أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - فتحى سيد فرج - التنوع الثقافى الخلاق















المزيد.....


التنوع الثقافى الخلاق


فتحى سيد فرج

الحوار المتمدن-العدد: 1634 - 2006 / 8 / 6 - 00:48
المحور: دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات
    


فى عام 1991 اتخذ المؤتمر العام لليونسكو بالتعاون مع الأمين العام للأمم المتحدة قرارا بإنشاء اللجنة الدولية للثقافة والتنمية " wccd " وللأهمية القصوى لدور هذه اللجنة فى رسم خرائط عقلية مبتكرة تتأسس بها علاقات كوكبية تقودنا إلى عهود ثقافية نبنى بها عالم جديد ، تسود فيه معانى التسامح وحق الاختلاف واحترام المغايرة ، فقد تم تعيين السيد خافير بيريز كويلار المدير العام لليونسكو رئيسا لها ، ودعيت اثنتي عشرة شخصية رفيعة المقام ليكونوا أعضاء بها ، وقد تمكنت هذه اللجنة فى عام 1995 من أعداد تقرير عالمى عن الثقافة والتنمية تحت عنوان " تنوعنا الخلاق " وهو عنوان يصفه د . جابر عصفور بأنه يكشف عن منزع جديد فى فهم الثقافة الإنسانية من منظور الرؤية الكوكبية الوليدة التى تمثل الإطار المرجعى لهذا التقرير ، لذلك تحمست للأشراف على ترجمته ضمن المشروع القومى للترجمة الذى يصدر عن المجلس الأعلى للثقافة ، إدراكا لأهمية تقديم بعض التجليات الإيجابية لهذه النزعة إلى القارىء العربى ، وأتصور أن المتعة الفكرية قرينة الفائدة العملية التى يسعى هذا التقرير الى تحقيقها بواسطة ما يفرضه من حوارات راقية تدفعنا إلى أن نضع أفكارنا القديمة عن الاختلافات الإنسانية موضع المساءلة ، وذلك من منظور التحديات التى يفرضها مغيب قرن بأكمله وبزوغ قرن جديد يعد بالتفتح على إمكانيات لا حدود لها فى دائرة تنوعنا البشرى الذى لم ندرك بعد ثراء معناه إلى الآن .
هناك رأى تقليدى يرى الثقافة كمجرد عامل مساعد للتنمية الاقتصادية أو معوق لها ، وهو ما يؤدى الى الدعوة لأخذ العوامل الثقافية فى الاعتبار عند البدء فى عملية التنمية ، آلا أن الرأى الذى يقوم عليه هذا التقرير هو أن التنمية لا تشمل الوصول إلى السلع والخدمات فحسب ، بل هى أيضا فرصة لاختيار أسلوب حياة كاملة ، له قيمته فى الرقى بالوجود الإنساني بكل أشكاله ، ومن ثم فالثقافة لا يمكن الهبوط بها الى مستوى ثانوى لتصبح مجرد عامل مساعد أو معوق للنمو الاقتصادى ، ولا يقتصر دورها كأداة لتحقيق الأهداف ، بل أنها الأساس الاجتماعى للأهداف نفسها ، لذلك فان التنمية اذا انفصلت عن سياقها الإنساني والثقافى ، تصبح كائنا بلا روح ، من هنا فان التنمية الاقتصادية هى جزء من ثقافة أى شعب .
فالثقافة هى التى تحدد علاقتنا بالطبيعة والبيئة المادية ، بالأرض والكون ، وهى التى نعبر من خلالها عن موقفنا من أنماط الحياة الأخرى ، وليست هناك ضرورة تدعوا لأن تضم أية دولة ثقافة واحدة ، فهناك كثرة من الدول متعددة الثقافات والقوميات والأعراق ، وتضم عددا من اللغات والأديان ومناهج الحياة ، وقد تجنى مثل هذه الدول فوائد جمة من تعدديتها ، ويجب أن يكون المبدأ الأساسى ، هو العمل على احترام كل الثقافات التى تبدى قيمها تسامحا تجاه الغير .
