أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد جهاد - الليلة الاخيرة














المزيد.....

الليلة الاخيرة


محمد جهاد

الحوار المتمدن-العدد: 6229 - 2019 / 5 / 14 - 11:26
المحور: الادب والفن
    


كان يهمس لها وسط الزحام عن فلسفة الشعور، هو يحبها اكثر الاحيان ولكن ليس كل الاحيان، فمرة يحبها ومرة يعبدها ومرة يصلي لها ومرة يصلي لاجلها، يتذكرها في منتبذه كل حين، كيف لا وهي التي تعهدته نبتة ذابلة لتسقيه كلما عطش، لن يقول لها احبك لانه يحبها اكثر، حب عارم يسيل مع خيوط الشمس ويتورد خجلا عند مفارقتها خلف الجبال الزرق تلك.
صخب الربيع لا ينتهي بين ورده وبرده وبين غيثه وعبثه، وقطرات الندى تتهافت مع النسيم الذي يهب ولا يهب، ملتصقة مرة على الافانين اليافعة تمسدها بروية ومرة على زجاج النافذة الصقيل الذي يبوح صامتا بالذكريات الجميلة، ينابيع من الذكريات العطرة تغسل كل ما حولها من التربة الهزيلة وتشق لنفسها جدولا ليس فيه سوى الحصى والرضراض الذي لا يساوم وكأن الباقي ابدا حجرا صوانا عديم الاحاسيس والمشاعر.
تلملم اذيال فستانها الحريري المطرز بالاقحوان و وريقاتها المتناثرة الالوان، تتثاقل على كرسيها المصنوع من خشب البلوط الذي لا يميل، تستنشق كل عبق القهوة المحمصة توا، تضع رجلا فوق الاخرى فيفترش لحم رجليها الواحدة الاخرى وكأن حرارة القهوة تسربت اليهما، مقلتيها التي ما عرفت التخاذل يوما لا تغادر ناصية الشباك ومن خلاله تراقب رقصات ورود السنابل التي ستبدل حتما الى حبوب واشواك وان خذلتها الشمس والامطار.
الحرير الذي يحيط بصدرها مضطرب، الاشتياق معركة تحفر في القلب الخنادق، لاشيء يعالج هذا الصمت سوى رنين الهاتف، لابد ان للهاتف مشاعر فهو يرن كلما فكرت به، تكاد تميز بين رنينه والاخرين، والسنابل تنبت سمينة تحت طبع اقدامه في حديقة المنزل، والفراشات الملونة تهفو حولها كل حين، حتى قطرات الندى تزداد لمعانا كلما فكرت به، لابد للحنين علاج، تهيم باغنية فتخلط بالاخرى وكأن اللقاء والوداع يتقاسمان كل شيء فينا حتى الهذيان.
يرن جرس الهاتف، تجيب ولا شيء سوى النحيب، نحيب حرارة الهاتف الذي لم يرن، هو المذياع حتما، الحمقى لا يملكون سوى رنين الهاتف في اعلاناتهم التجارية، تستدير الى الانية التي تحوي ورودها الذابلة وكانها قطفت للتو، ما زالت نظرة رغم السواد الذي يكتنف معظم اعوادها، لا لم تعد نظرة، بعض الوانها تغيرت بعد كل العمر الذي انتظرته فيه كمحطة للوقود، لا يهم فان مشاعرها ما زالت نظرة وها هي تتدفق كنهر بلوري، نهر تجهل منابعه ولا تتخيل اين مصبه.
هاهي زرقة السماء تتلبد من جديد وغيمة فغيمة تتجمع، واحدة تلد الاخرى، اشجار الصنوبر تتمايل برفق كلما نشطت الريح وكانها تتنهد وتمد يديها لتشابكها مع جارها، خليلها، اصبعا اصبعا، وغبار الطلع يتطاير ويختلط مع كل الغبار في توليفة عجب تكتنف الحياة فيها والرحيل المحتم، نحن نعشق ونحلق مثل يعسوب ثمل، وما الضير اذا كانت لحظة تحليق تساوي العمر كله.
تبرد القهوة بين اناملها، تصمت كعشبة الماء المقتلعة من زمن، تستدير الى النافذة الزجاج المرصعة بحبات المطر، لقد ملأ كاسه اكثر من عشر مرات عندها ولم يترنح، كأن وهج الشمعة الذي ترنح بدله، دموعها الملتمعة كانت تسيل على قوامها لتتجمد كالمشاعر بعد كل وداع، هي ما زالت متجمدة بعد كل العمر، منذ اللقاء الاخير، لقد احتسى فيها عشرة كؤوس ممتلئة، عشرة كؤوس من النبيذ الاحمر الذي يعشقه ولم يخبرها برحيله، لقد حاول ولكن حمى اللقاء لم يمهله، منحته كل ما يمكن لامراة ان تمنحه لرجل، منحته كل شيء وان كانت تعلم علم اليقين انه لن يعود.
تسبل اردان فستانها الحرير من سطح مسند الكرسي، تؤرجح احدى قدميها فوق الاخرى، تطالع السماء وشمسها المؤجلة، تفرغ اخر رشفة من قهوتها المسكّرة، تحدث نفسها بكل الحب الذي ورثته منه وكيف تالفت مع الحياة الشحيحة بعده، ما زالت طعم الاشياء عالقة بفمها، تتذكر كل احداث القصة، القصة التي انتهت مع البرق الشفيف في تلك الامسية المطيرة، لقد رحل ولن يعود ولكنها ما تزال تحتفظ بذكراه الجميلة، ليس طوقا هو الحب، هو القدر الذي يملى علينا ويستولي على وعينا دون سبب، يمتلكنا حتى نصبح بضعة منه، من يوقف تدفق الينابيع عندما تستمر الامطار بالنزول.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,359,570,729
- في مركز التسوق
- المحطة - قصة قصيرة
- مدان
- محمد البو عزيزي
- دار دور وطن مهدور
- الى اخي الشهيد ابراهيم لفته
- في العام التاسع بعد الالف
- وطن من طين
- فطور عادل
- مرشك باللغة الكردية دجاجة
- في صفوف المخابرات الامريكية
- الفضائية العراقية ... زووم- ان
- ألعبث بالشموع
- طبخ سمك الجرّي على طريقة جيني و رامسفلد
- الملابس الداخلية و الامبريالية
- مصوغات وردة
- أليس سهلا أن تكون عميلاً لدولةٍ اجنبية؟
- وزيرٌ لحقوق الانسان ألعراقي أم ببغاء؟
- من منا الحمار؟؟
- ألدانوب ألأزرق وحلم الحكومة العراقية الجديدة


