أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - عصير الحصرم 77















المزيد.....



عصير الحصرم 77


دلور ميقري

الحوار المتمدن-العدد: 6490 - 2020 / 2 / 12 - 09:47
المحور: الادب والفن
    


1
بسبب اختلاف المطبخ المغربي عن الشامي، أجد صعوبة كبيرة في تحضير الغداء. لا يتعلق الأمر بنوع المأكولات حَسْب، بل وأيضاً بعدّة الطبخ. مثلاً، الطنجرة هنا مناسبة للشوربة المحلية ( الحريرة )؛ أي أنها ذات قعر عميق ولا تصلح للطبخ. أيضاً هذا ينطبق على الأواني الأخرى، الخاصة بالرز وغيره. لأن الرز يؤكل لديهم بارداً، كأحد أنواع السلطة. بينما يجهلون البرغل تماماً، مستعيضين عنه بالكسكسي.
السوق البلدي، يقع على مقربة من المسكن. وقد صرتُ معروفاً ـ كسوريّ كرديّ ـ لدى الباعة هناك، أتبادل معهم الحديث الوديّ في كل مرة. بالطبع، صرتُ على معرفة تدريجياً بندرة الخضار، المنتمية للمطبخ الشامي. ذات مرة، سألت البائع عن البصل الأخضر، فقال لي: " يمكن أن تجده في حي غيليز، لأننا لا نعرفه على مائدتنا ". مرة أخرى، انفجر ضاحكاً الصبيّ المساعد للبائع العجوز، حينَ سألتُ عن السبانخ والخبيزة. فقلت للصبيّ: " لم تضحك على نعمة الله؟! ".
ولكن بعض الباعة الجوالين، يتميزون بالغش والاحتيال. يوماً، انتقيتُ بطيخة ( من النوع الأصفر ) وتفحصتها جيداً قبل أن أدفعها للبائع كي يزنها. أدار ظهره، فوزنها ثم وضعها داخل كيس بلاستيكي. في المنزل، لما أخرجت البطيخة، إذا بها هشة ومبقعة باللونين البنيّ والأسود !

2
ما يزيد عن الشهرين، قضيتها في مراكش مستمتعاً بطقس معتدل على خلاف المعتاد في أشهر الصيف.
ولكن أمس ظهراً، لدى خروجي من باب العمارة، شعرت وكأنني أدخل في فرن. هذا على الرغم من أن الشمس كانت غائبة خلف الغيوم، لتظهر بين فينة وأخرى في خلال بقية النهار. جولتي المعتادة، قادتني إلى خارج المدينة القديمة من جهة الحيّ الشتويّ، وكنتُ في الغالب أسير تحت ظلال الأشجار المثمرة من برتقال وزيتون ونخيل. إلا أنني قبل الوصول لفندق السعدي، العريق، شئتُ سلكَ دربٍ غريب على قدميّ. لأصل بعد دقائق إلى مكان مألوف، حيث تتناهض فيه عمارتان مهيبتان لمسجد وكنيسة. كوني " مقهوراً من الصّهد "، أي معانياً من شدة الحرارة ـ بحَسَب التعبير المغربي ـ فإنني آثرت ولوج الكنيسة عبر بابها الخشبيّ الكبير. في داخل الصالة الرئيسة، كان ثمة قس أفريقيّ يقدم موعظته بالفرنسية لعدد من المؤمنين وغالبيتهم من قارته السمراء.
ليلاً عند خروجي مع الأصدقاء من المقهى، فوجئنا بالأمطار الغزيرة تصب مثل السيول. مكثنا حوالي عشرين دقيقة تحت سقف مدخل المقهى، لحين أن هدأ المطر. بعد ذلك ركبت الدراجة النارية، لتتلقفني الشوارع المبتلة والمعبقة برائحة حريفة لم أحظَ بها منذ حلولي في المدينة الحمراء بداية هذا الصيف.

3
جد الكاتب الراحل، سيامند إبراهيم، كان من الأقارب البعيدين لجدتي لأمي. كان يدعوها " مخالتي "؛ وهو تعبير كردي عن القرابة من ناحية الأم. ونحن كنا ندعوه " عشير "، فيما الكبار يخاطبونه بصفته الدينية كملا. لقد توثقت علاقته مع أسرة الجدة، عندما شاء رجلها أن يستثمر أمواله في الزراعة بمنطقة سري كاني في الجزيرة ببداية خمسينات القرن الماضي. ولما رجع الجد إلى دمشق بعد أعوام قليلة، لحق به " عشير " ورجاه أن يدبر له مسكناً مع عائلته. فمنحه جدنا قطعة أرض في طلعة تربة الشيخ النقشبندي، حيث بنيَ البيت بوسائل بدائية وعلى مراحل. حين كان القريبُ يزور منزل الجدة، أعتاد أن يسجد أمام عتبة بابه الخارجي ليقبل الأرض.
ولكن " عشير " لم يكنّ وداً مماثلاً لوالدي، الذي كان يزعجه بالملاحظات القاسية عن تكرار مرات حجه لبيت الله الحرام. وكان الملا يرفض دخول منزلنا، حتى في مناسبة العيد، قائلاً أن صاحبه كافر. إذ كان يأخذ على الوالد أنه أطلق أسماء كردية على أولاده. ولم يقدّر للملا أن يعيش كي يرى بعض أحفاده وهم يحملون أيضاً أسماء كردية !
" عشير " حجّ ثماني عشرة مرة. وقد أنفق في تلك المرات مردودَ مواسم أرضه في الجزيرة، تاركاً أولاده يعانون مع عوائلهم من شظف العيش. حين توفي بعدما عمّر لفوق الثمانين، أنتقم منه أولاده على طريقتهم. فإنهم تحججوا بقرب منزلهم من المقبرة كيلا ينفقون مالاً بجلب سيارة التشييع، فاكتفوا بحمل جثمانه على سلّم خشبيّ وألقوه في حفرة القبر دون أن يصلى عليه في المسجد !

4
في أول أيام العيد، حسَب هلال المغرب، فوّت على نفسي وليمة بمنزل العائلة وذلك بسبب التهاب اللوزتين. فلزمت الشقة، وكان ما استطعت أن أتناوله من غداء يومئذ هو عبارة عن رقائق من مرتديلا لحم البقر ( لانشون ) !
أمس، اتجهت لمنزل العائلة عند الظهر وكانوا يحضّرون أسياخ شوي لحم أضحية العيد. ولكنني لم أتمكن من تناول أكثر من سيخين، وبالطبع مع المقبلات والسلطات. أخذت من ثم حبة ضد الالتهاب. هنا شعرت بالاسترخاء وكنت أقرب للنعاس. إلى أن حضرَ أحد الأصدقاء عند العصر كي يرافقنا على دراجته النارية إلى المقهى. وكنت قد تكلمت مرة عن هذه الدراجة، فشبهتها بغراندايزر نظراً لسرعتها الكبيرة. ركبت إذاً وراء صديقنا، في الطريق إلى حي غيليز. عند وصولنا إلى ساحة الحرية، قال لي أنه سيمضي إلى المقهى بطريق مختصر. مررنا إزاء دار منيفة، علمتُ أنها تخص شقيق الملك. ثم دخلنا شارعاً يقع خلف تلك الدار، وكان أشبه بمنتزه، زرعت فيه بكثرة أشجار السرو العملاقة، ما منح المكان رطوبة عذبة.
ليلاً، عدت مشياً إلى ساحة جامع الفنا كي أركب من هناك سيارة أجرة. لما وصلت الساحة، كانت مغمورة بالرواد ومنهم عدد كبير من السياح. تناولت كأس كوكتيل عند إحدى عربات العصير، وكان البائع يتكلم مع فتاتين شقراوين بعمر المراهقة. لأول وهلة، ظننت أنهم يتحدثون بالفرنسية؛ بالنظر لشكل الفتاتين الأقرب للأوروبيات. فخاطبت البائع مازحاً، كوني من زبائنه القديمين: " لم تتكلم معهما بالمغربية وليسَ بالسويدية؟ّ! ".