وللحرية الثقافية مكانة خاصة ، فهى ليست كغيرها من الحريات لأسباب عديدة ، أولا ، إذا كانت معظم الحريات تعنى بالفرد ، فالحرية الثقافية تعد حرية جماعية ، ولب الحرية الفردية يقع فى السياق الاجتماعى ، ثانيا ، ان الحرية الثقافية بتفسيرها الصحيح هى ضمان للحرية ككل ، فهى لا تحمى الجماعة وحسب ، بل تحمى حقوق كل فرد فيها ، ثالثا ، ان الحرية الثقافية بحمايتها سبل الحياة تشجع على الإبداع والتجريب والتنوع ، ما يؤدى الى جعل هذه المجتمعات متجددة ودينامية ، وأخيرا فالحرية ضرورية للثقافة خاصة حرية أسلوب الحياة وما له من قيمة ، ويلجأ الناس للثقافة كوسيلة للتعريف بالذات والتأكيد على القيم المحلية ، والفقراء خاصة لا يملكون سوى قيمهم لكى يؤكدوا عليها .
ونتيجة للتغير السريع وانتشار ثقافة الغرب ، بما تملكه من قدرات فائقة ووسائل الاتصال الكثيف ، والنمو المتزايد فى حركة الاستثمار الاقتصادى و التبادل التجارى ، مما أدى الى تقارب أجزاء العالم ، بينما لم يكن هناك نفس القدر من انتشار الثقافات الشعبية والمحلية ، وهناك خطر ماثل فى محاولة التوحد العالمى ، والعمل على تفتيت الثقافات التقليدية ، وكما يقول أرنولد توينبى : ان عصرنا هو أول جيل منذ فجر التاريخ يجرؤ فيه البشر على الأيمان بإمكانية إتاحة فوائد الحضارة للجنس البشرى كله ، هذا جعل التقرير يطرح تساءل عن : لماذا نحن فى حاجة لأخلاقيات عالمية جديدة ؟ فالعمل على توفير ظروف تسمح لكل البشر فى كل أرجاء العالم بحياة كريمة ، وتأمين مستقبل أفضل للجميع ، يحتاج إلي تضحيات وتغييرات جذرية فى المواقف والتوجهات ، وفى الأولويات الاجتماعية ، وأنماط السلوك والاستهلاك ، ومعتقدات البشر ، وهى مهمات صعبة فى ظل ما يواجه العالم من مشكلات ، كل منها يحتاج الى حل عاجل ، ويتوقف تحقيق خطوات ملموسة فى طريق حل مثل هذه المشاكل على قدر كبير من التعاون بين البشر ، وإذا كانت الجماعات الإنسانية منذ نشأة التاريخ تتبادل الخبرات والاكتشافات والمعارف ، وقد ساهم ذلك فى تطور المجتمعات ، فلابد من استمرار العمل على دعم التعايش الثقافى من خلال عقد اتفاقيات يتم التفاوض عليها فى إطار أخلاقيات عالمية جديدة ، تنطبق بالتساوى على كل المشاركين فيها ، وتتوقف كفاءتها على قدرة الناس والحكومات على الترفع عن المصالح الذاتية الضيقة ، وموافقتها على أن مصالح البشرية ككل ، تكمن فى قبول مجموعة من الحقوق والمسئوليات المشتركة ، مما يجعل التعاون بين مختلف الشعوب ذات الاهتمامات المختلفة والثقافات المتباينة يصبح ممكنا .
وهناك مصادر لهذه الأخلاقيات العالمية يمكن آن نجدها فى كل المواريث الثقافية تقريبا ، قد تكون إلهاما للوصول لهذه الأخلاقيات ، منها فكرة الضعف الإنساني والدافع الأخلاقى لرفع المعاناة ، وتوفير الأمن لكل فرد بقدر الإمكان ، وهى فكرة نجدها بصورة أو أخرى فى أغلب الثقافات الكبرى ، كما تعد قواعد حقوق الإنسان ، ومبادىء الشرعية الديمقراطية ، والمسئولية العامة ، والوعى بوجود نظام مشترك للحفاظ على سلامة البيئة والتنمية المستدامة ، من المبادىء الرئيسية المرشحة لأن تؤخذ فى الاعتبار فى هذا الصدد ، لذلك فان عناصر الأخلاقيات العالمية يجب أن تستمد من هذه المصادر ، ويقترح التقرير ضرورة أن تكون الأفكار التالية جوهر أية أخلاقيات عالمية جديدة :
* حقوق الإنسان : باعتبارها معيارا للسلوك الدولى ، بل وعلى المستوى القومى والوطنى .
