أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - أشواق عباس - الإصلاح في العالم العربي وإشكالية التكامل العقلاني للمصالح القومية والدولية- الجزء الخامس















المزيد.....



الإصلاح في العالم العربي وإشكالية التكامل العقلاني للمصالح القومية والدولية- الجزء الخامس


أشواق عباس

الحوار المتمدن-العدد: 1605 - 2006 / 7 / 8 - 11:19
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


دراسة وتحليل الأنظمة السياسية العربية المعاصرة.

توصلنا في الفصل السابق إلى أنَّ حصيلة التجارب النظرية والعملية الإصلاحية في الدول العربية بدءً من عام 1800، وحتى نهاية عصر النهضة، تشير إلى أنَّ أغلب الإشكاليات الكبرى التي تناولها فكر النهضة، وبالأخص ما يتعلق منها بالنظام السياسي الأمثل، قد ظلت دون حلول جذرية. بل يمكن توكيد الفكرة القائلة، بأنَّ العالم العربي لم يفلح حتى في تأسيس نظم سياسية قادرة على مواجهة التحديات التاريخية الكبرى للعالم المعاصر. وهو الأمر الذي يعطي لنا إمكانية الافتراض بأنَّ العالم العربي مازال في طور البحث عن النظام السياسي العقلاني، وتأسيس نماذج بديلة لما هو قائم. وهي فرضية يمكن الانطلاق في البرهنة عليها من حقيقتين: الأولى وتقوم في أنَّ العالم العربي لم يستطع تذليل الهوة بينه وبين العالم الصناعي المتطور، بل على العكس إنَّ الفجوة في ازدياد مستمر، مما يعني أنّه لم يزل في "عالم ثالث" أو أدنى منه. والثانية في تأزم الأنظمة السياسية قاطبة في العالم العربي على الصعيد السياسي والاجتماعي والثقافي. وهما حقيقتان تشكلان صلب الجدل الدائر والمستقبلي حول الشرعية التاريخية والاجتماعية للأنظمة السياسية العربية. لاسيما وأنّها شرعية لم تعد في ظروف العالم المعاصر، ومنظومة العلاقات الدولية الجديدة جزءاً من "الحقوق القومية" و"السيادة الوطنية" و"القانون الدولي" بشكل عام، والمادة المتعلقة بعدم التدخل في الشئون الداخلية للدول الأخرى بشكل خاص. على العكس إنّها أخذت تتحول إلى جزء متنام من العلاقات الدولية الجديدة، أو على الأقل إحدى عناصره التي يحتمل مع مرور الزمن أنّ تصبح جزءاً من القانون الدولي.
وهو الأمر الذي يجعل من قضية الشرعية الداخلية للدولة جزءاً مكملاً، إن لم يكن عضوياً على المدى القريب من الشرعية الخارجية، أي من العلاقات الدولية ومن ثم القانون الدولي. من هنا الأهمية العلمية والعملية الكبيرة لدراسة فكرة الشرعية من خلال تحليل طبيعة الأنظمة السياسية العربية. وهي مهمة تفترض بدورها تناول هذه القضية بصورة تاريخية، أي عبر البحث في كيفية ظهور وتبلور هذه الأنظمة السياسية في مجرى القرن العشرين. ولا يمكن تحقيق هذه المهمة دون الدراسة الموضوعية لهذه الأنظمة من خلال عرضها على معايير دقيقة بغية تصنيفها بالشكل الذي يعطينا إمكانية رؤية طبيعتها كما هي. فهي المقدمة الضرورية من أجل إبراز أوجه الاختلاف والتشابه بينها من جهة، ومدى قدرتها الذاتية على الإصلاح والتطور من جهة ثانية.
إنَّ دراسة الأنظمة السياسية المعاصرة تفترض الانطلاق أولاً من تحليل ودراسة مستوى وطبيعة تأثير العوامل الداخلية والخارجية على صيرورتها، لاسيما بعد ظهور التأثير المتبادل بين المحددات الداخلية والخارجية لدور الدولة، الذي وصفه جيمس روزيناو بسياسة الوصل "Linkage Politics"، أي دراسة مستوى وحدود تأثير أسلوب التنمية الذي تعتمده الدولة على سلوكها الخارجي.
وتفترض ثانياً: دراسة مدى تأثير العوامل الإقليمية على تطور الأوضاع الداخلية في هذه النظم على مستوى الفكرة والممارسة، سواء ما يظهر منها على شكل نزاعات بينية (العربية – العربية)، أو ظواهر أخرى عديدة مثل الهجرة غير المنظمة والتبادل العشوائي، وغيرها.
ثالثاً: دراسة طبيعة وكيفية التحولات السياسية التي طرأت على الدولة العربية الحديثة، والتي مازالت ضعيفة الاستقرار. وهي تحولات لا يمكن عزلها عن طبيعة الصراع العالمي، والتحولات الكبرى التي حدثت في مجرى العقدين الأخيرين في القرن العشرين. إضافةً إلى التحولات الاجتماعية والثقافية التي ترافق كل تحول سياسي داخلي وخارجي، وبالتالي ظهور مختلف أشكال الصراع بين القديم والجديد.
كل ذلك يجعل من الضروري تحديد الاتجاه العام للموقف من طبيعة الأنظمة السياسية العربية. عموماً يمكن القول بأنَّ هناك جملة من الخيارات العامة التي يمكن الاعتماد عليها عند القيام بوضع معايير لتحليل وتصنيف الأنظمة السياسية العربية، لعل أبرزها:
أولاً: أن يتم التعامل مع كل نموذج بمفرده من خلال دراسة خصوصيته وتمايزه عن النماذج الأخرى.
ثانياً: أن يتم اعتماد معايير تسمح باستيعاب كل النماذج.
ثالثاً: أن يتم وضع معايير تتمتع بشيء من المرونة.
إنّ تحقيق الفرضيات العامة المدرجة في مقدمة البحث، تفترض اعتماد الخيار الثالث في دراسة وتحليل النظم السياسية العربية. وذلك لأنَّ الخيار الأول يتجاهل الخصوصية الفردية لكل نموذج من الأنظمة السياسية العربية، أما الخيار الثاني فيهمل حالات التشابه والاختلاف بين هذه النظم. في حين يعطي الثالث إمكانية احتواء كل أوجه الاختلاف والتشابه من جهة، والعمل على تعميم حصيلة المعرفة المتفحصة بمعايير الرؤية الموضوعية من جهة أخرى. إنَّ وضع معايير تتصف بالمرونة، أي معايير تحتوي بقدر واحد على عناصر الرؤية الموضوعية والعلمية، والقدرة على احتواء التشابه والاختلاف بين أنظمة سياسية متنوعة، لكنها تنتمي في الوقت نفسه إلى أمة واحدة. تساعد بشكل كبير في دراسة وتحليل الأنظمة السياسية العربية. إذ أنّنا لم نجد إلا أبحاثاً قليلة بهذا الصدد. وهي أبحاث تتصف بالعمومية والاجتزاء الذي يطغي على الكثير منها الرؤية السياسية التقليدية أو الإيديولوجية. وكلاهما يمثلان مستوى في الرؤية السياسية، لأنهما لا يستطيعان الارتقاء إلى مصاف الرؤية العلمية الدقيقة. من هنا أهمية العمل على وضع معايير قادرة على احتواء المكونات الجوهرية للنظم السياسية العربية المعاصرة، وبالأخص ما يتعلق منها بدارسة وتدقيق وتحقيق مستوى الشرعية فيها. ومن بين أهم هذه المعايير هي:

