أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - راتب شعبو - فلاحو سوريا، التاريخ ما وراء حجاب السياسة 1















المزيد.....

فلاحو سوريا، التاريخ ما وراء حجاب السياسة 1


راتب شعبو

الحوار المتمدن-العدد: 6232 - 2019 / 5 / 17 - 10:31
المحور: قراءات في عالم الكتب و المطبوعات
    


غالباً ما سيطر الحدث السياسي على كتابة التاريخ في بلداننا. اعتادت مجتمعاتنا على أن تكون السياسة هي المادة التي تملأ فراغ الآلهة. كل الأنشطة الاجتماعية تختفي أمام بريق السياسة الخاطف. كل إنجاز اقتصادي أو رياضي أو ثقافي هو مجرد دليل على إنجاز سياسي. لا غرابة أن يعبر هذا الدين السياسي عن نفسه في سوريا بأن يلقب رئيس الدولة الأبدي (صاحب السياسة) بأنه الرياضي الأول والمعلم الأول والطبيب الأول وأول كل شيء. وقد عكس هذا ذاته في كتابة التاريخ فغدا الحدث السياسي خالق كل ما عداه ومصدره. في كتابه (فلاحو سوريا، أبناء وجهائهم الريفيين الأقل شأناً وسياساتهم)، الصادر في بيروت 2014، عن "المركز العربي للابحاث ودراسة السياسات"، بترجمة موفقة لعبد الله فاضل ورائد نقشبندي، ومراجعة ثائر ديب، يسعى حنا بطاطو، المؤرخ الأمريكي البارز ذو الأصل الفلسطيني، إلى الاقتراب أكثر من الواقع، والنظر ما وراء السياسة، وجعل كتابة التاريخ فعلاً ميدانياً أيضاً.
يتقاسم العنوان الرئيسي للكتاب (فلاحو سوريا) والعنوان الفرعي له (أبناء وجهائهم الريفيين الأقل شأناً وسياساتهم)، عدد صفحات الكتاب مناصفة تقريباً. يخصص الباحث ثلاثة أقسام للعنوان الرئيسي هي (ظروف الفلاحين الاجتماعية والاقتصادية) و(أنماط الوعي والتنظيم والسلوك السياسي الفلاحي قبل البعث) و(البعثية في جوانبها الريفية والفلاحية)، فيما يخصص للعنوان الفرعي قسماً واحداً يعادل بالحجم الأقسام الثلاثة الأولى بعنوان (حافظ الأسد أو أول حاكم لسورية من أصول فلاحية).
الحق أن بين نصفي الكتاب انقطاع شبه تام في المعنى، فلا علاقة لما يتضمنه النصف الثاني من الكتاب بقضية الفلاحين بحصر المعنى. في النصف الثاني من الكتاب تجد نفسك أمام تأريخ للحقبة التي سيطر فيها حافظ الأسد على سوريا، يحاكي الكثير من الكتب التاريخية التي تناولت تلك الحقبة. لكن ما يجعل بطاطو يجمع النصفين في كتاب واحد هو الفكرة الأثيرة على نفسه والتي تقول: ما يحدد سياسة رجل السياسة واهتماماته هو البيئة التي نشأ فيها أكثر مما يحددها أي شيء آخر. والحقيقة أن هذه الفكرة تربط نصفي الكتاب كخيط واه لا يمتلك من القوة ما يسوّغ توحيد النصفين في كتاب واحد.