* الديمقراطية : كمفهوم لحق تقرير المصير فى الثقافة المدنية لكل الشعوب .
* دور المجتمع المدنى فى تأكيد مبادى الديمقراطية ، وقيم حقوق الإنسان ، ودعم المشاركة فى صنع إقرار .
* حماية الأقليات : حيث يجب أن يتمتع أعضاء الأقليات بنفس الحقوق والحريات الأساسية ، ودعم التسامح والتعايش
وتشجيع التنوع الثقافى .
* الالتزام بحل الصراعات سلما وعدالة التفاوض : فالتكاليف الاقتصادية والاجتماعية وتبديد الموارد المحدودة فى الصراعات
المسلحة يتجاوز حدود المعقول، لذا فان ثقافة السلام ليست مجرد نظرية أو مجموعة من المبادىء ، بل هى عملية تنبنى على
دعم التفاوض المباشر لحل الصراعات ، وفضح المصالح التى تكمن وراء تكديس الأسلحة .
* المساواة بين الأجيال : فكل جيل يعتبر مستخدما لتراث البشرية الطبيعى والثقافى المشترك ، وحارسا عليه ، وبالتالى يجب
أن يترك لأجيال المستقبل نفس الفرص التى حظى بها الجيل الحاضر ، وربما كانت الحضارة الحديثة فى حاجة الى التعلم
من الثقافات المحلية التى تنظر الى الأفراد والأجيال باعتبارهم أعضاء فى سلسلة عائلية واحدة .
من هنا فأن دور الأخلاقيات العالمية يمثل الحد الأدنى للمستويات التى ينبغى لأية جماعة إنسانية ضرورة الالتزام بها ، بما لا ينفى تعدد المناهج التنموية ، والتنوع الثقافى ، فليس هناك ما يدعو لألزام كل المجتمعات باتباع طريق واحد دون غيره فى الوصول الى أهدافها .
ضرورة الالتزام بالتعددية
فى عالم يتكون من حوالى 190 دولة ، والكثرة من هذه الدول متعددة الطوائف ، والقوميات ، والأعراق، والأديان ، ويتحدث البشر فيها بلغات ولهجات متميزة ، فقد ينجم عن عدم أدراك مثل هذه التعقيدات حالات من فشل التنمية ، أو صراعات تستخدم فيها هذه الاختلافات كعناصر متعارضة ، فهناك صراعات بين الأقليات وبعضها ، أو بين الأقلية والأغلبية ، كما تتعرض بعض الأقليات للقهر فى العديد من الدول ، وقد أصبحت حقوق الأقلية احدى القضايا الجغرافية والسياسية المهمة فى العقود القليلة الماضية ، والفكرة وراء مثل هذه المواجهات تنشأ بسبب مفاهيم سياسية عن الدولة ، التى تقوم على أسس قومية، أو عرقية ، أو دينية ، فى مواجهة مفهوم الدولة المدنية التى يقوم دورها على احترام مصالح كل الطوائف والأعراق والأديان ، ويشترك جميع أفرادها فى حقوق المواطنة ، وحق الدفاع عن رموزها وقيمها .
كما اننا نرى وجود مظاهر لنزاعات سلبية تهدد الأمن القومى والسلام العالمى ، مثل عقدة كره الأجانب التى تؤججها عدة مصادر فى العصر الراهن ، فقد أدى ظهور دعوات لحماية الهويات القومية ، أو المناداة بحماية السلالة المحلية النقية ، أو تصورات الغرق وسط قطعان الغزاة ، الى وجود نعرات عنصرية ، تقوم فى غالب الأحيان على اعتقاد بتفوق الذات ، وقد تميزت بعض الشعوب بالعنصرية ، وسمحت بتبرير الاستعمار ، وكانت الأساس الذى قامت عليه الأيديولوجية النازية ،
وفى غمار بناء الأمم الحديثة فى الأمريكيتين وأستراليا ، كانت الشعوب المحلية صاحبة الأرض والتراث تعتبر عقبة تواجه الوحدة القومية ، وقد تعرضت ثقافات هذه الشعوب المحلية للتهميش ، وكانت النتيجة ضياع رموز ثقافية ، فعندما يفقد شعب هويته ، مع تأكل أرضه وموارده ، وتقلص استخدامه للغته ومؤسساته التلقائية ، وتراثه وفنونه ، وممارساته الدينية ، بفعل سياسات حكومية منظمة ، أو من جراء عمليات تنمية مشوهة لا تراعى التنوع والتميز الثقافى ، وقد يصل الأمر الى الإبادة الجماعية ، أو انقراض بعض هذه الشعوب ، فان ذلك يمثل جرائم ضد الإنسانية ، وكانت العنصرية أيضا كامنة فى جذور هذا الأمر ، لأن الشعوب المحلية كانت تعتبر أدنى من الشعوب ذات الجنس الأوربي ، ولم تكن مثل هذه الآراء حكرا على الغرب ، فهناك من يزعم أن أفريقيا للأفارقة ، وأسيا للأسيويين .
