عن اليسار ودوره في الأزمة الاقتصادية العالمية نقاش في مقالة: د. شريف حتاتة -اليسار وإنقاذ الرأسمالية-


عمار ديوب
الحوار المتمدن - العدد: 2692 - 2009 / 6 / 29 - 10:12
المحور: ابحاث يسارية واشتراكية وشيوعية     

لم يتقدم اليسار العربي يوماً بمشروعٍ تغييري لنظام الحكم، وحين كان يتقدم بذلك، كان أفراده يعدون على الأصابع ومقطوعين عن الطبقات الاجتماعية التي يصدرون أنفسهم كممثلين لها. وكان اليسار دائماً مسعاه الأكبر تحقيق نوع من العدالة الاجتماعية والسماح بالحريات العامة بالإضافة لتحويل النظام السياسي نحو الديموقراطية ومن دون نضالات جادة من أجل ذلك، وكثيراً ما ضُحي بها دعماً لأحزاب اشتراكية أدعت أنها ذاهبة نحو اشتراكية عربية ما. وبالتالي، لم يكن اليسار يستهدف يوماً بناء الاشتراكية وفق رؤيته أو اعتبار الاشتراكية هدفه ونقطة تحرك لبرامجه وسياساته. ولكن أيضاً لم يكن يتبنى طريق حلّ المهام الديموقراطية لبلد متخلّف، وبالتالي كان حزباً تابعاً لسلطة الدولة السوفيتية، لا أكثر ولا أقل..!
الآن ومع تصاعد الأزمة الاقتصادية الرأسمالية، وقبله بعد انتهاء تجربة الاشتراكية المحققة في الاتحاد السوفييتي، فإن يساراًً جديداً ينبري ويثبت نفسه، وهو اليسار في أمريكا اللاتينية، وقبل ذلك ولا تزال إلى الآن حركات مناهضة العولمة والرأسمالية أيضاً تعبر عن ذات الهم. وفي كلتا الحالتين، أي اليسار اللاتيني ومناهضة العولمة لم تتقدما نحو بناء الاشتراكية، بل وأكثر ما قامت به تلك الدول"اليسارية"هو بعض التأميمات مترافقة مع برامج مناصرة للفقراء، وهذا بغض النظر عن الصراخ الإيديولوجي للسيد شافيز بما يخص ما يسميه باشتراكية القرن الواحد والعشرين؛ اشتراكية خاصة به أيضاً.
التصاعد الأخير للازمة الاقتصادية العالمية سبّب إغلاق شركات ومصارف بالمئات وأنتج ملايين العاطلين عن العمل، وكل يوم تنقل لنا الصحف والفضائيات أخبار إغلاق شركات جديدة وعاطلين عن العمل، وقد حذرت قبل أيام "وحدة الأبحاث في «الأيكونوميست» من ثورات اجتماعية في 95 دولة من بينها مصر بسبب الأزمة العالمية". وبالتالي هناك أزمة اقتصادية عميقة تجابه إلى الآن بسياسات سميت في بداية تصاعدها "تأميم"، وتبيّن لاحقاً أنها عبارة عن تدخل من قبل دولة الرأسمال المضارباتي، لدعم المصارف والشركات الاحتكارية بمليارات الدولارات، والدخول كشركاء مع أصحاب الشركات وأحياناً وضع اليد عليها في حال أشهرت تلك القطاعات إفلاسها، وهذا ليس تأميماً بقدر ما هو إعادة الحياة إلى شرايين تلك المصارف وإخراجها من أزمتها ومحاولة إعادة الثقة بها وبالاقتصاد الرأسمالي من ورائها.
وفي هذا الوضع، كَثرَ الكلام عن عودة ماركس والشيوعية، وهو ما طرح سؤالاً تاريخياً بإمتياز عن دور اليسار، وسنتكلم عن اليسار العربي ودوره في مواجهة الأزمة. وبالتالي أي دور ممكن لليسار في إنقاذ الرأسمالية العربية؟ وهذا السؤال هو للدكتور شريف حتاتة، في مقالة له منشورة في جريدة الحياة"28/02/09/ والبديل المصرية، ومواقع أخرى، بعنوان" اليسار وإنقاذ الرأسمالية" ويجيب، بأنّ عليه "المساهمة في الإنقاذ". وان يخرج "بسياسات واقتراحات وإجراءات تتناسب مع الأزمة الشاملة" و "أن يسعى لتدعيم الاقتصاد" وأن يفكر "في التعاون مع قوى لم يكن في ذهن اليسار أن يتعاون معها" و ذلك لأننا "جميعاً شعوب كادحة، ورأسماليون ليست لنا مصلحة في انهيار الرأسمالية" وطبعاً لا أعرف بدقة ما هي مصلحة الشعوب الكادحة في استمرار الرأسمالية، ولا سيما الرأسمالية العربية، وإذ تكلمنا عن المصرية منها، فإن أزمتها بادية لكل ذي عينين حتى قبل بدء الأزمة الاقتصادية، وقد تحرك الشعب المصري ضدها بإضرابات ومظاهرات واحتجاجات واعتصامات عمت مصر بأكملها وشاركت فيها كل الطبقات باستثناء الأكثر ثراءً، وقد برزت آنذاك حركة كفاية الشهيرة، وجذبت أهم شخصيات مصر. وبالتالي ليس من مصلحة للمصريين في تلك الرأسمالية، بل ربما تكمن مصلحتهم في التخلص منها. وهنا يستنتج كثير من الباحثين أن مشكلة مصر الحالية هي عدم وجود حزب شيوعي قوي - رغم وجود عدة تيارات شيوعية ولكنها هامشية التأثير والفاعلية- وليست في عدم وجود برامج لدعم وإنقاذ الرأسمالية كما يعتقد حتاتة.
