تأملات سريعة لمعضلة التخلف في بلادنا
محمود يوسف بكير
الحوار المتمدن
-
العدد: 8693 - 2026 / 4 / 30 - 22:48
المحور:
العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
_1- أخطر ما في ثقافتنا هو المذاهب الدينية التي تشجع الناس على النهج القدري في التفكير، بمعنى الإيمان بأن كل ما يحدث في حياتنا إنما هو قدر مكتوب مقدما لا يمكن تغييره، ومهما فعلنا فإن هذا الفعل لن يكون له تأثير على الإطلاق في مجرى الحياة لأن كل شيء مكتوب على جبين كل منا بعد أن حدد الله المسار الكامل لحياة كل إنسان ومن ثم فإن معرفة الإنسان بالعلوم لن تقدم ولن تؤخر، وبناءا عليه فان أقصى ما يستطيع عقل الإنسان المتدين أن يفعله في هذه البيئة غير المواتية هو أن يمتثل لحكم القدر ويعمل بنصائح علماء الدين فقط. وهذا من ضمن أسباب الانهيار الحضاري الذي نعاني منه.
2-كل دول العالم مثل أوروبا والصين وروسيا واليابان مرت عبر تاريخها بمراحل من التخلف الثقافي والحضاري، ولكنها نجحت في الخروج من هذه الحالة من خلال ثورات ثقافية جريئة على تراثها القديم وما فيه من اللامعقول وانطلقت في طريق التقدم. ولكن الحالة العربية كانت ولازالت مستعصية وأكثر تعقيدا من كل الدول الأخرى حيث نلاحظ أننا نزداد تمسكا بتراثنا القديم الذي نقدسه ولا نسمح بأي مراجعة أو نقد له ونؤمن بأنه سوف يظل مقدسا وصالحا لكل مكان وزمان، والأغلبية لا تدرك أن تراثنا اكتسب قدسيته بحكم قدمه وعدم خضوعه لأي نوع من النقد بغرض التحديث والتقدم للأمام، ولذلك لم نبرح مكاننا بينما العالم من حولنا يتقدم تكنولوجيا وبسرعة مذهلة. ولأننا غير منتجين لأي شيء، فإننا أصبحنا أكبر مستهلكين في العالم ولازلنا نتنازع مع الدول الأفريقية المتخلفة على مقاعد المؤخرة في هذا العالم. إن مشكلتنا الكبرى تتمثل في أننا غير متقبلين للحداثة الغربية وفي ذات الوقت فإننا فشلنا في تقديم بديل للحداثة من "تراثنا المقدس". ويحضرني هنا قول المفكر عبد الله العروي منذ زمن بإن العرب سيكونون آخر من يتعلم شيئا من تاريخ البشرية، وهو يعني بهذا أن التاريخ أثبت أنه يتعين على الأمم المختلفة أن تضحي بالكثير من اللامعقول في تراثها للمحافظة على وجودها. وبحسب قناعتنا الشخصية فإن مشكلتنا ليست اقتصادية فقط، ولكنها أيضا تكنولوجية وهذا أخطر، حيث كشفت حرب إيران أن بنياننا الاقتصادي والتكنولوجي في غاية الهشاشة وأن شعوبنا عرضة لمخاطر الموت جوعا وعطشا لأننا لا نملك القدرات التكنولوجية التي يمكن أن تؤمننا من هذه المخاطر وبالنتيجة فإننا سوف نظل خاضعين لهيمنة الغرب خاصة الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل. وللأمانة نقول إن التكنولوجيا الوحيدة التي نجيدها كعرب وننفق عليها ببذخ وبلا حدود هي تقنيات قمع الشعوب والتنصت عليها وامتهانها.