5
عادة لا أحيد عنها ( ولو أنها بشكل لا شعوري )، دأبت عليها منذ ما يزيد عن العشر سنين. وهيَ أن أجلس في ترّاس مقهى الكافيه دو فرانس في كل مرة أكون فيها على وشك مغادرة مراكش والعودة إلى السويد.
ذلك أنني أكون وقتئذٍ في حالة نفسية أقرب للكآبة، فأجد في ساحة جامع الفنا، الذي يطل المقهى عليها، نوعاً من متنفّس بما يشيع فيها من أنغام ساحرة وأضواء مبهرة وروائح زكية.
تلك العادة، نقلتها للأصدقاء المارين في مدينة مراكش كسيّاح، حيث كنت أصطحبهم إلى تراس الكافيه دو فرانس إما عصراً لرؤية غروب الشمس خلف الجبال أو ليلاً للتمتع بمنظر ساحة جامع الفنا وهيَ متألقة بمختلف الألوان مثل جوهرة خرافية
المناظر الطبيعية، فضلاً عن الطقس الجميل، تلعب دوراً هاماً في مسألة الرغبة بالقراءة. ولكن في المغرب، كانت ساعات القراءة لديّ أقل من ساعات التجوال. أما بالنسبة للكتابة، فإنني كنتُ أخصص لها حوالي أربع ساعات يومياً؛ أي مثلما كان الحال في السويد.
على الرغم من أن مغامرتي المغربية بدأت منذ صيف 2008، إلا أنني بقيتُ أكتشف أشياء جديدة في تلك الأمكنة، التي كانت أقدامي تتوغل فيها بحثاً عن الجمال والمعرفة. كذلك الأمر في موضوع تصميمي على زيارة مدن تاريخية مغربية، مثل فاس ومكناس، حيث كنت في كل زيارة أنشغل عنها بأشياء أخرى في خلال إقامتي بمراكش. العائلة أيضاً، كانت ترغب صيفاً في الذهاب إلى المدن الساحلية، كأغادير والصويرة والجديدة، وذلك لتمضية الوقت في أحضان البحر ووسط الجو المعتدل.
أكتب ذلك، ربما لما يعتريني من كآبة بعد مضي أسبوع كامل على وصولي إلى السويد، قادماً من مراكش؛ المشهورة بلقب " مدينة البهجة " !

6
في الطريق إلى المقهى ( الكائن في مركز مدينتنا السويدية )، اللون الأخضر يطغى على كل شيء. ولكن النفس، تبقى مغلقة. هذا برغم أن ألوان الورود، المزروعة بكثافة على جانب الطرقات ووسط الشوارع والدروب، من المفترض أن تريح نفسية المرء. وكيف لا تكون معنوياتي هكذا، أنا مَن عاد مؤخراً من مراكش !
أظنني كتبتُ فيما سبقَ أكثر من مرة، أنني أقمت في حيّ قريب من مطار مراكش. في خلال الأشهر الثلاثة، المقدّر لي قضاؤها في المدينة الحمراء، كنتُ أستمتع يومياً بمناظر الطريق أثناء ذهابي بسيارة الأجرة إلى مركز المدينة. حقاً إنهم لا يزرعون ثمة أنواعاً عديدة من الورود، مثلما هو الحال في السويد. إلا أنّ الشمس الكريمة، في المقابل، جعلت الطبيعة المغربية مهرجاناً دائماً من الأزهار فضلاً عن شلالات عرائش الياسمين والمجنونة ودسكرات الأشجار المثمرة من حمضيات ونخيل وزيتون وغيرها.
مع ذلك، أفكّر الآنَ وأنا أكتبُ هذه الكلمات، بأن اللون الأخضر خيرٌ من أخيه الأبيض !

7
سفرتي الأخيرة إلى مراكش، تقاطعت مع مواسم فاكهة الصيف، الأثيرة لديّ. هذا مع أنني أتعشقُ أشجارَ الحمضيات ( خصوصاً البرتقال واليوسفي )، وكانت رفيقة جولاتي في أنحاء المدينة خلال ما يزيد عن العقد من السنين.
التوت الأبيض، افتتحَ موسمَ فاكهة الصيف. كونه يفسد بسرعة، فإن البائعين في السوق البلدي كانوا يبيعونه في سلال متوسطة الحجم. وقد دهشتُ من رخص ثمن السلة، ولم يكن من المناسب مساومة البائع. التوت الشامي، في المقابل، انتهى موسمه لاحقاً دون أن أنتبه. عدا صدفة مروري تحت إحدى أشجار التوت الشامي في حديقة مسجد الكتبية، حيث كانت بعض ثمارها متساقطة على الأرض. الغريب، أن المغاربة يجهلون عصيرَ التوت الشامي برغم توافر الثمار ورخص سعرها !

8
التين، أنواعه عديدة في موطن الأطلس. وقد بلغ من عشقي لأشجاره، أنني كنتُ أتعمد المشي في ظلالها كي يفغم أنفي فوحانُ أوراقها. وكأنما عن عمد أيضاً، فإن شجرة التوت الشامي تلك، المشار إليها آنفاً، كانت متجاورة مع شجرة تين عملاقة. في مستهل موسمه، كان سعر كيلو التين حوالي عشرين درهماً ( 2 يورو ). قبيل مغادرتي المغرب، نزل السعر إلى خمسة دراهم. وهذا كان أيضاً حال الصبّار، الذي يسمونه في شمال أفريقيا " كرموز النصارى "؛ بينما يُدعى التين في لهجتهم ب " كرموز المسلمين " !

