العلمانية اللبنانية على المحك


عمار ديوب
الحوار المتمدن - العدد: 2669 - 2009 / 6 / 6 - 09:14
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني     

تصادر الطائفية السياسية اللبنانية على العلمانية اللبنانية وجودها الفيزيائي الأولي حين تعتبر لبنان بلد الطوائف والطائفية، وحين ذاك لا يبقى أحد في لبنان سوى الطوائف والطائفية. وهي بذلك، تجر أغلبية اللبنانيين إلى مواقعها، وبالتالي كل من ليس طائفياً ولا يعرّف نفسه بالطائفة، هو ليس ضد الطائفية كعلاقة وكنظام سياسي فقط بل هو كذلك ضد طائفته وعائلته وأهله، وبالتالي هو ضد ذاته..!

العلمانية بدورها، وبدلاً من أن تعري هذه الطائفية، التي تعد النظام السياسي الممثل للبرجوازية المتخلفة، أي تشكل أسؤ نظام لإخفاء الاستغلال والمساهمة في تدمير حاضر ومستقبل الشعب اللبناني عبر تقديم نفسها كحامية الحاضر والماضي والمستقبل للبنانيين، تتعامل العلمانية مع بعض الأحزاب الطائفية وكأنها شريك أو حليف لها في سعيها نحو مستقبل لبنان كدولة مدنية. وتكون حصيلة ذلك أن الطائفية تعزز مواقعها بينما العلمانية تظهر كمنافقة وانتهازية. وتصبح بلا وزن ثقافي أو سياسي أو إجتماعي معترف به.

العلمانية اللبنانية لديها مراكز قوة، أقلها قرار الطائف بإلغاء الطائفية السياسية وآخر ممثل بشطب القيد الطائفي، وأيضاً وجود أكثر من ربع الشعب اللبناني لا ينتمي للطائفية كنظام سياسي أو للطائفة كتكوين أهلي. هذه القضايا تدفعنا للسؤال: لماذا لا تتقدم العلمانية نحو هجوم مركز على مراكز الطائفية كالأحزاب ومؤسسات الدولة أو المجتمع الطائفية؟ ثم أليست الانتخابات التي تستعر فيها الطائفية وتكفير الآخر فرصة مناسبة لتعرية هذه الطائفية؛ التي لا تستهدف سوى بناء دولتها الطائفية لا دولة حديثة. و أيضاً بعد الانتخابات، ستكون هناك فرصة جديدة لأن أحزاب طائفية تخوضها لن تبني سوى دولة على مثالها. وبالتالي إذا أرادت العلمانية أن تعي ذاتها ليس كجماعة معزولة، وأن تتحوّل إلى بنية إجتماعية سائدة عليها: إما أن تنظم ذاتها كجمعيات وأحزاب ومنظمات وقوة إجتماعية وشخصيات ثقافية في تحالف مشترك وألّا تبقى كثرة متفرقة تساوى في ذلك أقلية تنتظر الانقراض، وتجتهد في هجومها ضد الطائفية وكل مظاهر التخلف المرافقة لها والناتجة عنها، وإما أن لا تقوم بهجومها ذاك؛ الذي هو رد هجوم وليس شن معركة على لا شيء أو من بنات الخيال، وبالتالي إن لم تفعل ذلك، سيرتهن لبنان ومستقبل العلمانية اللبنانية وربما العربية للقوى الطائفية مع احتمال اجتثاثها عند الضرورة.

يقع على المثقفين العلمانيين البعيدين عن حرتقات السياسة وزواريب الوعود الانتخابية والمصالح، تطليق المزاوجة بين الطائفية والعلمانية، وإشعال النار بكل السلوكيات والأفكار والبرامج وحتى التواريخ الداعية للطائفية. وقد يكون على العلمانية تجاوز دائرة نقدها لواقع الطائفية و بناء تصور متكامل للدولة العلمانية الديموقراطية. وبالتالي لا معنى لحركة علمانية في الشرط اللبناني إن لم تكن حركة وطنية ما دامت الأرض محتلة. ولا معنى لتفاضلية كاذبة بين طائفية وطنية وطائفية غير وطنية، رغم أننا لا نخفي وجود تمايزات بين حزب الله وبين القوات اللبنانية لجهة وطنية ما في الأولى وعدم وطنية ما في الثانية. حيث أن نشاط العلمانية يتجاوز البنية الطائفية السياسية، وحتى ولو كان لبعضها وجه وطني في مرحلة ما في تاريخها، لان العلمانية تسعى فكراً وبرنامجاً وممارسة نحو دولة علمانية ديموقراطية لكافة أبناء الشعب اللبناني، ومهما كانت طوائفهم، وبغض النظر عنها جميعاً. لأنها بالتحديد تقوم على المواطنة لكافة اللبنانيين وعلى مساحة الوطن بأكمله، الأمر الذي يفترض دوراً وطنياً ستقوم به، يتحدد بالضرورة باسترجاع الأرض المحتلة.