أريد القول، إن الرأسمالية المتخلّفة في مصر هي سبب مشكلات الشعب المصري. وبالتالي البرامج الممكن الدفاع عنها هي برامج تستهدف تلك الرأسمالية لا إنقاذها. ولكن هل هذا يعني إعلان الثورة الاشتراكية مثلاً أم السير في طريق تحقيق المهمات الديموقراطية التي يجب وضعها على طاولة اليسار. وإذا اخترنا أحد الطريقين فلا بد أن نتبنى سياسات وبرامج وإجراءات متمايزة عندها.
وإذ أتفق مع شريف حتاتة أن الاشتراكية ليست على أبواب تاريخنا كما يفهم من مضمون مقالته، فإنني لا أستبعدها كخيار مستقبلي من برامج اليسار. وبالتالي البرامج الممكنة الآن لا تتعدى –مجدداً- برامج المهمات الديموقراطية المفضية إلى الاشتراكية. والسؤال الآن ما هي هذه البرامج والسياسات. قبل ذلك أؤكد، أنّ الدول الامبريالية تعود لدور تدخلي مكثف في الاقتصاد-وهذا بعكس السياسات الليبراليّة الجديدة في العقود الثلاث السابقة والتي استهدفت دور الدولة وحملتها مسؤولية أزمات الرأسمالية- وتساهم في إنقاذ الشركات والمصارف خشية الوصول إلى الكساد الكبير وحينها ستظهر الأزمة بكل أوجهها. أي أن تلك الدولة تستهدف حماية الشركات كي تعيد الثقة بالاقتصاد الرأسمالي، وتستخدم أموال الضرائب والمدخرات الخاصة بالطبقات الدنيا..!! ولكن، لماذا لا تحمي الدولة العمال من البطالة وتسارع إلى حماية الشركات وضخّها بالمليارات!؟ طبعاً لان الدولة تمثل مصالح الرأسمالية ولا سيما الاحتكارية منها، وإلّا لماذا تقوم بذلك الدعم، وهذا ما يجب أن يفكر به حتاتة ملياً.
في هذا السياق يقول حتاتة هل "نكتفي بالفرجة على الرأسمالية وهي تعاني من تقلصاتها" أقول له: وهل تعتقد أن تلك الرأسمالية لا تمتلك جيوشاً من المثقفين والاقتصاديين الذين يقترحون لها الحلول والمعالجات التي تستهدف فقط مصالحها. ولأن الأمر كذلك، فإن على اليسار أن يساهم في إنجاز سياسات لحماية المتضررين من الأزمة -ولا سيما الفقراء- وهذه السياسات لا يمكن أن تكون فقط سياسات اقتصادية بل سياسات وتصورات للدولة البديلة؛ انطلاقاً من قيم الحداثة والتنوير والعلمانية والمواطنة والديموقراطية. أي أنّه لا معنى لاشتراكية جديدة إن لم تنطلق من تلك القضايا. وبالتالي على اليسار الآن، إنجاز المهام الديموقراطية التي لم تنجزها البرجوازية العربية وبنت فقط سلطة استبدادية أعادت مجتمعاتنا إلى مرحلة ما بعد خروج العثمانيين. ولأن مهام اليسار معقدّة فإن التحالفات ضرورة واقعية مع مختلف الطبقات بما فيها البرجوازية المتوسطة وهو ما يتطلب منه أن يقدم نفسه ديموقراطياً قبل وبعد تسلّم السلطة، وهذا ما غاب عن تصوّر حتاتة، وكان في ذلك سليل حركة اليسار كما وصفناها في مقدمة هذا المقال.
وبالتالي تصوّر مستقبل غير الرأسمالية في بلادنا العربيّة أمر ضروري ولكنّه لن يكون الآن مستقبل اشتراكي حتماً لما أوضحناه. وبالتالي مهمة اليسار العربي الآن ليست في إنقاذ الرأسمالية، بل في الدفاع عن مصالح المتضررين والتحالف مع مختلف الطبقات التي ترغب في التغيير الديموقراطي والسعي للوصول إلى سلطة يساريّة، وتوجيه المجتمع نحو تحقيق المهام الديموقراطية، من تصنيع اقتصادي وعلاقات إجتماعية حداثيّة وبناء نظام علماني ديموقراطي، وذلك بما يسمح بتجاوز الأزمة الاقتصادية وأزمة التخلف العربي.