9
الشعور بالانتماء الأمازيغي، ملحوظ بشكل واضح في مدينة أغادير. في هذه المدينة المغربية الجميلة، المشرفة على المحيط الأطلسي، كنتُ قد قضيت أسبوعاً حافلاً بالنزهات الصباحية والاستجمام على الشاطئ والسهرات في مقاهي الكورنيش.
الفندق، الذي نزلت فيه، كان يفصله دربٌ قصير المسافة عن شارع الحسن. وكنتُ معتاداً هناك على تناول الغداء في مطعم يُدعى " أومليل "، يقدم بيتزا ثمار البحر الشهية. ذات ظهيرة، وبينما كنتُ أنزل عبر الدرب إلى شارع الحسن، وصولاً للمطعم، إذا بي أفاجأ بأصوات هادرة، صادرة من الجانب الآخر. وما لبثت طلائع مظاهرة حاشدة أن تبدت لعينيّ، يتقدمها حملة الأعلام الأمازيغية وشاب محمول على الأكتاف بيده مكبّر صوت. إحدى اللافتات العريضة، المكتوبة بالأمازيغية والعربية، كانت توضّح مطالب المتظاهرين، المتعلقة بالحقوق القومية فضلاً عن توزيع الثروة بشكل عادل وحماية الأرض والبيئة. وما عتَمَ أن وصل إلى موقفي رجلٌ أربعينيّ مع فتاة رقيقة، كانت تلف وسطها بالعلم الأمازيغي. لما علموا أنني من كرد سورية، رحبوا بي بحرارة. ثم تمشيت معهم على طوار الشارع، وأخذنا ندردش في أمور تخص شعبينا. الفتاة، كانت أسئلتها لي محصورة تقريباً في وضع الإيزيديات وما تعرضن له من سبي على يد تنظيم داعش.
كنتُ إذاً أقف أمام المطعم؛ ولكنني فضلت السير بمعدتي الخاوية مع المظاهرة حتى وصولها إلى ساحة الأمل !

10
اليوم، دلفت من الأوتوبيس في مركز المدينة بعيون دامعة.
وكنت قد ركبت من موقف المستشفى، بعد اجرائي فحوصٍ طبية روتينة، حيث وجدتُ مقعداً فارغاً بجانب امرأة خمسينية وشرقية الملامح. جارتي في المقعد، كان يبدو عليها الاهتمام بحديث يجري بين امرأة مسنة، تجلس خلفي مباشرة، ورجل في نحو الخمسين أيضاً. لوهلة، اعتقدت أن المرأتين قريبتان، فعجبت من جلوسهما منفصلتين.
من حديث المرأة والرجل، فهمت أنهما فلسطينيان من مخيم اليرموك الدمشقي. كانا يصفان الأهوال، التي مرت عليهما مع عائلتيهما، في خلال حصار المخيم. ما أن نزل الرجل في المحطة التالية، إلا وجارتي تلتفت للمرأة المسنّة لتخاطبها باللهجة الفلسطينية: " الحمد لله على السلامة. نحن بدَورنا رأينا الموت مراراً أثناء الحصار ". ثم تعرفتا على بعضهما البعض. كلاهما، بالصدفة، كانا يقيمان بنفس المنطقة في المخيم. قالت المرأة المسنة متنهدة: " أكثر ما يؤلمني، أن ابني لم يتمكن من مغادرة سورية. كان لديه محل بيع وتصليح أجهزة الكترونية، وكلفه خمسة ملايين ليرة بعملة ما قبل الحرب. أول ما دُمِّر كان المحلُ، ثم منزلنا. بعد ذلك، تم مسح المنطقة بكاملها. هربنا بملابسنا إلى حي التضامن، وكان أكثر أماناً. ثم استطعنا المغادرة إلى لبنان. وهناك ذقنا مرارة الذل لمدة ثلاثة أشهر قبل سفرنا إلى تركيا "
" أنتم كنتم محظوظين بانتقالكم إلى تركيا. نحن ركبنا إلى مصر وهناك، يا أختي، الذل على حقيقته! ولكن الشكر لله أننا غادرنا بسرعة إلى هذه البلاد "
" نعم، والله السويد عاملتنا أفضل مما لو كانت أمّنا وأبونا "، ردت المرأة المسنة !

11
اليوم، التقيتُ مع المعلمة السويدية لابني الصغير ( 9 أعوام )، وكان وجهها لأول مرة مبتسماً !
أخذتْ تثني على مستوى تلميذها من ناحية اللغة والتعبير، مع أنه في الصف الثالث. ثم أردفت تسألني: " ابنك يقول، أنك بنفسك كاتب؛ ولديك كتب سميكة جداً؟ ". فأجبتها ضاحكاً: " لديّ كتب، ولكنها ليست سميكة جداً! ". ذلك الحديث، كان على خلفية طلب المعلمة من تلاميذ الفصل محاولة كتابة قصيدة. على الأثر، قررت هيَ أن " الياس " كتب القصيدة الأكثر تعبيراً والأفضل لغة بين أقرانه.
القصيدة، عنوانها " المفتاح "؛ وإليكم ترجمتها: " دخلتُ إلى المطبخ، وإذا بي أعثر فوق الأرض على مفتاح قديم. تساءلتُ في نفسي، " لمن يكون هذا المفتاح؟ ". التقطت ذلك الغرض من الأرض، ثم عدت إلى غرفتي وأنا أنفخ عليه كي أنفض عنه الغبار. وبقيت أتساءل، " لمن هذا المفتاح؟ ". خرجت بعدئذٍ إلى الطريق، وكان الجو ماطراً. ولكنني بقيت مع ذلك خارجاً. شاهدت هناك امرأة، وما لبثت هيَ أن هتفت متعجبة، " ولكن، رباه، إنك عثرتَ على مفتاحي، الذي بقيت أعواماً وأياماً أبحث عنه في كل مكان! أشكرك جداً، ولكنني لا أعرف حقاً كيف يمكنني مكافأتك؟! ".

12
مع أنني ذهبت للفراش ليلة أمس متأخراً، في نحو الثانية، فلم ألقِ نظرة على الشارع عبرَ النافذة، مثلما اعتدت في الأيام الأخيرة. فالجو صار بارداً جداً، ما جعل الجميع هنا يترقبون سقوط الثلج بين فينة وأخرى.
ولكن في طريقي إلى المكتبة عصراً، انتبهت إلى أن الثلج قد هطل في الليلة البارحة أو ربما صباح اليوم. ذلك لأنني أفقت في منتصف النهار، وكان الجو مشمساً، وبقي هكذا إلى الغروب. مساحات قليلة من الثلج، كانت متناثرة هنا وهناك على الأرض المعشوشبة؛ فكم أُشْبِهَتْ ببقع مرمر على صفحةِ أخضر ـ كما يقول ناظم الغزالي.. مع بعض التعديل في مواله !
من ناحية أخرى، لما فتحت كمبيوتري في المقهى، لحظت تاريخ اليوم. قلت لنفسي عندئذٍ: ما أعجب الروس، يحتفلون بذكرى ثورة أكتوبر الاشتراكية في السابع من نوفمبر/ تشرين الثاني !

