أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - راتب شعبو - الشبيحة: تشكيلات العنف غير الرسمي في سورية 4















المزيد.....

الشبيحة: تشكيلات العنف غير الرسمي في سورية 4


راتب شعبو

الحوار المتمدن-العدد: 6221 - 2019 / 5 / 5 - 03:11
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


تحولات ظاهرة الشبيحة مع بدأ الثورة السورية .
بعد اندلاع الاحتجاجات في سوريا، شهدت ظاهرة الشبيحة عدة تحولات جوهرية في أكثر من مستوى :
أولاً التحول التنظيمي:
جوهر التحول كان بالانتقال من حالة غير منظمة، أو ذات تنظيم مرتجل ومائع، إلى حالة التنظيم الهرمي الانضباطي إلى حدود لا بأس بها . على أن عملية تنظيم الشبيحة خضعت للعقلية السلطوية نفسها، التي نظمت أجهزة الأمن على مدى تاريخ الدولة الأسدية، والتي حرصت دائماً على عدم جمع الأجهزة في جهاز أمن مركزي واحد، فتجد في سوريا أجهزة أمن متعددة وأحياناً متصارعة يجمعها تبعيتها لرجل الأمن الأول في البلاد، الرئيس ومحيطه المقرب . هذا التعدد يضمن عجز أي رئيس من رؤساء الأجهزة هذه، عن تشكيل خطر على النظام . فيبقى رؤساء الأجهزة تحت رقابة بعضهم البعض وتنحصر طموحاتهم في دائرة التنافس فيما بينهم لإرضاء الرئيس .
يشكل هذا في الواقع، نوعا من الاحتياط الإضافي، ذلك أن الرئيس يختار رؤساء أجهزة الأمن بدقة بالغة ووفق معايير مضبوطة: يأتي الولاء المنزّه عن الشكوك في مقدمتها، فيضمن بذلك العامل الذاتي (الولاء للرئيس)، ولكن يبقى العامل الموضوعي (توفر القدرة على الإطاحة بالرئيس) هو الأهم، لأن الموالي إذا استشعر في نفسه قوة ما تمكّنه من أن يحل محل مولاه فإن ذاته سوف تتوق إلى تجاوز حدود الولاء وقد يتحول في لحظة من خادم مطيع لمولاه إلى جلاد له . وتدخل في هذا الإطار قصة انتحار اللواء غازي كنعان الذي كان المسؤول الأمني عن الملف اللبناني في الحكومة السورية، حيث تشير التقارير إلى أنه كان يخطط لانقلاب عسكري مستفيداً من الضغط الدولي المتزايد الذي كان يتعرض له النظام السوري، عقب اغتيال الرئيس رفيق الحريري في شباط 2005، والحقيقة أن اللواء كنعان كان قد بلغ مستوى "خطيراً" من القوة والشهرة، بحيث بات يمكن أن يستجيب لنوازع نفسه بالحكم ويشكل خطراً على سلطة الأسد .
العقلية الأمنية نفسها التي تحكمت على مدى عقود في تنظيم الأجهزة الأمنية، تحكمت في إعادة تنظيم "الشبيحة" فجاء تنظيمها على صيغة تنظيم مشابهة لتنظيم الأجهزة الأمنية . كتائب متعددة لكل منها "زعيمها" تجمعها مصلحة مشتركة وحيوية في الحفاظ على النظام، وتعود في تبعيتها السياسية والإدارية إلى السلطة المركزية التي تعمل على توزيع المهام وتحديد القطاعات بين الجماعات وعلى فض النزاعات التي يمكن أن تنشأ فيما بينها . ويبقى الفارق بين هذه التشكيلات القتالية التي تسمى (الشبيحة) والتشكيلات القتالية النظامية (قوات الأمن، القوات المسلحة) أن تبعية الشبيحة تعود إلى أشخاص لهم علاقة عضوية بالسلطة، أي علاقة قرابة مع عائلة الأسد، في حين لا يتوفر هذا الأمر في القوات النظامية . ويُشتق من