• معيار شكل السلطة ونظام الحكم.
هو المعيار الأولي الذي يعطي لنا إمكانية الرؤية الموضوعية لمستوى تطابق الاسم والمسمى في شكل الدولة ومضمونها، ومدى مطابقة كل منهما لما فيه. فهو يعطي إمكانية تصنيف الدول إلى ملكية وجمهورية، ومن ثم تدقيق أشكالها الخاصة مثل الملكية المطلقة أو التيوقراطية أو الدستورية، والشئ نفسه يمكن قوله عن الجمهوريات. وبتطبيقه على الدول العربية نجد أنَّ هناك ثماني دول ذات نظام ملكي (السعودية، الكويت، قطر، البحرين، عُمان، الإمارات العربية المتحدة، الأردن، المغرب)، وهو عدد كبير نسبياً قياساً بانحسار النظم الملكية عالمياً.
استفادت هذه النظم الملكية من مجموعة عوامل لِتَضمَنَ استمرارها، يأتي في مقدمتها الاستفادة من تجارب النظم الملكية السابقة، وتطعيم مصادر شرعيتها (مصادر تقليدية) بمصادر جديدة، إضافة إلى الدور الذي لعبه النفط وفوائضه المالية (باستثناء المغرب والأردن)، وانحسار المد القومي في المنطقة بعد عقدي الخمسينيات والستينيات.
أما باقي الدول العربية ذات النظام الجمهوري، فقد جمعتها خصائص مشتركة مثل تبنيها لإيديولوجيات الاشتراكية بعد الاستقلال، ورفض فكرة الليبرالية السياسية والاقتصادية، والأحلاف الأجنبية ومناهضة الاستعمار. لكنها اختلفت فيما بينها في مراحل لاحقة. بعضها انتقل مباشرةً إلى نظام الحزب الواحد (الجزائر– اليمن الجنوبي قبل الوحدة)، والأخر بانقلابات عسكرية حزبية عديدة للوصول إلى السلطة (سوريا شهدت خلال عام 1949 ثلاثة انقلابات عسكرية، ليبيا شهدت محاولتين انقلابين في عامي 1969-1970). بل إنَّ بعضها عرف عدة أنماط لتداول السلطة (النموذج المصري شهد خلال الفترة 1952-1999 نمطين أولهما التدخل العسكري الذي أطاح بالنظام الملكي، وثانيهما الاستفتاء الذي جاء بالسادات ومن بعده مبارك إلى السلطة).
ورغم أنَّ غالبية الدول العربية تحولت إلى النموذج الرئاسي، لكنها عملياً أفرغته من مضمونه الحقيقي الذي يقوم على أساس محورية دور السلطة التنفيذية في العملية السياسية، وعلى التوازن بين كل من سلطات الرئيس والبرلمان. حيث ضَخّمت من صلاحيات الرئيس على حساب البرلمان، وأبقت الرقابة البرلمانية شكلية. الأمر الذي أفقدها السمات الأساسية للنظم الرئاسية. وأما النتيجة فهي صورية الدستور "المؤقت"، وعدم وجود انتخابات حقيقية وأحزاب تمارس دوراً فعلياً، ويقابل ذلك صلاحيات واسعة لرئيس الدولة، وعدم مسؤوليته النظرية أو الفعلية أمام البرلمان (باستثناء النموذج اللبناني).
وتجمع الدراسات السياسية العلمية على ضعف وخلل بنية النظام الملكي والرئاسي. إذ بغض النظر عن أنَّ النظام الملكي مبني على الوراثة بوصفها أسلوب تداول السلطة، إلا أنَّ ذلك لم يحل دون انتهاك هذا المبدأ لتغيير شخص الحاكم عند وقوع الخلافات داخل الأسر الحاكمة. وبالمثل تماماً لم تَحل الانتخابات المباشرة أو غير المباشرة، التي تعتبر أساس تداول السلطة في النظم الجمهورية، دون انتهاك هذا المبدأ، بل يمكن القول بأنَّ الفارق المفترض بين كلا النظامين، هو سند إسناد السلطة في كلٍ منهما.
وهنا يمكننا أن نأخذ أحد النماذج على ذلك، دولة الكويت (بين عامي 1988-1989)، فمن الناحية الشكلية تعتبر ذات نظام برلماني، ولكن من الناحية الفعلية تقوم السلطة التنفيذية بتعيين خمسة عشر عضواً فيه من أصل خمسة وستين عضواً، أي أنَّ 23 % من الأعضاء هم غير منتخبين.
مما سبق، يتضح، بأنَّ عدم تجانس هذا المعيار من الناحية التطبيقية على أوضاع النظم العربية السياسية الحالية، لكن ذلك لا ينفي قيمته المعيارية بالنسبة لتحديد النظام السياسي.

