أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح محسن جاسم - مُزاح نهر















المزيد.....

مُزاح نهر


صباح محسن جاسم

الحوار المتمدن-العدد: 1862 - 2007 / 3 / 22 - 12:24
المحور: الادب والفن
    


قصة قصيرة
للنهر لغته الخاصة. هل يغني ؟ ربما. أما همسه فيطول . كم يبلغ عمره ؟ ذلك ما لم يستطع الحاج "سهيّر" تخيله ،على أنه يعرف ما يقوله ويهمس به بخاصة في الليالي المقمرة حين يعلو ’شخير‘ الفرات !

في أوقات الفيضانات كان ينده زوجته وهو يمسك عنه دثاره طالبا منها الانتباه إلى ذلك الطرق الخاص من وراء جدار الدار. يقبض على يدها بقوة كي يمنعها من فتح الباب " الجينكو" التي أكل معظمها الماء أوقات ارتفاع المد .
طوله الفارع ما عاد يقاوم الصمود بوجه ريح المتغيرات المبيتة مسبقا. فانحنى كما تفعل سنبلة ذهبية غنية بحليب الشمس. مثلما لم يعق ذلك من انطلاقته موسعا الخطى فلا تلحق به عصاه التي يتعكز عليها وتروح تخط الأرض وراءه فيسحبها أمامه كيَد سبّاح ماهر. بعد حين يقف يلتقط أنفاسه ، ارتعاشةٌ بادية في قبضة يده المتشبثة بالعكاز. يتنحنح قليلا ، يعدل من وضع لفاعة الياشماغ ثم يمضي بثبات.
يطيب له الحديث عن الهور الذي جف بمزاجية غريبة ! مما أضطره إلى مغادرة مسقط رأسه حين باع ولده الدار بثمن بخس بحثا عن استقرار يحلم به في المدينة التي انطفأت أنوارها وغدرت به فما عاد ما جمعه من حطب أغصان الأشجار ليسد تهيئة وقود طبخ أو سجار تنور للخبز.
أضواء المدينة تختفي طويلا وان طاب لها العودة ثانية فليس بأفضل من عود ثقاب . كل ما فيه يهاجر جنوبا إلى حيث مزرعة الرقي الواسعة والى حباله التي يصنعها من نبات الجولان ، يجدلها بعد فركها بين راحتي يديه القويتين ثم يلابسها لتمتد حبلا طويلا. هكذا يصنع مروزه المستقيمة في الأرض التي انتخبها ليهيئها مودعا في جفنات تربتها ما شاء له من البذور التي يخزنها من موسم لآخر.
لم يكن ينافسه أحد في حجم ثمار محصوله حتى تكالب عليه البقالون ينصحونه تغطية قاربه المحمّل بأعواد القصب تجنبا للحسد.
في مواسم أخرى يندفع بقاربه المحمّل بحبوب الذرة ، صوب الناصرية . وما أن يحل المساء حتى يعزز ارتفاع جانبي قاربه بجدار من طين وقصب ليستوعب أكبر كمية من حبوب الحنطة بعد أن يكون قد باع نصف حمولته من الذرة وبادل النصف الآخر بالحنطة معرجاً على دار أخته يتفقدها بما تجود به يده من رزق. وهي بدورها لا تبخل عليه بزوادة الطريق ؛ صرّة كبيرة من شواء الدجاج وبيض مسلوق وأرغفة خبز ساخن وبعض من زبد وسكر وشاي.
بيد أن المقام الجديد قد طال حين ألقى به عند طرف المدينة . في ساعات النهار الطويلة يقضيها بمحاذاة النهر الذي يضيق ويتسع فتصارع أمواجه قارب ولده الذي بدأت الأعشاب تنمو بداخله. يسليه في كل ذلك حفيده الصغير وهو يراقبه كي لا يغويه ماء النهر. ينتزع قصبات البردي بقوة مقشرا سيقانها مشاركا حفيده أكل لبها وكما تحظى بطاته الأربع جزءً من نصيبها.
لم يبخل النهر مد العائلة بما يتوفر من صغير الأسماك. كما دفع الفضول ببعض ساكني بيوتات مجاورة بحجة السؤال فيهبهم الحاج سهيّر من أسماكه ممتنعا أخذ ثمنه مؤكدا لهم أن ما يحصلون عليه هو رزق من الله يحسن به مشاركته الآخرين . أحبوه لطيبته وصاروا يبادلونه سمكه بما تجود بيوتهم من طعام ولباس.
في كل مرة يتأمل النهر كان يستفزه وازع للزراعة على إن سرعة تيار الماء وعناده في جرف تربة الضفة التي يسكنها غالبا ما يحبط محاولاته.
يثار إن بكي حفيده الصغير فيلوّح بعكازه مهددا : " لا تزعجوا الحِيوان !"
يمنحه ما يريد من حلوى "الحلقوم " التي يحبها ويكثر من طلبها . يغيظه جدا مرأى بذور الرقي تشوى على النار لتوزع على الصغير وأقرانه من الجيران يلتهمونها مقلدين الكبار.