هذا الفارق فارق آخر يتعلق بأخلاقيات العناصر هنا وهناك، حيث من المعروف أن القوات النظامية تتكبد مشقة المهام العسكرية والقتالية في حين يتولى الشبيحة مهام السرقة وتحصيل الغنائم، إضافة إلى المهمة الأقذر وهي ارتكاب المجازر وإحراق القرى . ولاسيما أن هذه التشكيلات كانت موكلة باستلام المناطق التي يتمكن الجيش النظامي من "تحريرها"، لكي تصد عودة عناصر المعارضة المسلحة إليها بعد أن يغادرها الجيش . هذا يعني أن هذه التشكيلات تستلم القرى والأحياء وقد خلت من مقاتلي المعارضة ومن السكان، وباتت المنازل جاهزة لكل أشكال النهب، بما في ذلك حتى سرقة قطع البورسلان عن الجدران وأشرطة الكهرباء ومواسير المياه وما إلى هذا، كما نقل الكثير من الأهالي وكما روى بعض عناصر هذه التشكيلات نفسها .
وجاءت الخطوة التنظيمية الأهم لهذه التشكيلات (التي حملت اسم اللجان الشعبية قبل ذلك) حين صدر مرسوم جمهوري في الشهر الأول من 2013، يقضي بتحويلها إلى "جيش الدفاع الوطني"، ما يعني ترسيم هذه الحالة وتوفير مخصصات لها من الدولة في الرواتب واللباس والتأمين وما إلى ذلك .
وقد استقطب هذا الجيش أعداداً كبيرة من المتطوعين الذين طمعوا بتأمين دخل إضافي عن طريق الانضمام إليه، ولكن الأهم من هذا هو أن العضو الذي يتم دعوته إلى الاحتياط أو إلى أداء الخدمة الالزامية، يمكنه أن يفر منها الى هذا الجيش الذي كلف المنضوين تحت لوائه بالدفاع عن مناطق سكنهم فقط، اي دون أن يتم نقلهم إلى مناطق أو محافظات بعيدة. وهذا شكل عامل جذب كبير للشباب، لتفادي الذهاب إلى المناطق الساخنة البعيدة. يقول نادر وهو شاب علوي في الثلاثين من عمره كان يدرس الادب الانجليزي قبل اندلاع المعارك "احصل على 15000 ليرة (158 دولارا) شهريا ويسمح لي بالاحتفاظ بحصة من كل ما ينهب بعد أي معركة اخوضها." ويضيف "لا اريد ان اقتل في مكان آخر غير حمص.. اريد ان اقاتل من اجل ارضي لذا حين استدعيت للخدمة انضممت لقوات الدفاع الوطني واعطوني نموذجا مختوما وتوجهت به لمكتب التجنيد التابع للجيش" غير أنه لم يتم الالتزام بهذا الوعد، فمع احتدام المعارك في مناطق بعيدة جرى استدعاء أعداد كبيرة من عناصر قوات الدفاع الوطني إلى تلك المناطق البعيدة، ولقي الكثير منهم حتفه بعيداً عن مناطق سكنهم، المصير الذي ظنوا أنهم هربوا منه باختيارهم الانضمام إلى قوات الدفاع الوطني.
وعملياً يُخيّر هؤلاء الشباب المنضوون تحت راية قوات الدفاع الوطني بين العمل على حواجز التفتيش، أو الانضمام إلى الوحدات التي تقاتل على خطوط التماس. على أن من يختارون العمل على الحواجز لا نصيب لهم من الغنائم التي تحصل عليها الوحدات التي تعمل على خطوط التماس. وبشكل عام شهدت تشكيلات العناصر غير الرسمية هذه بعد اندلاع الثورة في سوريا تغيرين اساسيين من الناحية التنظيمية، التغير الأول هو انتظامها في هيكلية هرمية على رأسها "زعيم" مقرّب من آل الأسد، كما قلنا، والتغير الثاني إلقاء غلالة رسمية على هذه التشكيلات عبر المرسوم الذي جعل منها "جيش الدفاع الوطني" وذلك لتغطية عمليات الإمداد والتمويل لها .