الفلاحون ليسوا جماعة اجتماعية متجانسة
يمعن بطاطو في التمييز بين فئات الفلاحين في سوريا، فهو يرى أنه "ليست هناك فئة عامة تدعى الفلاحون، بل هناك تشكيلة من الفئات الاجتماعية". يميز الباحث الفلاحين البستانيين (نموذجهم الأصلي فلاح الغوطة) المرتبطين بأرضهم، عن الفلاحين الزراعيين الذين لا يرتبطون بأي قطعة أرض محددة و"ما كانوا يستكرهون مغادرة مسقط رأسهم" هرباً من مضايقات البدو، (نموذجهم الأصلي فلاح سهل حوران وحوض الفرات). الاستقرار يجعل الفلاح يستثمر في الأشجار المثمرة، ويُسمى هؤلاء في إدلب "أهل العود" أو "أصحاب الشجر"، فيما يجعل عدم الاستقرار الفلاح غير واثق من مكوثه في أرضه السنوات الكافية لجني غلال الأشجار إذا غرسها، فهو بالتالي يميل إلى زراعة المحاصيل الموسمية. كما أن استقرار الفلاحين البستانيين يشكل بيئة ملائمة للتدين، فقد وصل التدين بفلاحي الغوطة مثلاً إلى حد التردد في "قبول الأرض المصادرة بموجب قانون الإصلاح الزراعي خشية من مخالفة تعاليم الدين الإسلامي". فلاحو وادي نهر العاصي في حمص وحماه وفلاحو مناطق إدلب الغنية بالبساتين هم أقرب إلى فلاحي الغوطة.
يكمل بطاطو التمييز بين الفلاحين، فيتكلم عن فلاحين مسالمين (هم غالباً أهل السهول) وآخرين من أصل محارب (أهل الجبال وأبرزهم الدروز وعلويو الجبال). ويتكلم عن الفلاحين "السنة" والفلاحين "أهل البدع"، ويلاحظ الباحث أن الدين كان "عامل شقاق أكثر منه قوة موحدة، ولاسيما بعد تقدم الأصولية"، وأن صعود فكرة القومية والاشتراكية في الماضي جعلت الجهد التوحيدي ممكناً (سنرى ذلك على يد أكرم الحوراني، السياسي الفلاحي البارز في تاريخ سوريا). ثم يميز الفلاحين بلا عشائر عن الفلاحين المرتبطين بالعشائر، فيلاحظ أن فلاحي الغوطة و"أهل العود" في إدلب والبستانيين في حمص وحماه وحلب، وفي ساحل اللاذقية وسهل بانياس هم فلاحون بلا عشائر. أما "في قرى الفرات ورافديه الرئيسيين البليخ والخابور فما زال النظام القبلي حياً". وكذا الحال في سهول حوران. وهناك تمييز بين الفلاحين حسب الحيازات الصغيرة والمتوسطة، وتمييز بين المحاصصين والعاملين بأجر. في النهاية نحن أمام فئة تختلف في التجربة التاريخية وفي الولاء الديني والأفق الاجتماعي والمصالح الاقتصادية، كما تختلف من حيث طبيعة الاستجابة لمختلف أشكال المصاعب والمتاعب والقمع.
تأثيرات الإصلاح الزراعي وصعود البعث
ولكن ما التأثيرات التي تركها الإصلاح الزراعي ووصول حزب اشتراكي (حزب البعث) إلى سدة السلطة في 1963 على الفلاحين وعلى علاقات الملكية والبنية العشائرية؟ يشير الكاتب إلى أن الإصلاح الزراعي أحدث تغيراً كبيراً في علاقات الملكية وفي العلاقات العشائرية في مناطق حوض الفرات نظراً لسيادة الملكيات الكبيرة التي فتتها الإصلاح الزراعي. أما الحال في سهل حوران فلم يتبدل كثيراً نظراً لسيطرة الملكية الصغيرة والمتوسطة ثمة. ومن ناحية أخرى، أتاح وصول حزب اشتراكي إلى سدة السلطة فرصاً جديدة للنفوذ والوجاهة مستمدة من العلاقة مع السلطة المركزية بالاستقلال عن العشيرة وعن حجم المُلكية، فقد وصل إلى مواقع عليا في سوريا شخصيات من أصول فقيرة، مثلاً كان أمين فرع حزب البعث في الرقة بين 1966 و1970 ابن بائع خضار، ووصل في السويداء ابن فلاح صغير إلى عضوية القيادة القطرية، ويمكن سرد أمثلة كثيرة على هذا. ولكن لا بد أن نشير هنا إلى أن هذه الحقائق غالباً ما تكون مضللة إذا أخذت كمقياس على مدى انفتاح الحزب الحاكم على الشعب، ذلك أن السلطة الأمنية التي أسس لها البعث جعلت من مسؤولي الدولة نوعاً جديداً من الأسياد يمارسون التمييز والتسلط على نطاق أوسع وأحياناً أشنع مما كان يمارسه الأسياد العشائريون أو الملاك الإقطاعيون. فإذا كانت سلطة الإقطاعي أو شيخ العشيرة تستمد مما يملك من مال وأزلام، فإن سلطة السيد الجديد تستمد من قوة جهاز الدولة بكامله ومن صلاحياته اللامحدودة.
