مسير فاشل يتحوّل إلى اكتشاف أكبر مغارة بركانية، والمصداقية الصحفية على المحك


عمار ديوب
الحوار المتمدن - العدد: 2903 - 2010 / 1 / 30 - 08:38
المحور: مواضيع وابحاث سياسية     

تناقلت وسائل الإعلام السورية عبر موقع سيريا ستيبس هذا الخبر جمعية الاستكشاف تتجه نحو خلق الكوارث وتوثيقها، مُسيرٌ بأهدافٍ وهمية كاد أن يودي بثلاثين شاب في البادية بحثاً عن طواحين دونكيشوتية 21/12/2009 وأكدّ المشاركون في المسير، إن الجمعية السورية للاستكشاف والتوثيق، كانت فاشلة مئة بالمئة، من حيث تنظيم المسير، ومتابعة تحركه، وعدم توفير أقل الضمانات الصحية أو معدات السلامة، وترك مجموعة في الصحراء شرقي السويداء بدون تأمين وسيلة نقل لإعادتها إلى محافظة السويداء، وكادت أن تتعرض لمخاطر كبرى، أو بعض أفرادها. وبعد أيام قليلة نكتشف مع سيريا نيوز خبراً جديداً عن نفس المسير، ولنتأمل عنوانه اكتشاف مغارة بركانية في محافظة السويداء هي الأكبر حتى الآن في سورية وبرواية معاكسة تماماً. والغريب في الموضوع، أن السيد خالد نويلاتي، أمين سر الجمعية، صرّح لجريدة بلدنا بعد يوم واحد وفي 19/12/2009 أن مسير الجمعية، الذي سمّي «مسير سؤادا»، مسيراً غير ناجح بكلّ المقاييس، نتيجة عدد من الظروف القاهرة، منها حالة الطقس السيّئة، ووعورة الطريق التي تستعصي على الماعز، ما أدى إلى إنهاء المسير أمام عدد من المغاور الأرضية التي عمر بعضها ـ بحسب التقديرات ـ يتجاوز مئات السنوات، وعودة المجموعات إلى محطة الانطلاق على متن عدد من الجرارات، التي انقلب أحدها، وأدى إلى ما ذكر سابقاً. وكان من المخطط له في هذا المسير ـ بحسب خالد نويلاتي، أمين سر الجمعية ـ أن يصل إلى مغارة سؤادا، التي عمرها يتجاوز الـ 50 ألف عام -على أي أساس تم حسم عمر هذه المغارة قبل دخولها، ولم يدخلها أبداً؟- والتي كان سيعدّ أعضاء الجمعية أوّل من يستكشفها ويوثّقها، ومن أطلق عليها هذا اللقب، لكنّ الأسباب التي تمّ ذكرها سابقاً أدت إلى إنهاء المسير والعودة على مراحل والسؤال: ما هي حقيقة هذا الاكتشاف، الذي يقول عنه منظمه أنّه غير ناجح بكل المقاييس وتم إنهائه قبل ذلك الاكتشاف؟
ولكنني وبكل الأحوال، سأعمل على تفكيك النصين المنشورين والمتعلقين بمسير يوم 18/12/2009وقراءة التعليقات بشيء من الدقة، خاصة وأن بعض المعلقين كانوا في ذلك المسير، وسأغض النظر عن خبر جريدة بلدنا إلى نهاية المقال.
أولاً: يوجد تعارض كامل بين النصين في الموقعين الالكترونيين المختلفين، فسيرياستيبس تؤكد حدوث ما يشبه الكارثة وعدم اكتشاف أي شيء، وضرورة إغلاق الجمعية، وسيريا نيوز تؤكد اكتشاف المغارة، وأهمية هذه الجمعية. أما بعض المعلقين فيؤكدون أن المغارة مكتشفة سابقاً والصور المرفقة في سيريا نيوز ليست من المغارة المكتشفة بل من مغارة أخرى(أم الرمان).