13
الحارة؛ كانت فيما مضى صورة مصغرة عن الشام، بل والبلد كله. ولكن، كل شيء جميل وأصيل أخذ بالاضمحلال على أثر الحركة التصحيحية المجيدة؛ التي صارت ذكراها تقارب النصف قرن !
من ناحيتي، شهدت حادثة لا يمكنني نسيانها قط؛ وهيَ كانت تُنْبئ بالتغيرات الطارئة على البلد في تلك السنوات. كان ذلك خلال انتخابات الادارة المحلية لدورة 1976، عندما انتدبت وكيلاً لابن عمي في مركز اقتراع بمنطقة الطلياني. مسؤول الأمن في ثانوية البنات، التي تم تحويلها لمركز انتخابي، كان رجلاً جلفاً من ريف الساحل. يبدو أنه كان متذمراً من شبان ثلاثة، وكلاء، كانوا يتبادلون الحديث مع زميلة لهم. هذه البنت، الرائعة الحُسْن، كانت ابنة أحد المرشحين المستقلين من نفس المنطقة. هكذا وجدنا أنفسنا، نحن الوكلاء، خارج المركز بعدما أمرنا رجل الأمن بمغادرة المكان. عند باب المدرسة، طفق أولئك الثلاثة بمجاذبة الحديث مع الفتاة الفاتنة. ما هيَ إلا سويعة أخرى، حتى قدمت سيارة مخابرات فدلف منها عدة شبان وعلى وجوههم نذر الشر. اتجهوا فوراً نحوَ الوكلاء الثلاثة، وبدون أي كلمة انهالوا فيهم ضرباً. عندما سقط أولئك المساكين أرضاً، فإن رجال الأمن استمروا في ركلهم بوحشية. ثم رموهم بالسيارة وهم مدميين، وانطلقوا بهم إلى مجاهل الأقبية المرعبة؛ التي بدأ الناس، منذ ذلك الزمن، يتداولون حكاياتها ومآسيها !

14
اليوم ظهراً، انتبهت إلى أن أيّ نوع من اللحم تفتقده ثلاجتنا. كوني أمس تناولت طعامي في خارج البيت، فإنني رحتُ أقلب بين الخضار ولم يكن في ذهني أكلة معينة.
أخرجتُ من البراد بضع رؤوس من الزهرة الأفرنجية، اصبع جزر ثخين، حبتين بطاطا من الحجم الكبير، فطر وزيتون وبصل. ثم جئت بجاط زجاجيّ، خاص بالفرن، فصببت فيه قطرات من زيت الطعام. ثم رصفت المواد بشكل هندسي في الجاط. أشعلت الفرن على حرارة مناسبة، والتفت هذه المرة إلى درج المونة. لم أتردد فيما يخص اختياري بين الرز والبرغل.
فيما كانت الوجبة العشوائية تنضج في الجاط الزجاجي، كان البرغل يستوي على مهل فوق النار. لو أن الوقت كان مساءً، فكّرتُ عندئذٍ، لصببت كأساً من النبيذ الأحمر. لكنني اكتفيت بشراب عصير العنب، وهو بالتأكيد ليسَ من صنع تركي بل محلي !

15
بعض الأساتذة، من ذوي الاتجاه الديني، كانوا يحولون الدرس إلى أحاديث الرسول والأنبياء. فرأيتَ أساتذة العلوم واللغة العربية والرياضيات وغيرها.. كأنما كلفوا بمادة التربية الإسلامية. وليذهب الطالب إلى جحيم الجهل، لأنه يضمن بذلك نعيم الآخرة !
أستاذ مادة العلوم في الصف التاسع، كان من أحد أرياف سورية الوسطى؛ سحنته كامدة وكئيبة. كان يبدو من جماعة " الإسلام هوَ الحل "، وكنا قلما نستفيد من دروسه. ذات مرة، طلب من زميل طالب الوقوف ليسأله عن سبب ضحكه. قال له زميلنا: " لأنك حولت درس العلوم إلى درس ديانة ". فما كان من الأستاذ إلا أن يمسك عظمة التشريح الثقيلة ويضرب بها رأس الطالب. زميلنا أسعف للمستشفى، بينما الأستاذ لن نعود نراه إلا في الجنة !
في السنة التالية، الأول الثانوي، كنا على موعد هذه المرة مع أستاذ اللغة العربية. يوماً، أثار موضوع الشهادتين وأنها من الأهمية أن مَن ينطقهما قبيل الوفاة يغفر الله ما تأخر من ذنبه. سأله أحدهم: " إذن يمارس الإنسان كل المعاصي ثم ينطق الشهادتين عندما ينازع، فيضمن الجنة؟ ". رد عليه الأستاذ بهذه الأمثولة: " بائع فلافل، عندما حضرته الوفاة ألح عليه أهله أن ينطق الشهادتين. ولكنه كان في أثناء النزع يردد: فلافل، فلافل، فلافل!! ".

16
سهرتُ لوقت متأخر ليلاً، على الكتابة ثم يوتيوب. كنتُ على علم بأنني لن أفيق باكراً، وذلك لأن الصغير شكى أمس في المدرسة من وجع في معدته؛ فقررنا أن يستريح اليوم. مع ذلك أفقت باكراً، وبعد شرب القهوة مع الحليب عدتُ للكتابة. ثم فطور دسم، شامي على مغربي على انترناشيونال !
نمت بعد الظهر، وكانت الخانم في الأثناء قد حضرت من العمل. هكذا لم يعد هناك وقت لتحضير الغداء. قلت لها، ليتَ أن الطعام مثل حمّام السوق المغربي؛ مرة واحدة في الأسبوع !
تذكرتُ قريباً بعيداً لنا، كان معروفاً بكراهيته للنظافة. وكانت زوجته قد خاطبته مرةً في سهرة العيد الكبير أمام الآخرين من الأقارب: " قم لقد حضّرتُ الحمّام ". فأجابها منزعجاً: " ألا تذكرين، أنني تحممت في العيد الصغير؟ "
أمس، كان بداية أول أسابيع شهر الاحتفال بعيد الميلاد. وقد أخذت ابني الصغير، ( 9 أعوام )، إلى مركز المدينة كي نتغدى بمطعم شرقيّ. مررت هناك على سوبر ماركت كي أشتري زجاجة نبيذ، وإذا ابني يوقفني بحزم أمام المدخل: " ستوب، ستوب! ". قلت له: " أنا أدعوك للغداء بمطعمك المفضل، فدعني أشتري الشراب المفضل لديّ! ".

17
اليوم ظهراً، أخرجت الزجاجة وكان قد بقي نصفها. ذلك لأنني قررت تحضير وجبة معكرونة بالفرن ( basta ). وهيَ أكلة سهلة، بدايتها مثل السباغيتي؛ وضع المعكرونة في ماء مغلي، وفي الأثناء تقلّب اللحمة الناعمة على النار مع البصل والفليفلة المفرومة والبهارات. عندما تجهز المرحلة الأولى، يأتي دور البشاميل. ويكون الفرن قد حميَ على درجة عالية. في وعاء زجاجي خاص بالفرن، نصب خلطة اللحمة مع المعكرونة، ثم نضيف البشاميل على الوجه مع برشة من الجبنة الصفراء.
ضربتُ كأسي بكأس ابني ( كان يشرب عصير الفريز )، احتفاءً بالوجبة المفضلة لديه. قال لي بعدما فرغ صحنه، ومسح فمه بالمنديل الورقي: " حقاً، إنها أطيب أكلة يمكن ان يحصل عليها المرء! ".