المزيد.....




- في محاولة لوقف الانفجار.. اجتماع عاجل لحكماء البام
- جوخة الحارثي أول شخصية عربية تفوز بجائزة انترناشيونال مان بو ...
- -سيدات القمر- للعمانية جوخة الحارثي تفوز بـ -مان بوكر الدولي ...
- العثماني: الحكومة ستواصل تنزيل مختلف الأوراش الإصلاحية الهاد ...
- العثماني: التعليم قطاع حيوي ومدخل أساسي للإصلاح
- 3 جوائز فضية لـ RT، و-تعلم الروسية مع ناستيا- يحصل على البرو ...
- المخرج المغربي علاء الدين الجم يدشن تظاهرة أسبوع النقاد في م ...
- جون ويك في صدارة إيرادات السينما الأمريكية
- تبييض الأفكار.. ابن عربي والحلاج في أتون الدراما الإماراتية ...
- مع انتصاف رمضان..-ولد الغلابة- و-زلزال- و-كلبش- في الصدارة! ...


المزيد.....

- النقابات المهنية على ضوء اليوم الوطني للمسرح !! / نجيب طلال
- الاعمال الكاملة للدكتور عبد الرزاق محيي الدين ج1 / محمد علي محيي الدين
- بلادٌ ليست كالبلاد / عبد الباقي يوسف
- أثر الوسائط المتعددة في تعليم الفنون / عبدالله احمد التميمي
- مقاربة بين مسرحيات سترندبيرغ وأبسن / صباح هرمز الشاني
- سِيامَند وخَجـي / عبد الباقي يوسف
- الزوجة آخر من تعلم / علي ديوان
- عديقي اليهودي . رواية . / محمود شاهين
- الحبالصة / محمود الفرعوني
- لبنانيون في المنسى / عادل صوما


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - محمد جهاد - الليلة الاخيرة