ثانياً: لباس المشاركين، جرى المسير في 18 كانون الأول، وبالتالي هو في فصل الشتاء، والشتاء في السويداء بارد ومعروف بانخفاض درجات الحرارة فيه، وقال لنا بعض المشاركين بأنهم صادفوا نثر ثلج وبرد قارس، فكيف تنقل لنا الصور أشخاص يرتدون شورتات وكنزات نصف كم؟ والسؤال: هل هذه الصور من مسيرات سابقة، ولماذا تم عرضها بتقرير مخصص لمسير شتوي؟
ثالثاً: نص سيريا نيوز، لم يتكلم أبداً عن أية مخاطر حدثت للمشاركين في المسير، بل عن صعوبات واجهت من كان يزيح الحجارة عن باب المغارة( سطح نملة)، ألم يكن الأجدر بهم التعرض لانقلاب قاطرة الجرار، علماً أن تقرير سيريا ستيبس التقى مجموعة من المشاركين في المسير، وقد تكلموا جميعاً عن المعاناة التي وقعوا فيها، وتعرضهم إلى حادث انقلاب الجرار الذي أتى لنقلهم بعد سيرهم ليلاً قرابة ثلاث ساعات، وكاد أن يذهب بحياة البعض منهم، فهل حياة هؤلاء الشباب لا قيمة لها؟.
رابعاً: لماذا التناقض في التقريرين، ولماذا التعليقات تأتي متضاربة إلى حدود التناقض، وهناك تعليقات تؤكد عدم جديّة هذه الجمعية وسعيها نحو غايات ربحية، بل إن أحد المشاركين أورد بدقة الحسابات المالية للرحلة، وبالتالي الفائدة المالية المباشرة منها، فهل هذا هو هدف الجمعية، ولماذا تم تعميم خبر الاكتشاف على وكالات الأنباء السورية؟ أهو لتغطية الفشل، والخوف من قضية قد تُرفع أمام المحاكم، أم خوفاً من إغلاق الجمعية بعد استهتار المسئولين عنها بالمشاركين كما ورد في التعليقات المنشورة في الموقعين
خامساً: من المعروف أن المستكشفين، يحتاطون بأدواتٍ تساعدهم في الاكتشاف: كالخوذ، والبلجكتورات، والفؤوس، حبال، حراب، وربما قطعة سلاح، وأدوات علمية للمحافظة على الأثر بحالته القديمة؟ وعادة ما يكون مستكشفو المغر عددا قليلا ومدربين على هذا النوع من النشاطات. فهل يعقل أن يُستكشف مكان جديد يصل عدد أفراد المستكشفين لأكثر من تسعين شخصاً، وغير مجهزين بأية أدوات تساعدهم في ذلك، ولم نر سوى بيل يدوي؟
سادساً: يميّز القائمون على الجمعية المصورين بلباسٍ أصفر، وفي هذا المسير كان لباسهم كبقية الأعضاء، أي أحمر، وهذا يدل على أن صور المصورين المنشورة هي من رحل قديمة وليست من رحلة المسير الأخير لديهم.
سابعاً: صور أعضاء الفريق وهم يغوصون في الأرض الطينية، تقطع الشك على مقدار الخطأ والفوضى في حركة المسير، حيث كان من المفروض أن يسيروا في أرض صخرية أو على الحجارة، لأن الطين المتجمع على الأحذية يجعل من استمرار المسير أمراً متعذراً و غير ممكن، ثم وبشكل مفاجىء نجد أن صور الأحذية نظيفة تماماً بالقرب من المغارة التي قيل عنها إنها مغارة سؤادا ، والصور تبين أنّ أرضيتها نظيفة وليس فيها طين، ولو كانت لم تكتشف سابقاً أليس من المفروض أن تكون بكراً وعلى بوابتها مجموعة كبيرة من الأعشاب والحجارة وغير ذلك، فكيف يجتمع الطين والأرض النظيفة والأحذية النظيفة في مسيرٍ واحدٍ وفي فصل الشتاء وفي مدينة السويداء؟
ثامناً: من الصور المنشورة لما قيل أنها المغارة، يوجد جدار من الحجارة في أعلاها، والسؤال: لو أن المغارة لم تكتشف سابقاً، أليس من العبث وجود تلك الحجارة، وإذا وجدت، فهذا يعني أن المغارة التي وصل إليها المستكشفون مكتشفة منذ أعوام وأعوام، وهي عبارة عن حفرة كبيرة وليست مغارة، والصور المنقولة عنها في سيريا نيوز، ليست كما قيل أنها سؤادا من أصله، بل هي لمغارة ثانية واسمها (سطح النملة
تاسعاً: يؤكد السيد خالد نويلاتي: إن عمر المغارة خمسين ألف سنة وطولها ثلاث كيلومترات، وفي تصريحه الذي نقلناه عن جريدة بلدنا، يؤكد تعثرهم في المسير ببعض المغاور الأرضية، فكيف قدّر عمر هذه المغارة الوهمية، التي لم تستكشف، وأنّه لوحظ أنَّ المغارة تحتوي على تيارات هوائية ، وما هي الأجهزة العلمية التي تثبت صحة خبر عمق المغارة ، خاصةً وأن خبر الاكتشاف لا يقدم أي معلومة مستندة إلى أية مرجعية علمية متخصصة في هكذا اكتشافات، وعلى أي أساس حسم أن هذه المغارة أطول مغارة في سوريا؟!