ومن المهم الإشارة إلى أن المعلومات التي اجتهد الباحث في جمعها تفيد أنه "منذ تراجع سوريا عن الراديكالية بعد 1970، حدث انقلاب في بعض الاتجاهات التي ولدها الإصلاح الزراعي"، فانخفض عدد حائزي الأرض بنسبة 5.3% بين 1970 و1981، وكان هذا النقص أساساً على حساب أصحاب الملكيات الصغيرة الذين اضطروا إلى تأجير أرضهم لمزارعين أكبر أو لمستثمرين، ما أدى إلى بروز ظاهرة غياب مالك الأرض - الفلاح. وهذا ما يؤشر إلى تزايد سطوة المالكين الكبار الذين استفادوا من "الغياب الفعلي لأي سقف للحيازات المستأجرة"، على خلاف ما كان عليه الحال في ظل البعث قبل 1970، حيث كان ثمة حدود عليا قانونية للمساحة التي يحق للشخص أن يستثمرها وحده. وارتبط هذا التحول أيضاً بنشوء علاقة تواطؤ بين العناصر القوية في جهاز الدولة وبين المالكين الكبار، نقصد بالتواطؤ هنا أن نظام الأسد لم يبدل القانون رسمياً (على العكس من ذلك فقد صدرت في 1980 تعديلات على قانون سقف الملكية الزراعية جرى بموجبها خفض السقف الذي حدده قانون 1963)، بل تجاهله لتحقيق مصلحة مشتركة بين أصحاب رؤوس المال وبين رجال الدولة الأقوياء. فضلاً عن أن الدولة لم توزع حتى 1975 سوى 33.3% من مجموع الأراضي المصادرة، وباعت 23.5% منها، وخصصت للتعاونيات ومختلف الوزارات 18.1% ، وظل الباقي دون توزيع، يقول الباحث "الظاهر أن الكثير منه قد أُجر"، ولكن عدم عثور الباحث على أي بيانات رسمية عن هذه المساحات، يقول إنها تحولت إلى مادة للفساد والنهب بأنواعه.
يطرح هنا مجدداً السؤال عن مدى فاعلية الإصلاح الزراعي في الجمع بين العدالة الاجتماعية والجدوى الاقتصادية. مهما يكن أمر البحث في هذا السؤال العسير، يبقى مما لا شك فيه أن الفساد السياسي يساهم في إفشال أي حل اقتصادي، وعلى نحو خاص في الشأن الزراعي البالغ التعقيد.
ماذا حقق البعث للفلاحين
يذكر الباحث أن حكومات البعث المتعاقبة قامت بخطوات كثيرة لصالح الفلاحين، منها تحسين وضعهم الائتماني من خلال شبكة المصارف الزراعية التعاونية، وخفض العبئ الضريبي الذي كان يدفع الفلاحين في أزمنة سابقة إلى قطع أشجارهم للخلاص من عبئها الضريبي الذي كان يفوق مردودها. وكانت كهربة الريف من المجالات المهمة التي أنجزها البعث، حتى عام 1992 تمت كهربة 95% من القرى السورية وبأسعار مدعومة. الإشارة تجدر هنا إلى أن شبكة الكهرباء في سوريا التي وصلت بالفعل إلى أقاصي القرى غالباً ما كانت أكبر من الطاقة الكهربائية المتوفرة. كما أنجز البعث حتى 1980 شبكة مياه آمنة لـ54% من الريفيين و97% من الحضريين. والتحسن الملحوظ في فترة حكم الأسد الأب يتعلق بالمجال الصحي حيث توسعت الرعاية الصحية عموماً، من حيث عدد الأطباء وعدد المستشفيات والمراكز الصحية وقد انعكس هذا في تراجع معدل الوفيات الخام ومعدل وفيات الأطفال. فضلاً عن استئصال بعض الأمراض التي كانت تشكل عبئاً على الأسرة السورية مثل شلل الأطفال والجدري والملاريا والسل، وهي خدمات مجانية. وشمل التحسن مجال النقل والاتصالات، ومجال التعليم.
