الدين و علاقته بالتعنيف اللفظي


رندا قسيس
الحوار المتمدن - العدد: 3061 - 2010 / 7 / 12 - 11:04
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني     

بعد أن انهال علي وابل من الشتائم المتنوعة ذات الإيحاءات الجنسية المرسلة على عنوان بريدي الالكتروني ، و هذا بالطبع بعد حلقة نقاش "فرنسا:البرقع بين التحريم و التحليل" على فضائية فرنس 24، لهذا قررت ان اخصص مقالاً تحليلياً لظاهرة الشتائم و التعنيف عند المتدينين، و عجزهم عن استخدام لغة أكثر رقياً لنتسائل عن الأسباب التي تؤطرهم داخل اناء ضيق مغلق.

دعونا نقوم في البدء بتحليل العنف اللفظي المفعم بمفردات جنسية، لنجد ان هذه الشتائم تعبر عن حالة كبت داخلي لكل الرغبات الجنسية المقموعة و الباحثة عن تفريغ شحناتها، فالمتدين يقوم دائماً بعملية تصعيد غير واعية ليتمكن من قمعها و دفنها في الأعماق، و ذلك ناتج عن الثقافة الخارجية المتراكمة. فنرى ان كلمة سعادة أو فرح عبارة عن كلمات مكملة لكلمة لذة، إلا اننا نجد في بعض مجتمعات اليوم حالة ازدراء لكلمة لذة، و اصرارهم على التركيز على كلمتي السعادة، الفرح، و السعي إلى ربطهما بفكر غيبي، كي تتمكن الثقافة من التغلغل في المعطيات المختزنة في الذاكرة الكامنة التي تشكل جزءا من الذاكرة الطويلة، و المؤثرة بشكل لاواعي على سلوكياتنا و عاداتنا.
فإذا أردنا الغوص في الحالة النفسية المختبئة خلف هذه الكلمات، نجد ان السعادة تعكس اكتفاء المفاهيم المكتسبة من المحيط الخارجي، و إذا اضفنا عليها بعضاً من الخيال المرافق لحالة الاكتفاء الأولى تجتاحنا حالة الفرح أو البهجة، أما اللذة فهي حالة اكتمال للحالتين السابقتين مع ضرورة تفريغ الشحنات الناتجة عن الحالتين الأوليتين عن طريق الجنس، فكما نعلم ان هذه الشحنات النفسية متواجدة في الأعضاء التناسلية.
نعود إلى الشتائم المرتكزة على صور جنسية لنراها تعبر عن حالة الخيال و الفانتازيا التي يعيشها المتدين و العاجز، في نفس الوقت، عن الافصاح عنها نتيجة الضغوطات النفسية المتراكمة و المختلطة فيما بينها، فنراه يكيل الشتائم المعبرة عن وضعيات جنسية، فأحياناً تكون وضعيات لممارسة بشكل جماعي، و أحياناً آخرى يقوم المتدين بشكل لاواعي بإستخراج رغبات بدائية، دفينة في الأعماق (كوصف حالة الجماع مع الأم و التي يعكسها على الآخر المختلف عنه)، فنجد المتدين في حالة استمناء لخيالات و ربما لذكريات بعيدة مسجلة في خصائصنا الجينية.
نجد بالطبع هذه الحالات المضطربة عند كثر من أفراد المجتمعات المقموعة و المبنية على جوهر استعباد الفرد، فالإنسان الواعي لخصائصه البيولوجية و محيطه الخارجي، يقوم و بشكل واعي بوضع أسس و معايير و أخلاق تحترم كل إنسان، بل أكُثر من هذا، نراه في سعي دائم لإيجاد مفاهيم و أخلاق مبنية على احترام جميع الكائنات الحية من دون استثناء.
أجد ان المشكلة عند الافراد المبرمجين بطريقة آلية، و غير الواعين لكل هذه الخصائص و الحالات، عاجزين عن الانسجام مع انفسهم، مع جميع دوافعهم الغريزية، و مع الآخر المختلف، و ذلك نتيجة الثقافة المتداولة الكابحة للرغبات الجنسية و القائمة على تحويل الجنس إلى عمل آلي روتيني ذو هدف تناسلي.
هذه الهوة ما بين الغرائز و الحاجات البيولوجية و بين الثقافة المحيطة، تشكل نوعاً من الفصام، لينشأ عنه اضطراب نفسي و قلق دفين.

توصل "هنري لابوريت"، مختص في علم الأعصاب البيولوجي، إلى ان العامل الأساسي الأول الذي ساعد في اضفاء قواعد الهيمنة لتأخذ طابعاَ مؤسساتياً مرتبطاً بالجماعة لا الفرد، ليتم تصعيد حالة الاكتفاء الجنسي و استبداله بإكتفاء الهيمنة هو عامل اللغة. لهذا نجد ان الأفراد في المجتمعات المبنية على أسس تابوهات عدة، يقومون بالإستغناء عن جزء كبير من الاكتفاءات الجنسية لصالح الهيمنة الفردية المرتبطة بهمينة الجماعة، فنجد أيضاَ ان هؤلاء الأفراد يدافعون و بشدة عن معاييرهم القمعية، و الغير منسجمة مع الاكتفاءات الغريزية، و التي تصب في خانة هيمنة "الأنا"، لهذا نستطيع القول أن "الأنا" يخدم المصلحة الجماعية و يسخر الفرد لخدمتها مع اعطائه بعض الاكتفاءات الجزئية البسيطة.

نعود إلى الاكتفاءات البيولوجية المقموعة (الجنس)، و علاقتها بالقلق و العدوانية.
يسعى النشاط الحسي لدى الفرد إلى اكتفاء بنيته (و هذا ما يلقب بالتوازن البيولوجي)، أي أنه يبحث عن السعادة، الفرح و اللذة في آن واحد، ففي حال اصطدام هذه الدوافع البيولوجية مع القوانين الخارجية المبنية على أساس "مبدأ الهيمنة"، يبدأ القلق الناتج عن إدراك استحالة تحقيق اللذة المنشودة لاكتفاء الغرائز في الظهور، ليلجأ بعدها الفرد إلى الهروب من هذا القلق من خلال عدوانية تجاه أي محرض يمكنه مس الغرائز المكبوتة، اي ان العدوانية و التعنيف عبارة عن محاولة لتخفيف القلق النفسي الناتج عن صراعات النشاطات العصبية المتمركزة في مستويات مختلفة في نظامنا البيولوجي، و التي يصعب على الفرد المقموع اشباعها.

هنا نستطيع القول ان غالبية المتدينين يلجؤون و بشكل لا ارادي بتبني سلوك عدواني و تعنيفي مرتكز على عبارات جنسية (و هذه في أبسط حالات التعنيف المتواجد لديهم)، فمن خلال هذه العبارات الجنسية يستطيعون تفريغ بعض الشحنات و الخيالات المكبوتة، أي اننا أمام حالات عصابية.
لا ننسى أيضاً أن الصراع ما بين المكتسب و بين الدوافع الغرائزية مسجل في ذاكرتنا اللاوعية، فعملية التصعيد تزيد من انفصال وعينا عن اللاوعي، و هذا بالطبع يسبب في ايجاد هوة ما بين الذاكرة الكامنة و بين الذاكرة المعبرة.
لهذا أجد انه من الافضل لنا الرجوع و بشكل واعي إلى مبدأ اللذة ليتم التصالح بينه و بين المبادئ المكتسبة الخارجية، لوضع معايير لأخلاق جديدة تهدف إلى ارضاء غرائزنا و تصب أيضاً في مصلحة الوعاء الجماعي.