ارتفاع منسوب المياه في النهر ، يعود بذاكرته إلى أيام شبابه . كيف غرقت جاموساته وبقراته الستين لولا ذكاءه في سحبها واحدة أثر أخرى عند مرتفع غمرته المياه عرفه بفراسته فأنقذها جميعا بأعجوبة.
لأكثر من مرة يعاوده كابوس مزعج فينهض من فراشه يجوب باحة الدار الترابية يبسمل ويستغفر. حين تنتبه إليه زوجه يطمئنها إن لا شيء عدا هاجس ينذر بصوت ابنه ينادي عليه. ثم تعود لتؤكد إن إحساسها لا يخيب أبدا وان ولدهما في وضع آمن.
بعد نزوح الشتاء أوقع به المرض فبات طريح الفراش. اشتدت به الحمى . بدأ يهذي معاتبا :
" تلك هي ’المْغرّات ‘*، أما قلت لا تستعجلي ملابس الصيف !؟"
المسكينة تدرك تماما أنه لا يستبدل " دشداشته" الوحيدة صيفا أو شتاء حتى تعبت من رتق خرم أزرار رقبة الثوب الذي تعوّد أن ينزعه بسحبه من خلف رقبته مرة واحدة.
عاوده الجيران يدعون له الشفاء. إن أصاخ السمع طويلا فهو يتابع نواح حمامة عبر الشاطئ البعيد تنادي :
" يا قوقتي .. يا قوقتي ". يستحوذ عليه وجه أخته مشجعاً.
كان يفكر بصوت عال :
" لقد آلمني النهر. لا غيره من تسبب في مرضي."
تحار في التعليق على ما يردده معتقدة انه ما زال يهذي ، ثم يواصل مؤكدا : "مغتاظ وايد** من النهر!"
تتركه لتعود إلى مطبخها الصغير تهيئ له شيئا من حساء السمك.
حف به الصغير يرعاه طيلة فترة مرضه . يجلب له ما يحتاج ، يعتني بدثاره وينظف له ما يبصقه على الأرض.
امتثل أخيرا لنصيحتها المتكررة. تنفس عميقا خارج غرفته المعتمة رغم شعوره بالوهن.النهر أول من صافح وجهه. تطلع إلى جريان مائه الغريني وكثافة صفوف نبات البردي بحلتها البهية الخضراء. كل شيء ينذر بحلول الربيع. أكثر من أربعة أشهر أوهنت له جسمه.. امتعض لمجرد إن راودته فكرة الموت. كان ينظر الفرات بعيون المتوعّد.
في المساء يكثر من الجلوس على سدة النهر ، تملأ سماءه خفافيش تخفق أجنحتها مرعوبة. فيما تتابع عيناه مدحورة سجار التنور وُسنى النار تلحس الفضاء كما تفعل سمكات فضية تتقافز لالتقاط بعض حشرات الجليلو البيض من فوق سطح الماء بين قصبات البردي وزعيق دجاجات الماء.
تناهى إليه صوت حفيده ينادي. " تعال يا جدي لتساعدني !"
حين دلف المنحدر بمواجهة النهر عند الحافة الضيقة المحاذية لظهر الدار وجد الصبي يفجّ وسط خضرة مزدحمة فيما يؤشر بيده تجاه جده طالبا منه الاقتراب.
لم يصدق عينيه. الصغير معانقا ثمرة رقي كبيرة فاضت من بين ذراعيه. ثم ليؤشر تجاه ثمرة ثانية وثالثة تجاورها وصغرى تسد جحر سرطان النهر. يتهجد لسانه بصلوات مسموعة . تأمل حجم الثمرة وانه لن يتمكن من حمل أكثر من "رقيّة" واحدة. تساؤل محير ظل يطرق في رأسه؟
ذات الثمار التي تعوّد زراعتها عند مساحة الأرض العالية في الهور. كيف حصل ذلك مع ذلك النهر العابث؟! ذلك ما سيسأل عنه في الداخل.
نادى بصوت عرفت فيه صوته الفتي حين كان ينادى عليها بعد صباحات عرسهما من بين أكداس حزم السمسم والجولان.
تضاحكت جذلة ..لم تلمها فرحتها وهي تخطو بحذر نازلة إلى ضفة النهر الضيقة. لم توافقه اقتراحه قطف الثمار الثلاث .. بل نصحت بواحدة تكفي وتزيد. اعترض محاجا : " ذلك رزق الله .. سيفرح معنا الجيران. لنوزع منها قبل أن يتلفها النضج ."
بحذر وانتباه شديدين كانت الرقيات الثلاث أمام مدخل الدار. فيما تجمع الجيران مبتهجين مندهشين لحجم الثمار الغريب.
" هو ذا رقي الهور ! ما كنتم لتصدقوني . لو تهيأت لي الأرض فحسب !"
رائحة الرقي ملأت الدار. فاض العصير من على أفواه الجميع.
لما تأكد له أن زوجه لم تكن هي من زرع تلك البذور التي أودعها في صرّة القماش قبل هجرتهم ، أسقط في يده!
التفت إلى حفيده فيما راحت يده تتحسس بآلية عكازه . ضيق عينيه وهو يتفحص عيون الصبي الذي سرعان ما انطلق فارّاً من كوّة الغرفة الطينية. لقد خبر الولدُ حقا كيف ينوشه ذلك العكاز بوجه الصقر ويأكل من قفاه في حالات يعرفها هو دون سواه!