عاشراً: البدو أكد لي بعض المشاركين في المسير، أن المغارة التي تم الوصول إليها، معروفة لكل أهالي المنطقة، وهي سطح النملة، وقال لهم البدو المجاورين للمغارة، أن باستطاعتهم النوم فيها، إن لم تأتِ الجرارات أو السيارات لنقلهم؛ علماً أن سيارة أحد فروع الأمن- وكذلك سيارة أحد الأشخاص التابعين للجمعية وهو الوحيد الذي كان مرتدياً شورتاً- وصلت إلى المغارة (سطح النملة)، ولم يسمح عناصر الدورية إلّا للبعض بالنزول ولفترة وجيزة وحددوها هم، فعلى أي أساس تم تحديد طول وعمر المغارة، عدا عن أن وصول سيارة الأمن يثبت أن الطريق مكتشف إليها وهي معروفة تماماً؟
إحدى عشر: ألا يستحق اختلاف الروايتين، من المشرفين على الموقعين الالكترونيين، التأني في سرد الخبر، وتبين حقيقته، وإذا كان خبر سيريا نيوز هو التالي، أليس الأجدر بالمشرفين على الموقع الانتباه، إلى التحقيق الذي أجرته سيريا ستيبس، وعدم نشر الاكتشاف.! خاصةَ وأن هذا الخبر لا يقدم أية واقعة مقنعة، بل يقدم صوراً، أقل ما نقول فيها، أنها لا يمكن أن تأخذ في فصل الشتاء في السويداء، وبالتالي، على سيريا نيوز سحب خبرها المنشور، أو دعمه بتحقيق دقيق عن الموضوع يبين حقيقة الروايات المنشورة في الموقعين.
اثنا عشر: إن تناقض أقوال السيد خالد نويلاتي في 19 /12/2009 لجريدة بلدنا، والذي يشير لفشل المسير، يثبت ما نُشر في موقع سيريا ستبس في 18/12/2009، ثم وبتناقض كامل مع ما سبق يشير في موقع سيريا نيوز، في 30/12/2009 لنجاح المسير وعظمة الاكتشاف، ويتلوه وبنفس السياق، بتصريحٍ جديدٍ ومعاكسٍ لما قاله- في 2-1-2010- سابقاً لجريدة بلدنا والمؤيد لبيانه المنشور في سيريا نيوز. وهو ما يشير، إلى أن السيد خالد وبعد أن تعرض لنقدٍ شديدٍ - كما يُستنتج- ومن قبلِ أشخاصِ كانوا في المسير ومن غيرهم، سيما وأن تحقيق وتعليقات سيريا ستيبس تظهر ذلك وبعض التعليقات على سيريا نيوز، أراد أن يشن هجوماً كاسحاً، ويسيّر مسيراً إعلاميا ناجحاً، وقد نجح في إستحصال تصريح من سانا عن ذلك الاكتشاف، فما كان من الصحف والمواقع التي لا تدقق في الأخبار وكذلك بعض الفضائيات، إلا ونشرت الخبر. وبالتالي تحوّل الرجل الذي قال عن مسيره أنّه سيء وغير ناجح إلى مكتشف كبير في سوريا، كما نشرت المواقع الإلكترونية؟!!
تساؤلات: وبعد أن عرضنا لهذه القضية كما وردت في وسائل الإعلام والتناقضات الواردة فيها، تبقى لنا تساؤلاتٍ تتطلب الإجابة:
- على أي أساس نشرت وكالة سانا الرسمية هذا الخبر، ونقلته عنها الوكالات الدولية، وهي لم تتوثق منه بشكل مستقل.
- كيف تكتب المواقع الإلكترونية تقارير وأخبار متناقضة وفي مدّة زمنية لا تتجاوز نصف شهر وبالأخص سيريا ستيبس وجريدة بلدنا.
- لتحديد عمر أية مغارة: عمرها، عمقها، أهميتها، يحتاج الأمر إلى خبراء مختصين ومعدات علمية متطورة، فعلى أي أساس تم حسم عمرها وعمقها، وأنّها الأكبر في سوريا على الإطلاق؟