• معيار الشرعية ومصادرها.
تُعدّ الشرعية وحدة التحليل الأساسية للنظام السياسي، والقاعدة الرئيسية لمعرفة فعالية السلطة السياسية. وهو ما يعطي هذا المعيار أهمية كبرى. لقد اعتمدت النظم السياسية العربية في ضمان استمرار شرعيتها، على مصادر متعددة، كانت تتناسب وشكل سلطتها ونظام حكمها. الملكيات العربية ارتكزت على المصادر التقليدية التي تقوم على مجموعة التقاليد الدينية والأعراف القبلية والعشائرية. فالقيادة السياسية تضمن استمرار رضا محكوميها من خلال ربط احترامها باحترام الدين والتقاليد. كاللجوء إلى نسب الحكام إلى آل البيت النبوي، أو تقديم نفسها على أنّها الحارسة للقيم الإسلامية. وفي الوقت نفسه عملت على إدخال بعض آليات العمل السياسي، أو حل النزاعات بالشكل الذي تستند فيه إلى قواعد العرف والتقاليد. بينما لجأت أغلب النظم الجمهورية إلى كلٍّ من المصادر الشخصية (الكاريزمية) والتاريخية والقانونية. فيما يتعلق بالأولى يكون الحاكم فيها هو مصدر الشرعية. وهذا النوع من شخصانية السلطة قد تكون مفيدة في مرحلة معينة من مراحل التطور السياسي للدولة (عند وجود أزمات عميقة مثلاً)، حيث يكون هذا الأسلوب عاملاً مساعداً على تجاوز الأزمة. لكنه في المقابل لا يعدو أن يكون مصدراً مؤقتاً بطبيعته، ولا يمكن أن يعتمد عليه بشكل دائم.
أما المصدر القانوني، والذي يقوم على مجموعة من المؤسسات والقواعد الإجرائية، التي تنظم تداول السلطة وتضبط سير العملية السياسية، فلم يكن أكثر من حالة شكلية لجأت إليها بعض الدول العربية. فحتى تلك التي تعتبر ذات خبرة دستورية أكثر من غيرها (مصر 1866، سوريا 1920)، لم تعرف تداولاً للسلطة، أو وجود مؤسسات تنظم سير العملية السياسية فيها. هذا فضلاً عن وجود دول أخرى لا تزال حتى إعداد هذه الدراسة بدون دساتير (السعودية)، ودول أخرى تعمل بوثائق تنازع الدستور في قوته القانونية، بل لها الأولوية عليه، كما هو الحال في لبنان الذي يعرف إضافة إلى الدستور ميثاق الشرف الوطني. يبقى أن نشير إلى أنَّ بعض الدول لم تعتمد على مصدر واحد من مصادر الشرعية، بل إنّها كثيراً ما كانت تجمع بين مصدر وأخر، فالنظام الأردني مثلاً جمع بين الشرعية التقليدية والقانونية.
وبما أنَّ الموقف من الدستور وموقعه في النظام السياسي يمثل من ناحية الجوهر، أحد مصادر الشرعية إن لم يكن أكثرها أهمية، من هنا تشكل دراسة وتحليل الطريقة التي وضعت بها الدساتير العربية مادة معبرة عن الفهم السياسي العربي لفكرة المصدر القانوني، حيث نجد ثلاثة نماذج كبرى بهذا الصدد. الأول وهو صدور الدستور على أنّه منحة (هبة) من الحاكم، وبموجب إرادته. وهو ما يعني أنّه عرضة للتعديل والإلغاء متى رأى أن يفعل ذلك (الدستور العُماني الذي صدر بمرسوم سلطاني).
النموذج الثاني: هو إصدار الدستور بطريقة ديمقراطية من الناحية الإجرائية، بمعنى أنّه تم وضعه بواسطة جمعية تأسيسية منتخبة، أو عبر لجنة منبثقة من البرلمان (الدستور التونسي).
النموذج الثالث: هو إصدار الدستور بالمزاوجة بين الطريقتين السابقتين، أي صدوره عن لجنة معينة بواسطة القيادة السياسية، ثم عرضه لاحقاً على الشعب للاستفتاء (الدستور اليمني 1990 – الدستور الموريتاني 1991).
وبالرغم من الاختلاف في الطريقة التي صدرت بها الدساتير العربية، لكنها اشتركت بثلاثة سمات كبرى هي:
أولاً: جميع الدساتير العربية (باستثناء لبنان) تنص على أنَّ الإسلام هو الدين الرسمي للدولة، وهو ما يعني أنَّه المصدر الرئيسي للتشريع.
ثانياً: جميع الدساتير العربية لم تحل (في ممارساتها) بطريقة واضحة وسليمة العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية.
ثالثاً: لم تستطع الدساتير العربية (وبالرغم من أنّها نصت على مبدأ المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات) أن تكفل تطبيق هذا المبدأ فعلياً، فالممارسة تكشف عن فجوة بين النصوص القانونية والواقع الفعلي.
بالإضافة إلى وجود عارضين أساسيين يعطلان إعمال الحقوق والحريات العامة، وهما الإعمال القانوني أو الفعلي لقوانين الطوارئ، ومحدودية انضمام الدول العربية للوثائق والاتفاقات الدولية المتصلة بحقوق الإنسان.