وإذا كانت الأديان على اختلافها تمثل اتجاهات ثقافية ورمزية وعقائدية ، وتعكس التنوع فى التجربة الإنسانية ، وتباين السبل مع وعد الحياة وتحمل تحدياتها ومآسيها ، فأن ظاهرة الأصولية التى يمكن النظر أليها كظواهر إيجابية تمثل بحثا عن الهوية ، وكرد فعل لأزمة الانتماء ، كما يمكن كذلك النظر أليها باعتبارها ظواهر سلبية ، خاصة فى حالة اصتباغ الدين بالسياسة ، أو السياسة بالدين ، كعامل فى زيادة حدة الصراعات ، أو سيادة آراء متطرفة تنظر إلى ماضى فى الخيال ، وتراه أكثر بساطة واستقرار ، وبالتالى فهى تمهد الأرض لمختلف أشكال العنف والاضطرابات .
ولمواجهة كل ذلك فأننا نشير الى تقرير عالمى ينص على أن الجنس البشرى ولأول مرة لديه القدرة على بناء مستقبله ، لا على وهم الأيديولوجيات ، أو النعرات العنصرية ، أو العقائدية ، بل على مجموعة من القيم المشتركة ، حتى ولو اختلفت أفضليتها من شعب إلى أخر ، ويمكن تطوير المساواة فى العلاقات باعتبارها أمر حيوى بالنسبة للتنمية البشرية ، ووقف تبديد الطاقات فى صراعات عرقية أو أيديولوجية أو دينية ، ولا يمكن تحقيق ذلك الا بتقبل الاختلافات ، واعتبارها جوهر للتفاوض وتسوية المنازعات ، فالتعددية ليست مجرد غاية فى حد ذاتها ، وإنما الاعتراف بالاختلاف ما هو إلا شرط لبدء الحوار ، وبالتالى لبناء مجتمعات أوسع نطاقا بين أناس مختلفين ، وعلى الرغم من المصاعب فاننا نواجه مصيرا محتوما ، ولابد من أيجاد سبل للتوفيق بين تعددية جديدة ومواطنة مشتركة ، وقد لا يكون الهدف مجرد مجتمع متعدد الثقافات ، بل دولة تتألف من ثقافات متعددة ، دولة تعترف بالتعددية دون أن تفقد وحدتها ، وبرغم أننا نشترك فى إنسانية واحدة ، فان هذا لن يجعل منا أعضاء فى قبيلة عالمية واحدة ، فتنوع الجنس البشرى هو الذى يضرب بجذوره فى هذه الإنسانية المشتركة .
الإبداع والتمكين
اذا كان مصطلح ثقافة فى معناه الأصلى هو الصقل والتهذيب ، فمن الضرورى أن يتم صقل الإبداع الإنساني وتهذيبه ، ففى مناخ التغيرات المتلاحقة ، يمكن للأفراد والجماعات ان تتكيف مع الجديد وتوفق بين واقعها والخيال الإبداعي ، وبما آن كل شخص لديه القدرة على الإبداع ،إلا أن هذه القدرة قد تضيع اذا لم يتوفر لها من يرعاها ، لذا فان شرارة الإبداع الفنى تتسم بالندرة وتحتاج الى من يؤججها بمجرد انطلاقها على أمل أن تتوهج ، ويمكن أن يكون الفن إبداعا جماعيا ، حيث كانت الفنون جزء لا ينفصل عن مجرى الحياة ، وعنصر يرتقى بالعمل العادى ، لذا فان الإبداع ارث الأغنياء والفقراء ، الأغلبية والأقلية ، المتعلم والأمى على السواء ، ونحن هنا نقصد الإبداع بمفهومه الواسع ، ليس مجرد إنتاج أشكال فنية ، ولكن للدلالة على قدرة الأفراد والجماعات على المساهمة فى حل المشكلات الحياتية فى كل المجالات ، فالى جانب الفن فالإبداع حيوى بالنسبة للصناعة والتجارة والتعليم والتنمية ، لذا فمن المهم ألا يؤدى التركيز على الفنون إلى إهمال المشروعات المبتكرة التى يمكن أن تدفع بدم جديد فى النسيج الاجتماعى .