تحقق في ظل الأسد تطورات مهمة في الزراعة من حيث المكننة الزراعية ومن حيث التوسع الكبير في عدد الاختصاصيين الزراعيين وتشكيل وحدات الإرشاد الزراعي العاملة في الحقول وليس في المكاتب والتي تضم أطباء بيطريين ومرشدين زراعيين. مع ذلك "لم يكن التقدم النوعي على جميع المستويات مثيراً للإعجاب"، كما يذكر الباحث. وقد سبق للاقتصادي السوري رزق الله هيلان أن كشف محدودية "إنجازات البعث" مقارنة مع التجربة البلغارية.
لكن في الوقت الذي ينبغي رؤية هذا التحسن، ينبغي أن نرى أيضاً أن أنظمة البعث المتعاقبة، ولاسيما بعد 1970، كانت تسعى أولاً إلى ترجمة هذه الإنجازات العادية إلى شرعية سياسية، فلا ينظر إلى الإنجازات على أنها وظيفة طبيعية للدولة بل على أنها "عطاءات" من "مالك الدولة" المتمثل في "السيد الرئيس". وثانياً إلى تسييس كل المشاريع غير السياسية أكانت، ثقافية أو اقتصادية أو سوى ذلك، من خلال المعاملات التمييزية واستثمار كل مجال لصالح تكريس الاستئثار وتعظيم الفرد وغرس الفكر البعثي الشوفيني والإقصائي.
الهاجس الأمني السياسي يرهق الزراعة
يلفت النظر في الأرقام التي يثبتها الباحث أن مساحة الأرض المستثمرة في سورية انخفضت من متوسط قدره 6.5 مليون هكتار في النصف الأول من الستينات، إلى متوسط قدره 5.5 مليون هكتار في الثلث الأول من التسعينات. في البحث عن الأسباب سنجد أن السبب الرئيسي هو غياب التخطيط أو عدم الالتزام بالخطط جراء المحاباة أو الرشاوي أو شراء الولاء وشتى أشكال الفساد الذي يحوز على رضى ومباركة القيادات العليا في دولة البعث طالما أنه يعزز السيطرة. سحب المياه الجوفية بدون رقابة وبشكل يفوق إعادة امتلاء أحواض المياه الجوفية أدى إلى "ذبح المياه" حسب تعبير فلاح من القلمون. وأدى فرط استعمال نهر بردى للأغراض الصناعية والمنزلية إلى "موت بردى" وتحول مياهه إلى "ماء آسن وملوث يقتل الشجر ويؤدي إلى يباسه" على ما يقول أحد فلاحي الغوطة المسنين.
خرجت أيضاً مساحات واسعة من الأرض الزراعية من الاستخدام نتيجة التسبخ وانتشار الملوحة الناجم عن سوء إدارة مياه الري كما في حوض الفرات ومنطقة الغاب. وضاعت مساحات أخرى نتيجة "الزحف السرطاني للكتل الاسمنتية" ونتيجة بناء مشاريع صناعية في مناطق زراعية مثل مصفاة بانياس ومعمل اسمنت طرطوس. يُلاحظ هنا أن معظم الأرقام والتحذيرات التي يستند إليها الباحث مأخوذة من الجرائد السورية الرسمية ووثائق مؤتمرات الاتحاد العام للفلاحين، ما يدل على أن التخريب ليس ناجماً عن الجهل بما يجري، بل عن ترتيب الأولويات، وفي هذا الترتيب يحتل الهاجس الأمني السياسي المركز الأول دائماً. وسوف نرى أنه حين استشعر النظام الخطر السياسي الأمني جراء الحصار الأوروبي في النصف الثاني من الثمانينات من القرن الماضي، فإنه تمكن من تحقيق قفزات نوعية وحقق الاكتفاء الذاتي في ما سماه "المحاصيل الاستراتيجية".