• معيار الأيدولوجيا.
يمكن لنا التمييز وفقاً لهذا المعيار بين نوعين من الإيديولوجيات:
1- الايدولوجيا الرسمية في الدولة.
لقد أثرت طريقة حصول الدول العربية على استقلالها في صياغة إيديولوجياتها المعلنة. فالدول التي خاضت كفاحاً مريراً من أجل الحصول على استقلالها، أو تغيير شكل نظامها نتيجة تدخل عسكري فيها (مثل ليبيا والجزائر والعراق وسوريا ومصر)، تبنت إيديولوجية ثورية تقوم على مركزية دورها في الداخل، ومناهضة الاستعمار، ودعم حركات التحرر في الخارج. بينما تبنت الدول التي استطاعت الحصول على استقلالها عن طريق التفاوض، ولم تلجأ إلى الأساليب العنيفة لتغيير نظامها( مثل دول الخليج العربي والمغرب والأردن) إيديولوجية محافظة أساسها تثبيت الأوضاع القائمة، وتنشيط دور القطاع الخاص، ومقاومة المد الثوري.
وهو اختلاف ظل سارياً حتى نهاية السبعينات، حيث تعرض إلى تغيرات كبيرة بأثر التطورات العالمية الناجمة عن انهيار الاتحاد السوفيتي وانتهاء الحرب الباردة، وتحول دول أوروبا الشرقية إلى الأخذ بنظام التعددية السياسية واقتصاد السوق. وهو تأثير برز في اضمحلال الإيديولوجية العقائدية، وظهور أولوية المصالح النفعية كما نراه واضحاً في حربي الخليج الأولى والثانية لتزيدا في صعوبة التمييز بين النظم العربية وفق معيار الإيديولوجية. ففي الحرب العراقية الإيرانية وقفت مصر مع بلدان الخليج إلى جانب العراق، ومع اندلاع أزمة حرب الخليج الثانية أُعيدت صياغة التحالفات السياسية على نحو مختلف، حيث ساندت مصر وسوريا والمغرب دول الخليج، وانضمت الأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية إلى جانب العراق.
2– الإيديولوجيات السائدة: والمقصود بذلك الإيديولوجيات التي تمارس دوراً مهماً في التعبئة السياسية والتماسك الاجتماعي، أبرزها:
أ- الإيديولوجية الدينية: وهي واسعة الانتشار لأسباب يأتي في مقدمتها، تأثير الدين الكبير على السياسة العربية. حيث يشكل الدين أحد أهم العناصر التكوينية للهوية الوطنية والقومية، وتوظيف الدول الوطنية الحديثة لهذا العنصر كقوة قابلة للاستخدام من أجل التعبئة السياسية عند الحاجة سواء في فترة ما قبل الاستقلال أو بعدها، واعتباره أحد مصادر شرعيتها. مما يعكس الدور المهم الذي يلعبه الدين في تشكيل العلاقات الاجتماعية. ووفقاً لهذا المعيار يمكن التمييز بين نموذجين، الأول: يشكل فيه الدين أساس لشرعية النظام السياسي (السعودية، المغرب)، والثاني: يستخدم فيه الدين كوسيلة لمواجهة أزمة يعاني منها النظام السياسي (العراق).
ب- الإيديولوجية الاشتراكية: وهي الإيديولوجية التي تبنتها كثير من الدول العربية بعد حصولها على الاستقلال، أما أبرز أسباب ذلك التبني فهي أن الإيديولوجية الليبرالية ارتبطت في أذهان النخب الوطنية بالسيطرة الاستعمارية. وافتقار هذه الدول لمقومات التطور الرأسمالي وعناصره. بالإضافة إلى اعتبار الاشتراكية فكرة قادرة على تحقيق مساعي الدول الحديثة بالاستقلال والتنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية والتكامل القومي. لكن وبحلول السبعينات، بدأت النظم العربية تتراجع عنها، فلقد عدلت تونس منذ عام 1970 عن تبنيها الليبرالية الاقتصادية، كذلك رفعتها الجزائر من دستورها الجديد الصادر عام 1989، وتخلت الدولة اليمنية الموحدة عن العقيدة الماركسية – اللينينية التي كانت معتمدة في شطرها الجنوبي.