* المْغرّات ( مغرّات المعيدي): مثل شعبي يضرب ولا يقاس إذ يعرف العراقيون بالتجربة أن فترة تعقب مباشرة رحيل الشتاء وارتفاع درجات الحرارة توحي بحلول الربيع ، دفعت برجل معيدي - يرعى الجاموس ويسكن الهور - إلى هدّ بيته القصب متوهما مقدم الصيف فيخونه الظرف إذ سرعان ما تشتي الطبيعة من جديد وينزل المطر.
** وايد : تعبير بصري- خليجي بمعنى - كثير-





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,421,315,253
- يبتسمُ الرجلُ الحديدي
- آذارُكِ يا رمزنا المعطاء
- زردة
- كلكامش ، الذي رأى ، ما عاد يليق به البكاء
- د ء آ دا أر دار - الصحافة - يا تحالف يا حكومة
- قبُيبات تراب
- طموحات ملقط مهووس
- عيدُ الحبّ سمكة
- !ملاقوك يا حسين
- سمكة دون زعانفها
- وأكَلْنا شَجَرَتنا الزيتون
- كزار حنتوش - يؤيؤ أيّكتنا
- الأخير والأول معا
- فراشة المستنقعات
- قبلة من وليد حسن الإنسان الفنان الشهيد
- جوْزتُنا تَنضو ثيابها
- كفاح حبيب .. نتونس بيك وانت معانا
- عصفور المشهداني ، ديك بريمر وقندرة شارلي شابلن
- عصفور المشهداني ، ديك برايمر وحذاء شارلي شابلن
- تنوع- لبابلو نيرودا


المزيد.....




- حزب الكتاب يطالب بالاسراع باخراج القانون الاطار للتربية والت ...
- للمسافرين.. ميزات جديدة لتطبيق الترجمة من غوغل
- بالفيديو.. في الذكرى الثالثة لانضمامها للتراث العالمي الأهوا ...
- الهتك.. فيلم مصري عن معاناة الشعب في ظل العسكر
- ممثل مصري مشهور ينهار بعد وفاة زوجته.. ويبكي جمهوره بحديثه ع ...
- تونس تحل ضيفة شرف على مهرجان مالمو للسينما العربية في دورته ...
- حوار مع الشاعر والقاص عبد الحكيم ربيعي مؤسس ملتقى أدب السجون ...
- مبتكر-المفتش مونتالبانو-.. وفاة الأديب الإيطالي أندريا كاميل ...
- بوادر أزمة بين البيجيدي وذراعه الدعوي بسبب القانون الاطار
- بعد سخط نانسي عجرم في مطار بيروت ... راغب علامة ينشر فيديو م ...


المزيد.....

- سيكولوجيا فنون الأداء / كلين ولسون
- المسرح في بريطانيا / رياض عصمت
- الدادائية والسريالية - مقدمة قصيرة جدًا / ديفيد هوبكنز
- هواجس عادية عن يناير غير عادى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- نشيد الاناشيد المصرى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- متر الوطن بكام ؟ سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كرباج ورا سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كتاب الشعر سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كتاب الشعر 1 سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- كانت وعاشت مصر سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - صباح محسن جاسم - مُزاح نهر