الشيوعيون والفلاحون
في شرح علاقة الشيوعيين بالمسألة الفلاحية، يمارس بطاطو هوايته في تفسير السياسات استناداً إلى منشأ السياسي، فيقول: "كان للجذور الريفية لمعظم الشيوعيين البارزين الأوائل أثراً في جعلهم ذوي حساسية تجاه مشكلات الفلاحين". ولكن لم تخدم هذه "الحساسية" الشيوعيين فهم لم يتقدموا في الريف إلا بين الفلاحين المسيحيين في يبرود، ويمكن تقصي الأسباب في عدم مثابرة الشيوعيين وفي ضعف المواصلات وفي سيطرة الصوفية على العدد الأكبر من الفلاحين إضافة إلى الخلفية الأقلوية لجميع القادة الشيوعيين البارزين باستثناء (ناصر حدة) الذي كان العربي السني الوحيد في قيادة الحزب.
مال الخط السياسي للشيوعيين إلى المهادنة بعد وصول خالد بكداش (غير الفلاحي النشأة) إلى الأمانة العامة للحزب، ما يدعم مؤقتاً فكرة بطاطو الآنفة الذكر. حيث سعى بكداش لكسب ود ملاك الأرض فأكد لهم إنه "لم يطالب، ولن يطالب، بمصادرة أملاكهم .. وكل ما يطلبه هو الرأفة بالفلاح وتخفيف بؤسه". تمكن الشيوعيون رغم هذا التصريح المحبط أن يكسبوا المزيد من الفلاحين ولكن في أوساط الأقليات الدينية والمذهبية بشكل أساسي. الضربة الأكبر التي مني بها الحزب الشيوعي هي مصادقته على قبول الكرملين قرار تقسيم فلسطين في 1947 وما أعقب ذلك من حظر الحكومة السورية للحزب في 1948. فبينما كان عدد أعضاء الحزب في لبنان 20 ألف عضو، وفي سوريا 15 ألف في 1947، لم يتجاوز عدد أعضائه في البلدين بضع مئات في 1949. أهمية الموضوع الوطني، ولاسيما فلسطين، تطغى على المواضيع الأخرى. جدير بالإشارة أنه لم يعد الأمر على هذه الحال اليوم، تراجعت المسألة الوطنية بوضوح أمام مطلب الحرية والكرامة التي تعني العدل والمساواة أمام القانون.
في 1951 عاد بكداش إلى المطالبة بتوزيع أرض كبار الملاكين، وتمكن الحزب من اختراق البيئة العربية السنية في منطقة كفرتخاريم في إدلب وفي بلدة الموحسن في دير الزور التي راحت تعرف باسم "موسكو الصغرى"، وقادوا نضالات فلاحية ضد الملاكين الكبار والاقطاع، لكن تبين أن كل مكاسب الشيوعيين هذه عابرة، فقد تراجع حضورهم كثيراً نتيجة موقف بكداش من الوحدة المصرية السورية وقانون الإصلاح الزراعي، الأمر الذي جعلهم في انحدار لم ينهضوا منه ثانية.