18
اليوم، ذهبت إلى مدرسة ابني الصغير لأجلبه قبل موعد انتهاء الدوام بساعتين. أمه كانت قلقة عليه، لأنه قضى يومين بالبيت بسبب السعال.
هناك قال لي معلم النشاطات العامة، وهو من كرد تركيا، أن الأولاد يتناولون الآن ما يسمونه باللغة السويدية " مقبلات ما بين الوجبتين ". بعد قليل، خرج ابني وارتدى ملابس الشتاء ثم انطلقنا إلى البيت.
سألته في خلال الطريق، عن المقبلات التي تناولها مع زملائه. قال أنها سندويش بالزبدة والجبن مع شرائح جزر وتفاح علاوة على الحليب. كالعادة، رحت أقارن مع مدارسنا في سورية: " لم نحظَ بما تنعمون به هنا، وكنا نضطر لشراء أي شيء بنقودنا القليلة ". قال لي: " أفضل، لأنكم مثل النظام الأمريكي حيث تكلف الوجبة المدرسية دولارين ويمكن للتلميذ أن يختار بنفسه ما يريد ". قلت له ضاحكاً: " هذا لو أن أهل التلميذ بمثل حالة أهلك، يا بطران! لكننا كنا عشرة أولاد بالبيت، والأهل فقراء ". سألني عند ذلك: " لماذا لم يكن أهلك يحضّرون سندويشة تأخذها معك للمدرسة؟ ". أجبته مازحاً: " والله فكرة، ومنذ الغد ستذهب لمدرستك مع سندويشة زبدة مع الجبن!! ".

19
الشخصية الوطنية الكردية، عثمان صبري، الملقب من قبل الكرد ب APO ( العم )، كان منزله يقع شرقي مقبرة النقشبندي وعُدّ بمثابة المحج للكثير من الجيل الناشيء سواء من الحارة أو من شمالي سورية. كذلك كان تلاميذه، الذين ضمهم في أربعينات القرن الماضي للنوادي القومية وعلمهم لغتهم الأم، يأتون إليه للمسامرة واستعادة ذكريات أيام زمان؛ وكان منهم والدي وراشد جلعو وعزت فلو وغيرهم.
بعد عودتي من موسكو عام 1986، كنتُ أزور آبو عثمان وغالباً مع صديقي سيامند. وكان آبو في ذلك الوقت قد شاخ وبانت علامات الخور على حركاته كما أن خلقه صار ضيقاً.
ذات يوم وكان الوقت صيفاً، استقبلنا آبو وبيده أداة بلاستيكية لقتل الذباب ( مذبّة ) ثم دعانا للجلوس على أريكة في أرض الديار. فيما كان يسألني عن والدي، إذا بسيامند يهجم عليه بالاسئلة عن بعض مسائل اللغة الكردية وقواعدها. وكان بيده ورقة وقلم لتسجيل الملاحظات. جاء الشاي، فطلب آبو من سيامند وهوَ يقدم له قدحاً أن يريحه قليلاً. لكنه بقي لجوجاً وكلما ينتهي من سؤال، يقول: " هذه آخر مرة! ". رفع آبو القدح إلى شفتيه وأراد أن يأخذ جرعة من الشاي، وإذا بسؤال جديد يمنعه من ذلك. هنا، وضع القدح على الطاولة فأمسك بالمذبة فضربَ بها رأس سيامند وهو يضحك!

20
في شهر أعياد الميلاد ورأس السنة، ديسمبر/ كانون أول، يحلو الجلوس في المقهى وتمضية الوقت بالقراءة أو بارسال النظر إلى الشوارع المزينة بالفوانيس الملونة وأشجار الصنوبر المتلألئة بالأضواء الصغيرة.
لكن أحياناً، يتعكر مزاج المرء بسبب تصرفات البعض وبالأخص من الأجانب ذوي الأعمار الغضة. منهم الذي يتكلم بصوتٍ عال مع شتائم مقذعة يوزعها على رفاقه، وهذه التي تتفشخن على الموبايل بالحديث مع عشرة شباب برغم الحجاب الملفوف به رأسها مثل بقجة المرحومة ستّي في أوان ذهابها لحمّام السوق !

21
أمس، جلسَ بمقابلي ثلاثة شبان، ومن حديثهم فهمت أنهم يدرسون مباديء اللغة السويدية. ثلاثتهم يتكلمون اللهجة الحلبية، وكان واضحاً أن أحدهم من أصل فلسطيني. هذا الأخير، سأل من يبدو أصغرهم سناً عن الوضع في عفرين. أجاب صديقه، بأنه فوضى ونهب وسلب واعتداء على الأرواح والطبيعة. ثالثهم، احتج بالقول: " أنت تردد كلام الانفصاليين! ". قال العفرينيّ: " أنا والدي عربي من حلب وأمي من عفرين. وأنقل كلام أهلي، الذين يقيمون هناك ". عاد الآخر للاعتراض، فتدخل الفلسطيني: " يقول لك، أن أهله في عفرين ويعانون من اجرام الفصائل المعارضة مع أنهم عرب؛ فكيف الحال بالكرد وهم سكان المنطقة؟ ".

22
هذا المثل الكردي، !ji Ereba ne beje merheba، يعني: لا تقل للعربي مرحباً! بحسَب تجاربي، يجب أن يقال المثل للكردي لا للعربي !
في مطعم لكرد تركيا، أعتدتُ على الأكل فيه لقربه من مقهى الأركيلة ( الشيشة )، حصل ذات يوم أن ابني الصغير خلط بين أنواع البيتزا وكان يرغب بتلك التي تحتوي على قطع صدر الدجاج. عدتُ إليهم لأوضح اللبس، قائلاً للمعلم: " ضع بعض القطع على وجه الطبق واحسبهم عليّ ". لكنه انزعج، وقال أنني كان يجب أن أدقق بالأصناف الخ.. ولم أعد للمطعم مرة أخرى !
في مطعم آخر يقع ضمن الغاليري في مركز المدينة، كنتُ أطلب دائماً بيتزا ثمار البحر. ذات مرة، تكلمت مع الشباب باللغة الكردية وعرفت أنهم من مواطنينا. إذا بطبق البيتزا يضعونه أمامي على الطاولة خالياً من القريدس ( الجمبري )؛ وهوَ الأساس بالوجبة. كذلك كانت تلك آخر مرة في هذا المطعم !

23
اليوم ظهراً، كنت مع ابني الصغير وأحبَ أن نأكل في مطعم كباب يعرفه. لكنني قلت له، يوجد مطعم آخر وسلطته جيدة ستعجبك. هناك، سلمت كالعادة بالكردية على فتاة الصندوق وهيَ تعرفني كزبون مداوم. لكن إذا بها تحسب صحن الصغير كالكبير. عندما نبهتها، تغنجت وتصنعت سؤال الطباخ عن سعر الوجبات. قبل أن تعود إليّ، كنت قد غادرت المطعم قائلاً لابني: " هلم إلى مطعمك المفضل "
على الغداء، وكان سباغيتي بحَسَب طلب ابني الصغير، تناولت كأساً من النبيذ. كالعادة، بدأ ابني بمحاضرة فيما اللقمة في فمه، عن مضار الشراب. لما وصل في كلامه إلى الحرام، قلت له: " الرسول قال، أن القليل منه جيد للصحة ". رمقني بنظرة مواربة ثم رد بالقول: " هذا كلام المسيح وليس كلام محمد "
" ولكننا نعترف بالمسيح كرسول، ولو كذبنا كلامه نبقى من الكفار! "، أوضحت له بلهجة جدية. انتقل هذه المرة إلى عيد الكريسماس، وما لو يجوز للمسلم أن يحتفل به. أكدت له أن خلاف ذلك حرام، لأن ميلاد أي نبي هو مناسبة دينية مقدسة لكل البشر.
بعد الغداء، شعرتُ بالخمول من أثر النبيذ. قمت وأعددت الشاي على الطريقة المغربية. سألت ابني من مكاني في المطبخ، ما لو يود أن يشرب الشاي معي، لكنه أجاب بالرفض. دخلت عليه عندئذٍ في حجرته وهو يلعب بلاي ستيشن، لأقول: " هل تعلم أن الرسول محمد لم يكن يعرف الشاي، ومع ذلك هو حلال عند المسلمين؟! ".