ت- الإيديولوجية القومية: اجتازت الفكرة القومية مراحل متعددة، أولها يعود إلى النصف الثاني من القرن التاسع عشر، عندما برز البعد القومي كمظهر لتمييز العربي في إطار الدولة العثمانية. ثم جاء بعد ذلك التيار الإسلامي الإصلاحي ليجعل الفكرة القومية تختلط بالدين من خلال التعامل مع الأمة بمعنى الجماعة من الناس. المرحلة الثانية امتدت بين الحربين العالميتين، لتصبح القومية على درجة أكبر من التبلور الإيديولوجي، غَلب عليها في تلك الفترة النزعة العلمانية ليس من منطلق التضاد بين العروبة والإسلام، وإنما من منطلق أنَّ الرابطة القومية هي أقوى الروابط الاجتماعية التي يدخل الدين في تشكيلها. وتأكد ذلك أكثر في المرحلة الثالثة التي تقع بين عامي 1945 – 1967، احتفظت فيها القومية بطابعها العلماني، وبدأ التشديد على الطبيعة الإنسانية وليس الاستعلائية للعنصرية القومية. المرحلة الرابعة بدأت منذ عام 1967، تميزت بالتشديد على الطابع الديني للفكرة القومية.
تعرضت الإيديولوجية القومية داخل المجتمع العربي لعدة تحديات، كان أبرزها ظهور الإيديولوجيات والانتماءات الإثنية دون القطرية، وتردد الدول العربية بين الانتماء الوطني (الارتباط بقطعة من الأرض تعرف باسم الوطن)، والانتماء القومي (الارتباط بجماعة من البشر تعرف باسم الأمة). إلا أنّه كثيراً ما كان يُلُجَأ إلى الاتجاه الأول في أعقاب الأزمات التي تجتازها تلك النظم (كما حدث بعد توقيع اتفاقيات كامب ديفيد، وبعد حرب الخليج الثانية).
ث- الإيديولوجية الليبرالية: تقوم على مجموعة من الأسس أهمها التعددية السياسية، وتداول السلطة بين الأحزاب، واتخاذ القرار السياسي بناء على التفاعل بين مختلف القوى السياسية بما يضمن الوصول إلى حل وسط.
إنّ دراسة الإيديولوجيات العربية بشقيها الرسمي وغير الرسمي تكشف جملة من الخصائص الرئيسية التي اتصفت بها، لعل أهمها هو ما يلي:
- الشخصانية: بمعنى ارتباطها بأشخاص، بحيث يؤدي زوالهم إلى انتكاسها أو العدول عنها. من أبرز نماذجها الإيديولوجية الاشتراكية الناصرية.
- التلفيقية: بمعنى المزج بين أكثر من إيديولوجية ومن مصادر مختلفة، بحيث يتكون مركب من الأيديولوجيات لا يتسم بانسجام نظري وعملي. التوفيق هنا بمعنى الجمع بين أخلاط تستعصي بطبيعتها على التجانس، كالجمع بين الوضعية والإسلام، وما شابه ذلك.
- التناقض وعدم الوضوح: وهي سمة ارتبطت بما يمكن دعوته بالمحاكاة للإيديولوجيات الغربية، والانتقائية النفعية. وهي مكونات لا تصنع إيديولوجيات فاعلة ولا رؤية واقعية عقلانية.
- عدم الاستمرارية: وتعني عدم قدرة هذه الإيديولوجيات على الاستمرار لفترة طويلة من الزمن. وهي نتيجة مترتبة على الصفات السلبية الأنفة الذكر مثل الشخصانية والتلفيقية وتناقضها وعدم وضوحها.