ومن أهم نواتج الإبداع نجد ما يمثله التقدم التقنى الذى قد يكون حقق للإنسان الكثير من الأحلام ، لكنه أتى بكوابيس تقنية مزعجة ، مثل الأسلحة التى تستطيع تدمير كوكب الأرض كله ، أو التلاعب فى بنية الجينات البشرية ، وما يمكن أن يؤدى إليه الاستخدام الكثيف للتقنية الحديثة من تفشى البطالة ، كما آن خيالنا الاجتماعى والسياسى لم يواكب ما حققه خيالنا العلمى والتقنى ، فقد تعامل العلماء مع أدق خصائص الذرة ، وأبعد مجالات الفضاء ، وفكوا الشفرة الجينية ، واستخدموا الهندسة الوراثية ، الا أننا لا نزال سياسيا واجتماعيا غارقين فى كيانات عتيقة كنظام الدولة القومية ، أو التناقض بين القطاعين العام والخاص ، أو الجدل حول مميزات الرأسمالية ومساوئها وبدائلها ، ويقال ان الحكومات المركزية بعد أن اغتصبت المزيد من السلطات قد أصبحت أصغر من اللازم بالنسبة للأشياء الكبيرة ، وأكبر من اللازم بالنسبة للأشياء الصغيرة ، وقد سمعنا كثيرا عن تفكيك مركزية الحكومة ، والتركيز على المشاركة ، وضم ممثلى المجتمع المدنى للمنظمات الدولية ، وعلى المستوى الاقتصادى كانت عملية مركزية اتخاذ القرار أيضا تحكم العلاقات بين الإدارة والعمال ، ونحن نعلم أن الناس لا تقدم أفضل ما عندها فى ظل صرامة التوجه ، فينبغى إدخال الديمقراطية والمشاركة لا فى السياسة وحسب ، بل فى المؤسسات الاقتصادية ، وليس فى الحكومة والشركات التى تسعى للربح وحسب ، بل فى الجمعيات التطوعية والمنظمات الأهلية .
ومن الابتكارات الاجتماعية المهمة فى هذا الصدد ما يتم التركيز عليه فى الآونة الأخيرة من مفهوم التمكين ، الذى يؤدى إلى رفع قدرة الناس على ممارسة مزيد من الاختيار من خلال المشاركة المباشرة فى عملية اتخاذ القرار ، أو حتى بالوصول إلى من لديهم سلطة اتخاذ القرار والتأثير عليهم ، ويشمل التمكين إعطاء الناس القدرة على التعبير عن هويتهم الثقافية ، وعن آمالهم وتطلعاتهم ، لا يكفى أن نقدم للفقراء مساعدات عينية ، بل يجب تمكينهم لكى يغيروا نظرتهم لأنفسهم وكأنهم عاجزين .
النوع والثقافة
من أكثر القضايا حساسية فى العالم السريع التغير ، كانت قضية النوع ، فالهوية النوعية تقوم أساسا على تميز الرجال فى علاقتهم بالنساء ، وأى تغير لأوضاع هذه العلاقة سيؤثر حتما فى صورة الذات عند الرجال ، فقد يشعرون بأن النسوة لم يعدن نساء حقيقيات ، وأنهم لم يعودوا رجالا ، ولا يمكن للجميع طرد مثل هذه المشاعر ، حيث أن تلك العلاقة الجوهرية تجد التعبير عنها فى الطقوس والرموز وليس فى لغة العقل ، ويفسر هذا جزئيا قوة المقاومة التى غالبا ما يبديها الرجال وبشكل أشد النساء أيضا فى هذا المجال ، ومع ذلك فالتغير يجرى فى مسيرة الحياة وهناك قوة دافعة لاعتبار النساء فاعلات فى التنمية ، بل وكل مجالات الحياة ، فمنذ مؤتمر المرأة بالمكسيك عام 1975 والمحاولات تجرى لسد ثغرات النوع فى مجالات التعليم والمشاركة فى قوة العمل والرعاية الاجتماعية والحقوق السياسية والمدنية ، وقد اعتبرت إزالة عدم المساواة بين الرجال والنساء ، هدف بديهى يجد مبرره فى الوصول إلى مزيد من التنمية ، وتدعيم حقوق المرأة الإنسانية .
