العلمانية السورية على محك مشروع الأحوال الشخصية


عمار ديوب
الحوار المتمدن - العدد: 2674 - 2009 / 6 / 11 - 09:58
المحور: حقوق المراة ومساواتها الكاملة في كافة المجالات     

إن كل قانون إجتماعي سياسي اقتصادي يُستمد من خارج العصر الذي يحيا فيه المواطن، هو قانون ضد المواطن، يعيقه، يكبله، يحدّه، يقيده، ويحيله إلى عصر مضى وانقضى. وبالتالي، كل استعادة له هي انتكاسة إلى زمن الأموات، وما أكثر هذه الانتكاسات والنكسات المميتة والمقيتة.
عصرنا هذا هو عصر المواطنة، حيث الإنسان مساوٍ لأخيه الإنسان أمام القانون. وهو كذلك، لأنه متساوٍ معه في الكرامة والاحترام الإنسانيين. هذه قاعدة العصر الحديث، وهي أساس دستور أي دولة حديثة. ومنها، يتمّ استخراج القوانين المتعددة والشاملة لكل أوجه الحياة. وبالتالي الدستور أو القوانين السورية أو مشاريع القوانين الجديدة، لا بد أن تستند إليها كي يرتقي إنساننا، وكي نكون جديرين بالوجود في هذا العصر.
العلمانية السورية على اختلاف مواقعها، في الدولة والمجتمع والأحزاب السياسية، والقطاعات الاقتصادية، وحتى المؤسسات الدينية، التي تفهم أن الدين شأن شخصي، وأن مؤسسات الدستور والقوانين تدخل ضمن الفضاء العمومي لكافة المواطنين، وبغض النظر عن الدين: مدعوة إلى رفض مشروع قانون الأحوال الشخصية الطائفي والذكوري والقروسطي.
مبررات هذه الدعوة إلى الرفض، كون هذا المشروع، يتناقض مع العيش المشترك الإنساني الذي يقتضي تحييد ما هو خاص وعدم فرضه على أحد، وتكريس ما هو عام ولصالح الجميع. وبالتالي يفترض العيش المشترك، وجود قانون عام يعبر عن الكل الاجتماعي لا عن الجزء الطائفي؛ والذي يكرس قانونا؛ يمزق المجتمع إرباً إرباً ويُحكم عليه السّيطرة في زمن خارج الزّمن وحاضر ليس هو بالحاضر، ومستقبل في خبر كان.
العقلية الطائفية لا تعتبر الدّولة إلاّ كونها دولة طائفية، ودولة طائفة ما بالتحديد، فالمغرب يصبح دولة السنّة المالكية وإيران دولة الشيعة الإثنى عشرية، وهكذا. العقلية الطائفية تحط من قيمة الإنسان الذي يفترض أنه إنسان قبل أن يكون مجرد عضو ضمن طائفة أو عشيرة أو قبيلة أو ديانة، أو نحو ذلك.
مشروع القانون الذي وضعته هكذا عقلية هو مشروع يقزّم الشعب السوري بأكمله إلى شعب خارج العصر الحديث، ولن أقول ينحط بالإنسان إلى مستوى القطيع والقطعان، حيث لا حياة لمجتمع بشري لا ينتمي للعصر الكوني الذي يوجد فيه، بينما القائمين على هكذا مشروع، يتحدّد تصورهم للسوريين في كونهم طوائف ومذاهب وملل وذكور وإناث يُميًّزون بالوظائف البيولوجية فقط!. وإذا كانت هذه نظرتهم، وهي ما يقرأ في المشروع الحكومي..! فإن أصحابه يقضون بذلك على كل إمكانية حداثية لتطور سوريا ما تني تشق الأرض وتحاول التأقلم. ولكن ولأن الظواهر لا تخرج من ذاتها وليست محددة بزمن ومكان معينين إلا لغاية التعليم، فإن هكذا مشروع يأتي في سياق تتويج سياسة عامة في سورية حاربت فيها العلمانية بقصد أو بغير قصد، وأغلب الظن أن الأمر بقصد، فهذه قضايا أكثر من أن تكون عملا تلقائيا أو مزاجيا أو لمجرد الصدفة. في هذا السياق، يصبح على العلمانية السورية أو ما بقي منها: إما خوض غمار محاربة هكذا مشروع، ورفض تسييد الطائفية. أو أن تستمر في إخفاء رأسها كما تفعل نعامات الصحراء، وكأنها لن تخضع لهكذا مشروع حين يصبح المشروع شريعة. عدا عن أن المعركة التي نفترضها للعلمانية، هي مسؤولية تاريخية تقع على عاتقها، وذلك كي لا نجبر مستقبلاً كما يجري في لبنان والعراق على أن نعرّف أنفسنا كوننا أفراد في طوائف، ففي الانتخابات اللبنانية حتى العلمانيين ومنهم الشيوعيين يرشحون أنفسهم وفق القيد الطائفي وكذلك نرى في العراق..؟!