• معيار النخب السياسية وأنماطها.
تتعدد المعايير التي يمكن تصنيف النخب السياسية العربية الحاكمة وفقاً لها، فتبعاً لمعيار التوجه التنموي العام يتم التمييز بين ثلاثة أنواع: النخب التقليدية التكيفية، النخب الإصلاحية التحديثية، النخب الثورية التعبوية. وتبعاً لمعيار الإيديولوجية السياسية أو الحزب السياسي الذي تنتمي إليه النخبة، يتم التمييز بين أربعة أنواع هي: نخب سياسية قومية، وثانية ليبرالية، وثالثة إسلامية، ورابعة ماركسية. وتبعاً لمصدر التجنيد يمكن التمييز بين: نخب مدنية وأخرى عسكرية وثالثة تشكل مزيجاً بينهما. وتبعاً لمصدر الأصول الاجتماعية والطبقية للنخبة يمكن التمييز بين: كبار الملاك الزراعيين والبرجوازية الرأسمالية من ناحية، والنخب المنبثقة من الطبقة الوسطى من ناحية ثانية، وتلك التي تستند إلى أسس عمالية وفلاحيه من ناحية ثالثة.
ومن الملاحظ أنَّ المعايير السابقة لتصنيف النخب العربية الحاكمة تتميز بقدر كبير من التداخل في ما بينها، فضلاً على أنّها لا تعكس في بعض الأحيان اختلافات حقيقية بين النخب العربية، كما يحدث عند الاعتماد على معيار الإيديولوجية مثلاً، فمن الشائع أن تغير النخبة نفسها من إيديولوجيتها المعلنة، كلما دعت الظروف على ذلك، أو أن تحتفظ بها كواجهة لنظامها مع خروجها عليها من الناحية الفعلية.