3-وعندما نتكلم عن الحداثة فإننا لا نعني بأي حال أن نقلد الغرب في كل شيء أو نمحي هويتنا، وإنما نعني إن علينا أن نسعى لننقل منهم كل ما هم فيه أبرع منا خاصة في مجالات نظم الحكم والإدارة والتنظيم والتعليم والعلوم الحديثة والتكنولوجيا وفصل الدين عن السياسة وتشجيع الناس على إعمال عقولهم. وهذا بالضبط ما فعله محمد علي باشا عندما بنى مصر الحديثة عند تعينه وليا عليها عام ١٨٠٥ حيث حولها من دولة في غاية التخلف إلى أقوى دولة في الشرق الأوسط بعد أن ضم السودان لمصر وواصلت جيوشه الزحف حتى وصل إلى منابع النيل في الحبشة، وضم الحجاز وبلاد الشام. وواصلت جيوشه تقدمها حتى وصلت إلى حدود تركيا. لقد فهم محمد علي في بداية حكمه لمصر أن سر هيمنة الغرب على الشرق الأوسط كانت بسبب تقدم الغرب في علومه وتكنولوجياته ومن ثم قوته، صحيح أن محمد علي خسر الإمبراطورية التي بناها في مصر، ولكن كان هذا لطموحه الزائد وتحالف الغرب ضده عندما سعى للوصول إلى الإستانة عاصمة الدولة العثمانية، التي أطلق عليها وقتها رجل أوروبا المريض.4- السبب في قلة إنتاج المفكرين والعلماء في الدول الإسلامية هو أن العلم لا يمكن أن يتقدم في بيئة يحكمها الاستبداد والخوف. العلم يتقدم من خلال النقد وتحليل المسلمات الفكرية البالية بغرض هدمها والإتيان بما هو أفضل للمجتمع. لقد تعلمنا في الغرب أن النقد واحد من أهم الأدوات المعرفية لاكتشاف أبعاد جديدة لكل المنظومات الفكرية، ولذلك تخلفنا في اللحاق بالنهضة الغربية واكتفينا بالتقليد لأننا لم نتعلم أن النقد هو قرين الحرية، فلا حرية بلا نقد ولا نقد بلا حرية. خضوع الفكر لرقابة صارمة يعني غياب الإبداع وتعثر التقدم الذي هو حصاد النقد وتعدد الآراء والتفكير العقلاني.
5-وبسبب غياب الديمقراطية واحترام حرية التعبير في بلادنا، فأن هناك صراعات ثقافية واجتماعية كانت مكتومة، ولكنها بدأت تظهر الآن بين الناس. كما أن هناك حالة من الإحباط والانقسام وصعود سريع لللإنسانية وعدم الرحمة في الحياة عندنا. وجزء كبير من هذا الصراع ناجم عن الفوارق الطبقية المذهلة بين الفقراء والأغنياء وهي تزداد عمقا وعلى حساب الثقافة والعادات المحلية القديمة الأخاذة في التآكل بسرعة مع ظهور عادات جديدة تتسم بالتفاهة والسطحية والتدخل في خصوصيات الآخرين.
والخلاصة أن مشاكلنا قديمة ومتنوعة وأصبحت معقدة، وقد ألمحنا فيما سبق من نقاط إلى أنها تتمحور حول غياب الديمقراطية وحرية النقد والتعبير وعدم وجود أي استراتيجية للأمن المائي أو الغذائي وأمن الوقود والأمن التكنولوجي. الدول العربية غير البترولية تشكو من أن لديها برامج إصلاحية، ولكنها لا تمتلك ما يكفي من الموارد لحل هذه المشاكل، وبعضها مثل مصر يشكو من زيادة السكان بمعدلات كبيرة. والحقيقة أن هذا الادعاء غير صحيح لأن الزيادة في الكتلة السكانية يمكن أن تكون من عوامل التقدم، وخير دليل على هذا التجربة الصينية والتجربة الهندية حيث عانى البلدين من ويلات الفقر والبطالة بسبب الأعداد الهائلة من السكان، ولكنهما نجحا في تحويل الزيادة السكانية من عبء وفقر إلى أصول منتجة من خلال تحسين ودعم التعليم والصحة والخدمات العامة مثل التدريب. وبمعنى آخر، فان البلدين قادوا عملية تنمية بشرية شاملة لمكافحة الفقر وخلق وظائف جديدة في كل القطاعات الإنتاجية بالتعاون مع المستثمرين المحليين والأجانب. أي أنهما ركزوا على البنية الفوقية أي الإنسان بدلا من التركيز على البنية التحتية أي الطرق والكباري وناطحات السحاب كما نفعل في العالم العربي. الآن وباختصار، فان السياسة التنموية الناجحة تبدأ بالبشر وليس الحجارة. الصين والهند اليوم يمتلكان نظاما تعليميا "خاصة في الرياضيات" من أفضل الأنظمة في العالم بينما تلاميذنا في المدارس والجامعات العربية يتهربون من فصول الرياضيات التي أصبحت العمود الفقري في كل العلوم بما فيها العلوم الإنسانية التي أصبحت تتطلب إلماما جيدا بالرياضيات للتمكن من تحليل البيانات الضخمة المتوفرة الآن في جميع العلوم والتنبؤ بتحركاتها المستقبلية والتعامل مع أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تتطور بسرعة مخيفة.
ندمي على ما لم أفعله في حياتي أكبر من ندمي على ما فعلت
د. محمود يوسف بكير
مستشار اقتصادي