24
في مثل هذه الأيام من كل سنة، أعتدتُ على استعادة ذكرى صديقي وقريبي " حسون ". كنتُ أرى فيه مثالاً لما يُدعى " الأبيقوري "؛ وهوَ من يسير على خطى فلسفة إغريقية، قائمة على حب الحياة وملذاتها والابتعاد عن كل ما يذكّر بالموت والألم. ما كان لصديقنا أن يبقى مخلصاً لفلسفته الموصوفة، لولا أنه حظيَ فجأةً بميراثٍ مُجْزٍ. حصلَ الأمرُ بمنتصف الثمانينات، عندما جرى تحويل منزل أهله القديم إلى بناية سكنية حديثة. إلا أنّ النهاية المحزنة لحياة صديقنا، والتي جدّت بعد ذلك التاريخ بحوالي خمسة عشر سنة، لم تكن ببال أحد ممن عرفه. كان قد سبقَ أن بدد المال، ولم يعُد أمامه سوى فرصة اللجوء إلى أوروبا. ثمة في ألمانيا، تم رفض طلبه. ويبدو أنه استسلم لليأس، مستبدلاً ابيقوريته العريقة بفكرة عبثية الحياة.
بالنسبة للعديد من معارفه، كان " حسون " مزاجياً وصعب المعاشرة. في المقابل، لم ينكر هؤلاء ما تميز به من طيبة وطرافة. من ناحيتي، كنت أثق بصداقته. ويمكن القول إنّ تأثيري عليه بدأ في فترة مبكرة، كوني قريبه وأكبره بعامين على الأقل. شجعته على أكمال دراسته الأساسية، وكان يشكو قبلئذٍ من أنه لا يتمكن من متابعة الأفلام السينمائية المترجمة. فيما بعد فاجأني اهتمامه بروايات دستويفسكي، وكان يقول أن ما يشده إليها هو تعمقها بتحليل النفسية الانسانية. " حسون "، في المقابل، لم يكن يشاركني الإهتمامَ بالسياسة. آنذاك كنت متحمساً للفكر اليساريّ، وأغلب أصدقائي المقربين كانوا كذلك. سرعان ما أضحى هؤلاء على صلة صداقة مع " حسون "، حتى أنه أخذ يشاركهم السهرات والحفلات. ثم أخذ ينأى بنفسه عن أكثر أولئك الأصحاب، بعدما لاحظ موقفهم العدائي تجاهي حينَ أختلفتُ معهم سياسياً !

25
طريقي إلى مركز المدينة، مشياً، يستغرق تقريباً ربع ساعة. وأقل من ذلك، لو كنت بصدد الوصول إلى المكتبة العامة. اليوم، عندما دخلت إلى عيادة الأسنان كي أحصل على موعد من الطبيب، رأيتُ أن دوامها ينتهي الساعة الرابعة عصراً. كون المكتبة العامة بلصق البناء، عوضت خيبتي بفرحة لقاء المجلدات.
يحبذ الانسان الطريقَ الأقصر، حتى لو كان موحشاً. وهذه عادتي، كررتها اليوم. بدلاً عن سلك الطريق العام، المنفتح على جانبيه شتى المحلات، فإنني اختصرت ذلك من خلال السير في طريق موازٍ تحفه الأبنية الاسمنتية من جهتيه؛ ولا شيء مسلّ فيه سوى المسجد، حيث يتجمع أمام بوابته أشخاص كئيبو السحنة، كأنهم ما زالوا يعيشون في بلدانهم السعيدة الحظ !
انتبهت أيضاً لنفسي، لأن السويديين حينما يرون شخصاً متجهم الوجه يبتسمون له؛ ولو ابتسم هوَ لهم فإنهم يحيونه بلطف وكما لو أنهم يعرفونه. أما الشرقيون، فلا أدل على أخلاق الكثير منهم سوى المثل الشامي المعروف: " طبْ الأعمى على وجهه، مالك أرحم من ربه!! ".

26
أمس في المقهى، عليّ كان أن أتحمّل التصرفات المسيئة، التي يُظهرها بعض السوريين وربما يعتقدون أنها عادية بل وربما ترفع الرأس؛ بحسب قولٍ، شاع قبل الثورة في عهد الوريث الأهبل: " أنا سوري يا نيالي " !
كنت جالساً أكتب، عندما دخلت امرأتان في ثلاثينيات العُمر، فجلستا على طاولة قريبة. كانتا تتحادثان بلهجة شامية، ولكن إحداهما كان واضحاً أنها ترطن بها. هذه الأخيرة، فتحت موبايلها على حفلة عرس، يصدح فيها العندليب الأجرب، علي الديك، وراحت تهتف بمتعة " عيني ربك هنت! ". ثم أخذت تشرح لصديقتها أنها حفلة عرس إحدى قريباتها، معددة ما حفلت به من مأكولات ومشروبات وهدايا وملابس فخمة. زوجان سويديان، عجوزان، ما لبثا أن انتقلا مع قدحيهما إلى الجهة الأخرى من المقهى، تاركين المكان لحبيبة علي الديك !
بعد قليل، لاحظت المرأة الشامية ما يحفل به العرس من بذخ، فقالت لها الأخرى: " يا خيتي، والله بلدنا كله خير! شوفي التجار ما أغباهم، بدلاً عن الاستثمار ببلدهم وضعوا مليارات الدولارات في بنوك لبنان التي أعلنت اليوم إفلاسها ". تذكرت عند ذلك برنامج " صوت القوات المسلحة "، كان يقدم من اذاعة دمشق في السبعينات والثمانينات. كان فيه حوارية يومية بين مجند شامي ساذج ورقيب علوي مثقف، يوعيه على ما يحيط بلادنا من مؤامرات امبريالية لإضعاف صمودها بقيادة السيد الرئيس، فارس الأمة العربية.