فكم هو بغيض أن ترشح نفسك في منطقة ما وأنت علماني- شيوعي/ليبرالي/قومي/وطني وفق قيدك الطائفي الذي تنحني أمامه من دون اعتراف؟ وهو ما نخشاه على كل حال في سوريا! القياس هنا ضروري، لأننا جميعنا في الهم شرق..!
يقع على العلمانيين السوريين رفض هذا المشروع، لأنّ السكوت عنه هو تدمير للمستقبل، ومحاربته تقتضي رفضه بالمطلق والعمل على صياغة قانون علماني لصالح جميع الناس، وليس مع أو ضد أية طائفة أو ملّة ما. فرفض المشروع هو رفض للعقلية الطائفية الإقصائية التي لا تفهم سوريا سوى مجموعة طوائف وملل وعلى الأقليات منها الخضوع للأكثريات، وعلى المرأة الخضوع للرجل، الرجل قوام على المرأة وهو رأسها المجازي دينياً. وتعيش في تكرار أبدي، منذ أن وجدت الأديان، لأنه لا سابق عليها ولا تال لها.
لا يستطيع أحد أن يتجاهل أن هذا المشروع يأتي في سياق تحويل سوريا نحو الليبرالية، فهل الليبرالية السورية ممثلةً بسلطتنا التي تقول عن نفسها أنها تتجه بنا نحو اقتصاد السوق أو السوء كما كتب البعض، والليبرالية الخاصة ممثلة بالقطاع الخاص أو الأحزاب الليبرالية، موافقة على هكذا مشروع. ونضيف أليست بتصنيفها السوريين إلى طوائف وملل كما هو سائد في تفكيرها- ولا أشمل الكل- تدشن عصر الطائفية وتفترض موافقة على هكذا مشروع؟!!
إذن، فهذا المشروع ينسجم مع العقلية الليبرالية السورية التي يتبناها هكذا مشروع – في حال لم ترفضه – وهي بذلك تخون مبادئ الليبرالية والحداثة، وأقصد فكرة المواطنة حيث الجميع متساوون أمام القانون وكذلك فكرة العلمانية؛ التي لا معنى للحداثة بدونها، وبالضرورة الديموقراطية التي تتحوّل إلى " ديموقراطية" طوائف.
مقدماتنا تشير إلى وجود ثلاثة فئات ستشرعن لهكذا مشروع طائفي بامتياز: الدولة ممثلة بالفئات التي لن تعترض عليه، القوى الليبرالية التي لن ترفضه وتعلن بوضوح انتمائها لمشروع الدولة الحديثة العلمانية، والقوى الطائفية والدينية التي لها مصلحة في هكذا مشروع عبر تلفيقات ضدّ السوريين بالقول أنه قانون ينسجم مع التقاليد والدين، وهو في الحقيقة ضد الدين حين يسيّد دين وطائفة ومذهب وملة على بقية الفئات. وبالتالي فإن الدين أمر خاص وليس عاماً وكل دولة حديثة بالفعل لا بد لها من قوانين جديدة لصالح جميع الناس، مع السماح بوجود أحوال شخصية أهلية خاصة لمن يشاء. وهذا الأمر لا تسمح به سوى العلمانية، لأنها النظام المحايد إجتماعياً والممثل للكل الاجتماعي.
إذا كانت استنتاجاتنا صحيحة، ويحق للآخرين الاختلاف والخلاف معها، فإن العلمانية السورية التي أشرنا لمواقعها أعلاه يفترض فيها رفض مثل هذا المشروع، ونقد دور الدولة في طريقة تكليف لجنة لا يعلم سوى الراسخون في العلم بشأنها وكأنها تكتب نصاً للقراءة الخاصة، ونقدها في عدم رفضها للمشروع مباشرة لحظة تسلمه وتبيّن مقدار الطائفية القروسطية فيه، ثم لاحقاً حين عرضته على الوزارات كي تشرعنه..!
رفض العلمانيون له، لا يجوز أن يقتصر عليه فقط، بل يجب أن يأتي في سياق نضال دؤوب في كل مستويات المجتمع الذي يتم تطييفه. وبالتالي العلمانية مشروع مفتوح نحو تعزيز دور الإنسان والعقل والعلم وفصل الدين عن الدولة والسياسة والدستور والقوانين وكل ما هو عام. وتعتبر الدين والطائفة والمذهب والملّة تشكيلات أهلية خاصة، يحق لها ممارسة كل ما تراه مناسباً شريطة عدم تدخلها في الشأن العام، والشأن الخاص للأفراد العلمانيين.
أخيراً أقول: إن سورية العلمانية والعلمانية السورية، هما على محك الأصوليات والطائفية، وسورية إما أن تبني مشروعا متكاملا ومفتوحا لجهة الحداثة وتعزيز الدور الإقليمي والدولي للبلد، وإما أن تنكفئ إلى دول شبيهة بأفغانستان وجبال تورا بورا والصومال، والمشروع إياه يتصور سوريا وكأنها هناك في تلك الجبال؟؟!!