وقد برزت فى الصدارة مفاهيم الخصوصية الثقافية بطرق جديدة ، فالنساء أصبح ينظر لهن باعتبارهن حاملات رموز الثقافة ، وخلال العقدين اللذان مرا منذ مؤتمر المكسيك وحتى مؤتمر بكين عام 1995،أحرزت تحسينات جوهرية ، وتصور للتنمية باعتبارها تساهم فى تحقيق المساواة بين النوعين كأداة فى الصراع ضد الفقر ، وضاقت الفجوات بين النوعين فى مجالى التعليم والصحة ، كما زاد معدل طول العمر للإناث أسرع من الزيادة المماثلة فى عمر الرجال ، وانخفضت معدلات الخصوبة ، وقد ادى كل ذلك الى اتساع مجالات الخيارات الحياتية أمام النساء مع تزايد تحررهن من اعباء تكرار الحمل ، ومن خطر الوفاة أثناء الوضع ، كما ساعد ذلك فى امكانية مشاركتهن فى الأنشطة السياسية والاقتصادية ومجالات العمل الاجتماعى .
ورغم كل ذلك فما زال عالمنا يشهد الكثير من عدم المساواة ، فالنساء الأميات فى بعض الدول النامية يصل نسبتهن الى اثنتان مقابل واحد من الرجال ، وتحتل الفتيات 60 % من الأطفال خارج التعليم الأبتدائى ، وتعانى المرأة من تدهور الحالة الصحية خاصة فيما يتعلق بأمراض النوع ، و70 % من فقراء العالم من النساء ، ولم ترتفع نسبة مشاركة المرأة فى القوى العاملة على مر عشرين عاما الا بمقدار 4 % ، ولا تلقى النساء من المؤسسات المصرفية آلا قدرا ضئيلا غير متناسب مع الرجال ، وتتلقى النساء عادة متوسطات أجور تقل عن الرجال لأنهن يشغلن وظائف ضعيفة المرتب ، وفى العديد من البلدان يصل متوسط أجر المرأة الى ثلاثة أرباع ما يتلقاه الرجال ، وتفوق معدلات البطالة بين النساء معدلاتها بين الرجال ، كما تشكل النساء أقل من سبع عدد المديرين والمشرفين ، وتشغل فقط 10 % من مقاعد البرلمانات ، و6 % من المناصب الوزارية ، ولا تعطى الفرصة لشغل مناصب القضاء والمستويات العليا من المناصب الحاكمة .
وتعد الثقافة فى هذا السياق مفهوما ذا حدين ، يستخدم أحيانا لتأكيد الجانب الإيجابي من الهوية ، ومن ناحية أخرى لضمان الالتزام القوى بمعايير المجتمع ومعاقبة الانحراف عنها ، فهناك من يرفع شعارات القواعد التراثية والدينية دفاعا عن استمرار الامتيازات الخاصة بالرجال ، ويجرى التمسك الصارم بها باسم التماسك الثقافى ، وكمثال على ذلك ، حق الرجل فى تعدد الزوجات الذى يعامل باعتباره مقولة رئيسية للشريعة الإسلامية ، فى حين أن حق المرأة فى الميراث الذى تنص عليه نفس الشريعة كثيرا ما يتم التجاهل عنه ، كما تظل الممارسات القهرية كختان الإناث وحرق الأرامل وقتل المواليد من الإناث ، فى العديد من البلدان كميراث لبعض الثقافات المتخلفة .