27
عندما أخذت طريقي إلى المقهى، كان المطر يتساقط رذاذاً. درجة الحرارة منذ حوالي خمسة أسابيع لم تنزل عن + 5؛ وهذه حالة نادرة لم تشهدها السويد في تاريخ الطقس المسجّل.
رائحة الأركيلة أيضاً، هبت في أنفي مع وصولي لمركز المدينة. مع العلم، بأن قانوناً مشدداً، يُعمل به منذ الصيف المنصرم ويمنع بموجبه التدخين حتى ضمن الأماكن العامة المكشوفة.
تذكرت عندئذٍ شوارع حي غيليز الراقي في مراكش، وكان يفوح من بعضها رائحة الأركيلة، التي يسمونها في المغرب ( شيشة ) مثل المصريين. ذات مرة، سألتني الفتاة النادل في المقهى بغيليز: " تريد شيشة التفاح أو النعنع؟ ". فقلت لها: " التفاحتين ". وإذا بها تعود بعد قليل وهي تحميل زوجاً من الأراكيل، فوضعتهما أمامي!

28
على سيرة الأركيلة ( الشيشة )، في خلال زياراتي لمراكش منذ نحو 12 سنة، تعرفت على مقاهيها متأخراً نوعاً. إذ كنتُ قبلاً أفضّل قضاء الوقت في المقاهي العادية، الكائنة في المدينة القديمة. بينما مقاهي الشيشة يقع أغلبها في حي غيليز، الراقي.
بعد عام 2014، أعتقد أنني غيرت سبعة مقاهي للشيشة. ذلك كان عند رغبة الأصدقاء المغاربة، وبالأخص المجموعة التي تعمل مع ابن حميّ في أحد الفنادق الدولية بمراكش.
في الصيف المنصرم، كنتُ في مقهى بغيليز، وكان الأصدقاء قد تعرفوا عليه مؤخراً. يوماً بعد يوم، كنتُ أستقبل هناك المزيد من أولئك الأصدقاء. يوماً، وكنا نتابع في المقهى إحدى مباريات كأس أفريقيا، إذا بشاب يدخل مسرعاً متجهاً نحونا. اعتقدتُ أنه على معرفة بأصدقائي، ما دفعني للنظر إليه. هنا، اندفع نحوي معانقاً مقبلاً. عندئذٍ انتشرت رائحة كريهة في أنفي، بينما يدي ووجهي انطبعت عليهما مادة تشبه الصمغ. في اللحظة التالية، عندما صرخ صديقي بالشاب، عرفت أنه متشرد مسكين دخل المقهى للتسول. بينما صديقي يعاتب الفتاة النادل، بسبب سماحها لدخول المتسولين، كنتُ أتجه نحو الحمّام. هناك غسلت يدي وجهي بالصابون. عندما خرجت من الحمّام، قالت لي النادل: " ألا تحتاج للبارفان أيضاً؟! ".

29
هناك مثل مصري، نسمعه كثيراً في الأفلام والمسلسلات: " إيه جمّع الشامي عالمغربي! ". واضح أنه يعني الاختلاف الكبير بين البلدين، خصوصاً لناحية اللهجة.
في زياراتي الأولى لمراكش، كنت أجد صعوبة في فهم اللهجة المغربية. لكن في المقابل، كانت لهجتنا الشامية مفهومة، وربما بسبب دبلجة الدراما التركية. أول مرة نزلتُ في رياض ( أي البيت الأثري المحوّل لفندق )، تكلمت المدبرة عن الخدمة والطعام. سألتني بعدئذٍ إذا أردتُ أن استفهم منها شيئاً آخر؛ فقلت لها: " لا، لأنني لم أفهم منك شيئاً! ".
ذات مرة، وكنت في مدينة الصويرة ( موغادور )، مررت بامرأة أوروبية تعرض على الرصيف لوحات أكثرها عن البيئة المحلية. وإذا هي تتكلم قليلاً اللهجة المغربية. لما ذكرتُ لها أنني من سورية، فاجأتني بالقول: " زوجي سوري، وهو الرسام صاحب هذه اللوحات ". اخترتُ لوحة ودفعت ثمنها ( لا زالت لدي في السويد معلقة في الصالون )، عندما حضر رجل ملامحه مغربية وتكلم بالفرنسية مع المرأة. قالت لي: " هذا هو زوجي ". سألته عندئذٍ: " من أي مدينة سورية حضرتك؟ ". ضحك وقال: " أنا مغربيّ من الصويرة! ". فعرفتُ أن زوجته لفظت اسمَ المدينة بحرف السين، وكان قصدها أن تقول " زوجي صويري!! ".

30
لعل البعض يذكر أنني تكلمت مرة عن مقهى، أصحابه من كرد تركيا وعن طريقتهم الجلفة بالتعامل مع الزبائن. أمس، اضطررت للجلوس فيه من أجل لقاء عابر مع صديق، كان يود تسليمي غرضاً.
عادةً، أنا أشتري الحلوى الإفرنجية من السوبرماركت ثم أدخلها معي إلى المقهى. ذلك يوفر عليّ عشرات أضعاف الثمن. ولأنني كنتُ معتاداً على أكل تلك الحلوى في المقهى المذكور، فإن الفتاة النادل كانت دائماً تتصرف معي بطريقة عدوانية.. كأن تستعجلني على دفع الحساب عندما يكون دورها وراء الصندوق، أو تسحب كوب القهوة من أمامي وما زال فيه رمق من حياة !
وإذاً، قبل مجيء ذلك الصديق، تذكرتُ فجأة أن اليوم جمعة ومحل المشروبات الروحية يغلق في العطلة. قمت بسرعة واتجهت للمحل، تاركاً أشيائي على الطاولة. لما رجعتُ، ظنت النادل اللئيمة أنني ذهبت لشراء الحلوى. حين أخذت بلملمة الصحون والأقداح الفارغة من الطاولات المحيطة بمجلسي، فإنها فعلت ذلك بضجة مزعجة. خاطبتها عندئذٍ بالكردية بصوت منخفض ودون أن أنظر إليها: " Hey geni "ـ أيتها المنتنة! سمعتني، وكانت تهم بالتحرك، فأفلتت من يدها بعض الأشياء وتحطمت على الأرض!

31
اليوم، جاءني أمر على الهاتف أن أحضّر وجبة اللازانيا. بما أنه بقيَ في الزجاجة نبيذ، نفذت الأمر ولم أعترض. في السويد، بالمناسبة، يتعلم أطفالنا ألا يتدخلوا في حياة وشؤون الآخرين، بما في ذلك الآباء. ابني الصغير من هذا النوع، وسنرى ذلك في سياق حديثنا.
قلنا أن اللازانيا جهزت في مرحلتها الأولى، الأساسية؛ وهيَ طبخ اللحمة مع البصل المفروم والجزر الناعم ثم اضافة معجون الطماطم. بعد ذلك حضرت البشاميل، ولحسن الحظ أن رأسين من الثوم نجيا من الجفاف وكان فيهما روح. لكن إذا بي بعدما سكبت الطبخة على ألواح اللازانيا، أنتبه أن الفرن غير حامي. السبب، أنني لم أضغط بشكل جيد على زر التشغيل وكان مثل المعلّق غير المطلّق !
أخيراً، بدأت اللازانيا تجهز، وحان موعد إخراجها من الفرن. في الأثناء، كنتُ أحتسي بين نظرة ونظرة، شفّة من الشراب. أخرجت جاط اللازانيا، ثم وضعت قطعة لابني وقطعة لنفسي. واصلت حديثي معه بينما أضع اللقيمات الأولى في فمي. لحظت أنه يكبت ضحكته، ولم أعرف السبب إلا بعدما رأيت السكين في يدي وأنا أمسكها بالمقلوب وأستعملها من جهة حدّها وليس قبضتها!