• معيار الثقافة السياسية.
فيما يتعلق بهذا المعيار يمكن الحديث عن ثلاثة أنماط من الثقافة السياسية، تكشف عن طبيعة الخلل في الأنظمة السياسية العربية. فهناك ما يمكن دعوته بالثقافة السياسية الضيقة، التي يقتصر فيها دور الفرد على تلقي مخرجات النظام السياسي، بسبب ضعف المعرفة، وعدم المبالاة تجاه الحياة السياسية. من هنا تركّز السياسة في النخبة الحاكمة فقط. هذا النوع من المجتمعات لا يعرف عادةً التمايز البنائي، أو التخصص الوظيفي. والنمط الثاني وهو الثقافة السياسية التابعة، وهي ثقافة عادة ما تنتشر في المجتمعات التي يكون إسهام الفرد فيها متواضع جداً في العملية السياسية، رغم معرفته التامة بالنظام السياسي ومخرجاته. وسبب ذلك يعود إلى إدراكه بعدم جدوى مشاركته. وهو نوع من الثقافة ربطها غابريل ألموند وسيدني فيربا بالمجتمعات التسلطية التي يضيق فيها هامش الحريات.
أما الثالثة فهي الثقافة المشاركة، وهي الثقافة السائدة في المجتمعات الديمقراطية التي يلعب الرأي العام فيها دور مؤثر (نتيجة وعي الفرد بالنظام السياسي وحركته وقواعده ومدخلاته ومخرجاته)، سواء من خلال المؤسسات التي يعبر عنها بالأحزاب، أو من خلال إجراءات التصويت والترشح للانتخابات.
عندما نطبق معيار الثقافة السياسية على الدول العربية، فإننا نقف عموماً أمام قضيتين كبرتين وهما:
1- قضية الانتماء والهوية: إذ نقف أمام تعايش مستويات مختلفة من الانتماء في الدول العربية، يظهر الانتماء منها مستوى الأسرة الممتدة، ومستوى العشيرة والقبيلة، ومستوى الجماعة الدينية أو الطائفية، ومستوى الأمة والوطن. إنَّ قيمة الولاءات (التقليدية أو ما قبل الدولة الحديثة) تكون أحياناً من القوة بحيث تتنافس مع الولاء للدولة (النموذج اللبناني– النموذج الصومالي).
2- قضية المشاركة السياسية: ويقصد بها تحديداً الأنشطة التي يقوم بها الفرد بهدف التأثير في العملية السياسية (التصويت، مطالعة الصحف، وبرامج الأحزاب، الترشح للمناصب العامة)، بما في ذلك التظاهر والاعتصام.
بتطبيق معيار الثقافة السياسية بأنماطه الثلاثة الأنفة الذكر، على القضايا الكبرى في العالم العربي، نجد أن أغلب الدول العربية ذات ثقافة ضيقة، تتصف فيه المشاركة السياسية بالشكلية، والموسمية، وعدم الفعالية. إذ أنَّ القرارات السياسية، غالباً ما تتخذ من قبل النخب الحاكمة، وتترك للجماهير مهمة إضفاء الشرعية الصورية عليها. كذلك فهي متقطعة لا تتخذ شكلاً منتظماً، بمعنى أنّها ترتبط أكثر بعملية التعبئة السياسية أثناء الأزمات، وليست نتاجاً لمبادرة ذاتية للمجتمع وقواه المتنوعة.
مما سبق يمكن القول بأنَّ حصيلة المعايير السابقة تكشف عن وجود حالة خلل في الأنظمة السياسية العربية، تظهر بصور متعددة سواء في ما يتعلق بالسلطة الحاكمة وشرعيتها، أو بالإيديولوجيات، أو بالنخب. وهو ما يشير بدوره على وجود أزمة شاملة ودائمة فيها، لها تاريخها الخاص بوصفها تراكماً لمرحلة طويلة من الركود والتخلف. ومن ثم فهي تحتوي على تداخل عوامل سياسية، واجتماعية، واقتصادية، وتاريخية، ما زالت سارية المفعول في الحياة السياسية والاجتماعية الحالية. ذلك يعني أنَّ الدول العربية لم تعرف نموذجاً صحيحاً للنظام السياسي بعد، بل ما زالت تعيش بمفاهيم وقواعد نظام السلطة، كما أنّها لم تمارس بصورة فعلية أسلوب تداول
السلطة حسب قواعد الحياة الديموقراطية، بل ما زالت محكومة بآلية الاستحواذ أو الاستيلاء عليها بطرق وأساليب مختلفة