التراث الثقافى والتنمية
ورث جيلنا ثروة من المصادر الثقافية تعتبر دين فى عنق البشرية وأمانة لا يمكن أن تتجدد ، وقد تبلور الوعى بمسئولية الحفاظ على هذا التراث فى الآونة الأخيرة ، وأصبح حركة عالمية تفاخر بها جهود التعاون الثقافى الدولى ، وتنامى الاعتراف بان ذلك يساهم فى تدعيم الذات خاصة بالنسبة للأقليات المقهورة، وكذلك توثيق عرى العلاقات بين كافة الشعوب لخدمة قضايا مشتركة ، وقد انصب الاهتمام بالمصادر المادية ، أى الآثار والمواقع التاريخية التى كانت المستفيد الأول من هذه الجهود ، ولم يكن للتراث غير المادى نفس القدر من الاهتمام ، ورغم أن كل أشكال التراث هشة الكيان، الا أن الأشكال غير المادية أكثر هشاشة ، لذلك مات الكثير من الأفكار التى أنتجت الآثار والمواقع والقطع الفنية ، حدث ذلك مذ عقود مضت فى العالم الصناعى ، لكن وجود مثل هذه الأشكال فى أماكن أخرى من العالم يعنى أن مصادر التراث ليست مجرد أدلة على تقدير الماضى ، بل هى قوى تدخل فى الممارسات الحية للشعوب .
وأذا نظرنا للوضع الحالى فمازال فهم التراث يخضع لرؤية أحادية تسيطر عليها المعايير الجمالية والتاريخية ، فما يحظى بالاهتمام ، الأثر الفخم وليس البسيط ، المكتوب وليس الشفاهى ، المقدس وليس الدنيوى ، وقد حان الوقت لإعمال مدخل أنثروبولوجى فى هذا المجال ، يقوم أولا على مبدأ الاعتراف بالتنوع ، وثانيا بتوسيع مفهوم التراث ليشمل الحفاظ على الثقافة بمعناها العريض مادية كانت أو غير مادية .







كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,428,574,869
- الفكر العربى وسوسيولوجيا الفشل - المقالة الأولى
- المسرح فى مصر الفرعونية المقالة الأولى
- علوم جديدة... وتعليم مغاير
- لماذا توقف العلم فى الحضارة العربية الإسلامية ؟ 8 من 8
- لماذا توقف العلم فى الحضارة العربية الإسلامية ؟ 7 من 8
- لماذا توقف العلم فى الحضارة العربية الإسلامية ؟ 5 من 8
- لماذا توقف العلم فى الحضارة العربية الإسلامية ؟4-8
- لماذا توقف العلم فى الحضارة العربية الإسلامية ؟ 3 من 8
- إشكالية النهضة عند الطهطاوى
- قراءات ورؤى حول مشروع النهضة


المزيد.....




- إطلاق نار على اريتري في ألمانيا -بسبب لون بشرته-
- من تونس.. السراج ومسؤول أميركي يؤكدان أهمية وقف القتال بطراب ...
- -آبل- تدفع مليار دولار لاقتناء تقنيات جديدة للهواتف!
- بسبب FaceApp.. مشروع قانون جديد أمام الكونغرس
- متحدث عسكري أميركي للجزيرة: ربما أسقطنا طائرة إيرانية مسيرة ...
- حالة تأهب قصوى في مقاطعة -أمور- الروسية بسبب الفيضانات
- الكتاب الأبيض الصيني: بكين تؤيد فرض حظر كامل على الأسلحة الن ...
- الدفاع الصينية: لم تنتهك الطائرات الروسية والصينية المجال ال ...
- السودان: حزب التحرير يطالب بإقامة دولة الخلافة
- جمال كريمي بنشقرون : لا ديمقراطية ولا تنمية دون تعليم في الم ...


المزيد.....

- التاريخ المقارن / محسن ريري
- ملكيه الأرض فى القرن الثامن عشر على ضوء مشاهدات علماء الحملة ... / سعيد العليمى
- إملشيل، الذاكرة الجماعية / باسو وجبور، لحسن ايت الفقيه
- أوراق في الاستشراق / عبد الكريم بولعيون
- إشكالية الخطاب وأبعاده التداولية في التراث العربي واللسانيات ... / زهير عزيز
- سلسلة وثائق من الشرق الادنى القديم(1): القوائم الملكية والتا ... / د. اسامة عدنان يحيى
- التجذر بدل الاقتلاع عند سيمون فايل / زهير الخويلدي
- كتاب الدولة السودانية : النشأة والخصائص / تاج السر عثمان
- العقل الفلسفي بين التكوين والبنية / زهير الخويلدي
- اساطير التوراه واسطورة الاناجيل / هشام حتاته


المزيد.....

الصفحة الرئيسية - دراسات وابحاث في التاريخ والتراث واللغات - فتحى سيد فرج - التنوع الثقافى الخلاق