مرتكزات العلمانية ليست في قرار إلغاء الطائفية السياسية وقرار إلغاء الشطب الطائفي كما أشرنا بل هي كذلك في كل تجليات الحياة الواقعية اليومية، وهو أمر يقتضي فصل الدين باعتباره شأن ذاتي عن ما هو عام باعتباره شأن عام يهم جميع اللبنانيين. عدا عن أن كل ما يساهم في تامين حاجاتنا هو نتاج العصر الحديث الذي هو عصر علماني بامتياز، يستند إلى أنظمة سياسية علمانية وثورة صناعية ومؤسسات بشرية تعد إبداعات بشرية دون منازع. ولكل ذلك، لا مجال مطلقاً للمقارن بين العلمانية كنظام عام لكافة المواطنين وبين الطائفية السياسية كعلاقة سياسية ونظام سياسي يخدم فئة محددة عبر كونها ضد فئة أخرى، وتمايز بين الشعب على أساس الأكثريات والأقليات وبين المرأة والرجل، بحيث تدمر كل مرتكزات حداثة ممكنة، وتجربة لبنان المتقدم على البلاد العربية في الحريات والفكر والسياسة وحتى المقاومة مثال نموذجي لما يمكن أن تفعله الطائفية من تدمير حول لبنان وقد يحوله مجدداً إلى مذبح بشري خالص، لا تقارن الهمجية الحيوانية فيه.

هذه القضايا وغيرها، عليها أن تستثير العلمانيون اللبنانيون كي يشحذوا هممهم نحو مشروع جديد يستحوذون من خلاله على أغلبية أصوات الشعب اللبناني، وترك عقلية الانعزال والثقافة فقط وعدم البقاء في دائرة نعي الذات والنقد الفكري الخافت كثيراً للطائفية وغير المسموع كثيراً أيضاً. عدم القيام بذلك سيزيدهم عزلة وستكون العاقبة تجدّد السيطرة الطائفية على اللبنانيين.

الأنكى، أن السيطرة الطائفية لم تعزز هيمنة طائفية لطائفة على بقية الطوائف، فرغم ما قامت به الحريرية الطائفية من استنفار الطائفية السنيّة لم تستطع أن تهيمن طائفياً، وبالتالي الممكن الوحيد ما دامت اللعبة الطائفية مختلة، ولا مجال كما يبدو لهيمنة مارونية شيعية، هو حالة عدم الاستقرار الطائفية، واحتمالات تفجر الأوضاع اللبنانية في أية لحظة. و ما تم في السنوات الأربع السابقات دليلا قطعيا على ما نقول. الأمر الذي يؤدي لاجتثاث مواقع العلمانية وحصرها في جزر غير مرئية، مقتصرة على بعض المثقفين أو بقايا أحزاب سالفة، تشكلت في ظروف كانت مؤاتية لها لتنتصر لو امتلكت مشاريع حقيقية، وبسبب غياب ذلك، وتغير الشروط الدولية والعربية، أصيبت بأزمة تكاد تكون مأزقية وتهدد وجودها، وقد تعزز ذلك انطلاقا من 2005 بعد مقتل رفيق الحريري.

إذن، هناك إمكانيات كثيرة أمام العلمانية اللبنانية، وهي إما أن تستفيد منها، وقد أشرنا لبعضها، وإما أن تبقى بلا هوية، غير واعية لدورها التاريخي في تحديث لبنان، وتفتقد لمشروع سياسي للدولة، ولا تدخل بحرب مفتوحة ضدها. وبذلك تكون الخاسر الأكبر في لبنان.

العلمانية اللبنانية على المحك، أثناء وبعد الانتخابات، وتقدمها كقوى متحالفة فقط، هو ما ينقذها وينقذ لبنان، ويدفع هذا البلد المبتلى بالطائفية بكل أشكالها نحو مستقبل آمن. أي أن تقدم العلمانية اللبنانية يشكل رافعة لتعزيز مواقع العلمانية العربية، الأمر الذي إن حدث، سيعود بفائدة كبرى على اللبنانية منها، حيث ستعزز مواقعها بدورها. فهل يشكل العلمانيون اللبنانيون قاطرة التقدم للعلمانية العربية.