يتبع ...........................





الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,326,891,276
- الإصلاح في العالم العربي وإشكالية التكامل العقلاني للمصالح ا ...
- الإصلاح في العالم العربي وإشكالية التكامل العقلاني للمصالح ا ...
- الإصلاح في العالم العربي وإشكالية التكامل العقلاني للمصالح ا ...
- الإصلاح في العالم العربي وإشكالية التكامل العقلاني للمصالح ا ...
- الإصلاح الاقتصادي في سوريا- نسخة معدلة- الجزء الثالث
- الإصلاح الاقتصادي في سوريا- نسخة معدلة- الجزء الثاني
- الإصلاح الاقتصادي في سوريا -
- الفكرة الإصلاحية وإشكالية النهضة في التاريخ العربي الحديث- ا ...
- الفكرة الإصلاحية وإشكالية النهضة في التاريخ العربي الحديث- ا ...
- الاصلاح الاقتصادي في سوريا - الجزء الثالث
- الاصلاح الاقتصادي في سوريا - الجزء الثاني
- الإصلاح الاقتصادي في سوريا
- إلى صديق راحل ، إلى روحه الباقية .
- المنعكسات المجتمعية المباشرة لسياسات المؤسسات المالية الدولي ...
- آراء في آلية عمل المؤسسات المالية الدولية .
- وجهة نظر الخبراء و المختصون في الدول الرأسمالية من أزمة المد ...
- وجهة نظر الخبراء و المختصون في الدول الرأسمالية من أزمة المد ...
- المعهد الوطني للإدارة العامة
- المعهد الوطني للإدارة العامة و الإصلاح المنتظر
- مواقف المؤسسات المالية الدولية من ازمة المديونية


المزيد.....




- داخل أول فندق في مسقط..الأقدم في سلطنة عُمان
- النساء فقط يحكمن هذه الجزيرة..كيف هي الحياة فيها؟
- أدلة علمية تؤكد قدرة الكاكاو على تعزيز قوة الدماغ
- شاهد: الصور الأولى لأحد منفذي اعتداءات سريلانكا
- إسبانيا: مناظرة لزعماء الأحزاب قبيل الانتخابات وكاتالونيا ال ...
- تفجيرات سريلانكا: كاميرا مراقبة تلتقط لحظة دخول انتحاري كنيس ...
- السعودية ترحب بقرار أمريكا إنهاء الإعفاءات من العقوبات على إ ...
- شاهد: الصور الأولى لأحد منفذي اعتداءات سريلانكا
- إسبانيا: مناظرة لزعماء الأحزاب قبيل الانتخابات وكاتالونيا ال ...
- الأخطاء الأكثر شيوعا بين طهاة المنازل


المزيد.....

- كتاب الأعمال الكاملة ل ماهر جايان – الجزء السادس / ماهر جايان
- المنظور الماركسى الطبقى للقانون - جانيجر كريموف / سعيد العليمى
- كتاب الأعمال الكاملة ل ماهر جايان – الجزء الخامس / ماهر جايان
- عمليات الانفال ،،، كما عرفتها / سربست مصطفى رشيد اميدي
- كتاب الأعمال الكاملة ل ماهر جايان – الجزء الرابع / ماهر جايان
- الأعمال الكاملة - ماهر جايان - الجزء الثاني / ماهر جايان
- الأعمال الكاملة - ماهر جايان - الجزء الأول / ماهر جايان
- الحق في الاختلاف و ثقافة الاختلاف : مدخل إلى العدالة الثقافي ... / رشيد اوبجا
- قوانين الجنسية في العراق وهواجس التعديل المقترح / رياض السندي
- الأسباب الحقيقية وراء التدخل الأمريكي في فنزويلا! / توما حميد


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - أشواق عباس - الإصلاح في العالم العربي وإشكالية التكامل العقلاني للمصالح القومية والدولية- الجزء الخامس