في بداية السبعينات ارتبط بكداش بالنظام السوري وهذا كان مصدر ضعف له أكثر مما هو مصدر قوة حتى تحول إلى قوة مهملة على الساحة. وهذا الحال فتح باب الانشقاقات عن الحزب الشيوعي. كان انشقاق المكتب السياسي بقيادة رياض الترك أول انشقاق يتعرض له الحزب، تلته فيما بعد بضعة انشقاقات. ورافق هذا الهزال الشيوعي الرسمي نشوء ظاهرة الحلقات الماركسية (نوع من الحركة الأصولية الماركسية) التي انتهت إلى تشكيل تنظيم شيوعي جديد باسم رابطة العمل الشيوعي (هذا ما لا يعرفه الكاتب الذي يظن أن رابطة العمل انشقاق آخر عن الحزب الشيوعي). يعرض بطاطو التنظيمات الشيوعية السورية بتسرع وخفة لا تليق بباحث على هذا المستوى. ويستند إلى أقاويل وشائعات تشوه هذه التجارب في الوقت الذي لا يزال أهل التجارب هذه أحياء يمكن مقابلتهم، ولا يزال من الممكن الاطلاع على أدبيات هذه التجارب لعدم الوقوع تحت رحمة "الشائعات". فليست رابطة العمل الشيوعي التي أصبحت حزب العمل الشيوعي بعد مؤتمرها الأول والأخير عام 1981، جناحاً من أجنحة الحزب الشيوعي السوري، كما أنها ليست بقيادة ضباط علويين ولم تتبن الكفاح المسلح، أي إن كل ما أورده حنا بطاطو عن رابطة العمل الشيوعي خاطئ ما عدا الاسم. للأسف، القاعدة في كتابة التاريخ هي تشويه وإهمال والاستخفاف بالتجارب المتعثرة، وبالمقابل تلميع وتعظيم والاهتمام بالتجارب التي تستولي على الحكم وتفرض نفسها ولو بالقوة والعنف.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,568,721,022
- أسئلة عن الثورة السورية
- حوار، في البحث عن سوء تقديراتنا 4
- حوار، في البحث عن سوء تقديراتنا 3
- حوار، في البحث عن سوء تقديراتنا 2
- حوار، في البحث عن سوء تقديراتنا 1
- تمرد المرأة السورية على الأطر السياسية الذكورية
- جرائم شرف في الثورة
- نجاحات ومخاطر في السودان
- الشبيحة: تشكيلات العنف غير الرسمي في سورية 8
- الشبيحة: تشكيلات العنف غير الرسمي في سورية 7
- الشبيحة: تشكيلات العنف غير الرسمي في سورية 6
- الشبيحة: تشكيلات العنف غير الرسمي في سورية 5
- الشبيحة: تشكيلات العنف غير الرسمي في سورية 4
- الشبيحة: تشكيلات العنف غير الرسمي في سورية 3
- الشبيحة: تشكيلات العنف غير الرسمي في سورية 2
- الشبيحة: تشكيلات العنف غير الرسمي في سورية 1
- إياك أن تموت مع الرئيس المقبل
- بيتنا والاسفلت
- البديهيات والاستاذ
- الكوفيون الجدد


المزيد.....




- أردوغان يرد انتقاد -زملاء روحاني- لعملية تركيا بسوريا
- بالصور.. القوات الأمريكية بقاعدة الأمير سلطان في السعودية
- فاينانشال تايمز: غضب الشباب العربي وصل إلى درجة الغليان
- -لا حاجة لعملية جديدة-.. واشنطن تبلغ أنقرة باكتمال انسحاب ال ...
- ناسا تدعو الروس للقيام برحلات فضائية على متن المركبات الأمري ...
- تابوت -حالته ممتازة-.. قطعة مصرية ثمينة تعرض للبيع في مزاد
- تعثر تشكيل الحكومة في إسرائيل.. أسئلة وأجوبة
- اليمن.. وصول قوة سعودية إلى مطار عدن
- -استغلال قضية محمود البنا-.. مصريون يسخرون من فيديوهات الاعت ...
- إغلاق مدارس وجامعات في مصر بسبب الأمطار الغزيرة


المزيد.....

- دستور العراق / محمد سلمان حسن
- دستور الشعب العراقي دليل عمل الامتين العربية والكردية / منشو ... / محمد سلمان حسن
- ‎⁨المعجم الكامل للكلمات العراقية نسخة نهائية ... / ليث رؤوف حسن
- عرض كتاب بول باران - بول سويزي -رأس المال الاحتكاري-* / نايف سلوم
- نظرات في كتب معاصرة - الكتاب الأول / كاظم حبيب
- قراءة في كتاب - دروس في الألسنية العامة / أحمد عمر النائلي
- كارل ماركس و الدين : قراءات في كتاب الدين و العلمانية في سيا ... / كمال طيرشي
- مراجعة في كتاب: المجمل في فلسفة الفن لكروتشه بقلم الباحث كما ... / كمال طيرشي
- الزمن الموحش- دراسة نقدية / نايف سلوم
- قراءة -المفتش العام- ل غوغول / نايف سلوم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - قراءات في عالم الكتب و المطبوعات - راتب شعبو - فلاحو سوريا، التاريخ ما وراء حجاب السياسة 1