بدون "أخلاق"، أيّ صناع المأساة..
فكيف ننسى أو نتناسى "الانتقادات" المتبادلة، بل السب والقدف والتحامل والعمالة أيضا للنظام القائم، بين "جمهور" الحزبين المذكورين وحتى بين قيادات الحزبين المعنيين، والتوثيق يشهد على ذلك؟!
وكيف نستسيغ اليوم الخطابات الجميلة والنصوص الأجمل، ليس من أجل "التحالف" المستقبلي الدائم، بل فقط للحظة "لذة" عابرة (العهارة)؟!
هل للانتخابات، أي اللعبة الديمقراطية، كل هذا السحر؟! قد نتفهم ذلك بالنسبة للدائرة الساحرة، ومنها كرة القدم اليوم، لكن مصير شعبنا ليس أسطورة أو كرة قدم أو رهان حصان؛ إنها معركة كرامة وحقوق ومستقبل..
أليس لشعبنا ذاكرة بالأمس واليوم؟!
إن النظام القائم عندما يقمع ببشاعة (يقتل/يغتال ويعتقل ويشرِّد...) لا يبرّر ذلك، لأن مصالح قاعدته الطبقية (البورجوازية الكبيرة، أي طبقتي الكمبرادور والملاكين العقاريين) تفرض الدود عنها بكل الأساليب القمعية. كذلك البورجوازية الصغيرة، بانتهازيتها المفرطة وشعاراتها المزيّفة ومكرها وكذبها وافتراءاتها، لا ترى غير مصالحها الطبقية الضيقة..
إن الوضع السياسي الراهن حيث الهجوم الطبقي على أوسع الجماهير الشعبية وفي مقدمتها الطبقة العاملة (الطرد من العمل والتسريح وارتفاع الأسعار وتجميد الأجور والزيادات المستمرة غير المبرّرة في البنزين وانعكاساتها المدمِّرة على القوة الشرائية والإجهاز على المكتسبات بالنسبة للوظيفة العمومية والتعليم العمومي والإضراب والتقاعد واستمرار الاعتقال السياسي وإخفاء الحقيقة والتضييق على الحريات ونهب خيرات بلادنا...) يفرض اتخاذ مواقف حازمة وواضحة نصرةً لقضية شعبنا العادلة.
ولعل أبسط المواقف المطلوبة في ظل الوضع السياسي الراهن تتجلى في إدانة المخططات الطبقية للنظام القائم المستمدة من توصيات المؤسسات المالية الامبريالية، ومنها بالخصوص البنك العالمي وصندوق النقد الدولي..
فكيف نقبل المشاركة في "عرس" النظام القائم (الانتخابات)، وننسى أو نتناسى "مأثمنا" (الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتردية والمعتقلون السياسيون والتطبيع مع الكيان الصهيوني...) وحرمان رفاق لنا (حزب النهج الديمقراطي العمالي) من عقد مؤتمرهم (المؤتمر السادس) بالقاعات العمومية كأبسط الحقوق؟!
وما أثارنا أكثر هو ذلك الفرح "الطفولي" في أعين وكتابات (ردود فعل) أبطال "التحالف" الانتخابي، الصغار والكبار، بعد المصادقة على العناق "المسيحي" من طرف المجلسين الوطنيين للحزبين "العتيدين" وشعبنا في أسوأ أوضاعه!!!
فهل عناق "الكبار" (العباقرة) سيُفرح "الصغار" (صغار الحزبين، أي القواعد) وعموم "الصغار"، ونقصد بنات وأبناء شعبنا الطلبة والمعطلين والمشردين...؟!
إن الحزبين "اليساريين" (البورجوازية الصغيرة)، بدل إشهار ورقة المقاطعة كشكل نضالي (إصلاحي على الأقل) والاستعداد لممارستها على أرض الواقع، للضغط على النظام القائم وانتزاع بعض المكتسبات ومنها إطلاق سرا ح المعتقلين السياسيين والانتصار للمعارك العمالية، ومنها معركة عاملات وعمال سيكوم سيكوميك بمكناس وعاملات وعمال نماطيكس وعمال رونو بطنجة وباقي معارك العمال والعمال الزراعيين والفلاحين الفقراء وبنات وأبناء شعبنا، يكرسان بطريقتهما الفجة وانتهازيتهما واقع الاستغلال والاضطهاد انتصارا لمقاعد شكلية متوقعة أو موعودة لا تدِرّ نفعا إلا على أصحابها (البورجوازيون الصغار)؛ وواقع الحال ينطق بذلك..
والخطير بعد المهزلة القادمة لشهر شتنبر 2026، أيُّ معنى أو ثقة في شعارات التحالفات البيروقراطية أو التنسيق سواء الميداني أو السياسي في صفوف البورجوازية الصغيرة الحقيرة؟
ما هو موقف دعاة التنسيق الميداني "قريبا" من فلسطين، "بعيدا" من المغرب؟!
وقبل ذلك، من يصدِّق حكاية "الجبهة المغربية للتضامن مع فلسطين ومناهضة التطبيع" وكر والفضاء الرحب للقوى الظلامية صديقة/حليفة البورجوازية الصغيرة تحت مبرر “التنسيق الميداني”...؟
وهل "المسيرات الجهوية" ليوم 17 ماي 2026 "الاستعراضية" كافية وحدها لقلب موازين القوى لفائدة العمال وباقي الشغيلة؟!
كفى من التضليل والبرغماتية المقيتة...؛
كفى من الصمت والانتقائية والتواطؤ...