32
قبل يوم أمس، أفقتُ ليلاً عقبَ قيلولة طويلة وما لبثت أن شعرت بالضجر. عند ذلك ارتديت ملابسي وتوجهت إلى المقهى العربي، الذي يُضيّف لزبائنه الأركيلة ( الشيشة ).
انتبهت هناك أنهم رفعوا الحواجز الخشبية، التي تفصل بين المقصورات الموجودة في صدر المقهى، وجعلوها على شكل الساتر في منتصف المقهى. من خلف الساتر، تصاعدت أصوات مجموعة كبيرة من الشباب والفتيات، ما زاد من استغرابي.
بعد دقائق، إذا بالأنوار تطفأ والحواجز ترفع بعيداً، ليظهر أولئك الفتية مع زينة رائعة على الجدار المقابل لجلستهم. ثم دخلت فتاة تحمل طبق التورتة مع شعلتين على طرفيه. كان عيد ميلاد إحداهن، وهيَ من كرد تركيا وكذلك معظم أفراد المجموعة مع بعض السويديات. ثم أطفأت شموع التورتة، وانطلقت الموسيقى الكردية وصاروا يرقصون شباباً وبنات. بعد نحو ساعتين وقتما ذهبت لأدفع الحساب، قال لي صاحب المقهى وهو فلسطيني عراقي: " المرة القادمة سنحتفل بعيد ميلادك! ". فأجبته: " بهذه الحالة يجب حجز معظم شموع السوق!! ".

33
شهر فبراير/ شباط، هو من القسوة أن السوريين يقولون عنه " شباط اللبّاط ". لكنه كأنما هذا العام ترك مكانه لزميله الربيعيّ اللدود، شهر ابريل/ نيسان؛ مثلما فعل سابقه يناير/ كانون الثاني، الذي مر على السويد وكأنه مارس/ آذار!
عادةً، عندما تنبهني أمي إلى أن شعري صار طويلاً زيادة، كنت أمزح معها بأنني أحتمي به من البرد. ولكن هذا الشتاء كان دافئاً حتى اليوم، فيما خصلات شعري اندلقت حتى أسفل العنق.
في حقيقة الحال، أنني لا أرتاح للحلاقين السويديين، وآخر حلاق سوري تعرفت عليه هنا اختفى فجأة. كنت أعول على عودتي السريعة إلى مراكش، لأنني زبون عند حلاق في غاية المهارة والطيبة. يقع دكانه في مدخل حي باب أغمات، الذي قضيت فيه معظم إجازاتي خلال دزينة من السنين. الأصدقاء هناك، انتظروني أن أعود قريباً كما وعدتهم. غير أن الأشهر مرت، دونما أمل في الحصول على تأشيرة من فرع الأمن الداخلي!

34
بمناسبة عيد ميلاده، عزمتُ ابني على مطعم كباب في مركز المدينة، وبطريقنا اشتريت له الهدية أيضاً. اليوم، كان طقسه امتداداً للربيع الآتي مبكراً ما يزيد عن الشهرين. الأرض صارت خضراء، وأغصان الأشجار والنبات ظهر براعمها، كذلك سيقان الأزهار لم يبق إلا أن تتفتح عند أول سانحة للشمس السخية.
كون ابني جيناته بربرية على كردية، شاء أن يعاندني في اختيار المطعم المناسب. هكذا توجهنا إلى مطعم وضعوا على واجهته لافتة غامضة، بحيث لا يعرف المرء أهو متخصص بالكباب أم بشيء آخر. فتاة سمراء متجهمة الوجه كانت تقف وراء الصندوق، ولقد ابتسمت لنا بما أن المطعم فارغ تماماً. طلبنا صحن كباب لكل منا، وإذا هي تخرج كيساً مربعاً بحجم قبضة اليد، قائلة: " نحن لا نستعمل الصحون بل هذا النوع من الكرتون ". هززت رأسي بحركة غامضة، شبيهة بالكيس المربع ثم غادرت المكان متجهاً إلى مطعم آخر نعرفه؛ بينما ابني بقي مطرقاُ برأسه لا يبدي اعتراضاً!





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,717,924,941
- المنزل المنحوس
- حديث عن عائشة: الفصل السابع
- حديث عن عائشة: بقية الفصل السادس
- حديث عن عائشة: مستهل الفصل السادس
- حديث عن عائشة: بقية الفصل الخامس
- حديث عن عائشة: الفصل الخامس/ 2
- حديث عن عائشة: الفصل الخامس/ 1
- حديث عن عائشة: الفصل الرابع/ 5
- حديث عن عائشة: الفصل الرابع/ 4
- حديث عن عائشة: مستهل الفصل الرابع
- حديث عن عائشة: بقية الفصل الثالث
- حديث عن عائشة: مستهل الفصل الثالث
- حديث عن عائشة: بقية الفصل الثاني
- حديث عن عائشة: مستهل الفصل الثاني
- حديث عن عائشة: بقية الفصل الأول
- حديث عن عائشة: مستهل الفصل الأول
- سارة في توراة السفح: الخاتمة
- سارة في توراة السفح: الفصل الرابع عشر/ 5
- سارة في توراة السفح: الفصل الرابع عشر/ 4
- سارة في توراة السفح: الفصل الرابع عشر/ 3


المزيد.....




- وفاة -بيبي بيجي-... النجمة الطفلة في عهد السينما الصامتة
- شخصيات في حياتي.. أمسية ثقافية في ويلز
- فيروس كورونا يتسبب في إيقاف تصوير فيلم "ميشين إمبوسيبل& ...
- فيروس كورونا يتسبب في إيقاف تصوير فيلم "ميشين إمبوسيبل& ...
- إدانة قطب صناعة السينما الأميركية «واينستين» بارتكاب جرائم ج ...
- استقبال حار لـ «كلينتون» في مهرجان برلين السينمائي
- -الجوكر- يتجول في دمشق..ما حقيقة تصوير الأفلام الهوليوودية ف ...
- قصة عبد الكريم سلوادي - فخر فلسطين وبطل العالم في فنون القتا ...
- شركة سينمائية تعلق تصوير فيلم -المهمة المستحيلة- في إيطاليا ...
- كاريكاتير -القدس- لليوم الثلاثاء


المزيد.....

- مسرحية الطماطم و الغلال (مسرحية للأطفال) / زياد بن عبد الجليل
- أناشيد القهر والحداد / Aissa HADDAD
- ماتريوشكا / علي مراد
- الدراما التلفزيونية / هشام بن الشاوي
- سوريانا وسهىوأنا - : على وهج الذاكرة / عيسى بن ضيف الله حداد
- أمسيات ضبابية / عبير سلام القيسي
- حروف من الشرق / عدنان رضوان
- شبح الأمراض النادرة و إفلاس الأطباء / عدنان رضوان
- ديوان النفي المطلق / السعيد عبدالغني
- ديوان الحضرة / السعيد عبدالغني


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - عصير الحصرم 77