ثانياً التحول الوظيفي:
الأساس في التحول الوظيفي، هو الانتقال من كون هذه الجماعات مرتبطة بأشخاص وتعمل لحسابهم ووفق مصالحهم الشخصية، إلى كونها جماعات ترى نفسها معنية بمواجهة خطر يتهدد النظام ككل ومن ضمنه هؤلاء الأشخاص . أي حدث تحول في ترتيب الأولويات بما يعني جعل الدفاع عن النظام الأولوية الأولى على اعتباره حاضنة مصالح جميع "المعلمين". كانت وظيفة الشبيحة قبل الثورة تقوم على تأمين الأموال وتسيير مصالح "المعلم" بشتى الطرق غير القانونية مثل التهريب، وفرض الخوات مقابل الحماية، وتحصيل حقوق الناس مقابل مبالغ مالية كبيرة يمكن أن تصل إلى أكثر من نصف قيمة الحق الذي يحصلونه للمظلوم، وخطف صبايا جميلات حسب أوامر ورغبات "المعلم"، وممارسة الترهيب على الناس المعنيين لتحصيل تنازلات معينة، كأن يتم إرهاب المراقبين في قاعة امتحانات لتمكين طالب معين من الغش، أو الضغط على أستاذ في الجامعة للحصول على أسئلة مادته والمتاجرة بها، أو الضغط على الاستاذ لتعديل علامة أحد الطلاب المشمولين برعاية "المعلم" وما إلى ذلك. وفيما يلي شهادة أحد أساتذة جامعة تشرين (اللاذقية) عما تعرض له في فترة تدريسه في تلك الجامعة:
(تعرضت عام 1992 لابتزاز من جماعة مسلحة تضرب بسيف أحد المتنفذين الخارجين على القانون, وصاروا يفاوضونني لتعديل علامة طالب تربطه صلة قرابة بزوجة أحد أقطاب شبيحة اللاذقية في التسعينات بينما تلامس فوهة البندقية جسدي، وذلك أمام مجموعة من الدكاترة المنهمكين في متابعة إحدى مباريات كرة القدم في نادي المعلمين بجامعة تشرين, حيث كنت أسكن .
عشرون دقيقة من الرعب اختبرت فيها كل قدرتي على التماسك واللعب على الكلمات على خلفية القشعريرة التي تدب في جسدي في دورات متلاحقة..)
وهذا ما كتبه روائي سوري معارض عما تعرض له على يد الشبيحة وما دفعه للكتابة عن هذه الظاهرة:
"فجأة ادلهّم ذلك الليل، ورماني بصورة هائلة لشابين، كانا قد أوسعاني ضرباً وأورثاني ستّ قطب في رأسي فجر 31/1/2001. وقد قُيدت القضية ضد مجهول، ليس في سجلات الشرطة والقضاء فقط، بل في جسدي وفي روحي. ولعل هذا وحده يكون كافياً لأن يجعلني أكتب عن الشبيحة" .
ومع تعرض النظام الحاضن لظاهرة الشبيحة للخطر، طُرحت على الشبيحة وظيفة جديدة، لا تلغي الوظيفة السابقة، بل تجعلها تفصيلاً قليل الأهمية قياساً على الوظيفة الجديدة والتي هي "الدفاع عن الوطن" حسب اللغة السياسية للموالاة التي تماهي بين الوطن والنظام. وهذا التغير في الوظيفة أحدث تغيراً مهماً في علاقة الشبيحة مع مجتمعهم المحلي بشكل أحدث تحولاً كبيراً بين مفهوم الشبيحة ما قبل الثورة وما بعدها.
ومن مظاهر هذا التحول بروز شخصيات تحمل تعريفات مثل (باحث استراتيجي) أو (محلل سياسي) وتقوم بوظيفة الدفاع الإعلامي عن النظام إذا جاز القول. وتتجلى مواصفات التشبيح عند هؤلاء في إظهار الولاء التام للنظام بصفته "المعلم العام"، وفي استسهال تخوين كل من يعارضهم في القول، وفي تهديد وإرهاب الخصم السياسي حين تنسد السبل أمامهم. ولا بد من القول إن هذه الظاهرة تفشت بشكل واضح حتى بين أنصار الثورة، حيث برز من بين أنصار الثورة من يبز شبيحة النظام بطريقة دفاعه عن الثورة سواء في شكل الدفاع أو حتى في مضمونه.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,389,024,841
- الشبيحة: تشكيلات العنف غير الرسمي في سورية 3
- الشبيحة: تشكيلات العنف غير الرسمي في سورية 2
- الشبيحة: تشكيلات العنف غير الرسمي في سورية 1
- إياك أن تموت مع الرئيس المقبل
- بيتنا والاسفلت
- البديهيات والاستاذ
- الكوفيون الجدد
- آلة التشبيه
- حديث اللبن
- أطفال سورية
- العلويون، عزلة ثانية
- رفة عين اسمها الاستيقاظ
- خيانات مضمرة
- براميل على الذاكرة
- -المقامر- على أضواء سورية
- الموت تحت التعذيب
- بيت في المخيم
- إرهاب ضد الإرهاب
- البلد العابر للسياسة
- النساء في الثورة السورية


المزيد.....




- وسط جدل وانقسام.. برلمان تونس يصادق على تعديل القانون الانتخ ...
- نيبينزيا: روسيا ستبقى ملتزمة باتفاقيات استقرار الوضع في سوري ...
- اليمن... اشتباكات في ميناء سقطرى والمحافظ يؤكد السيطرة على ا ...
- العراق.. هجوم يستهدف قيادة عمليات نينوى
- فيلادلفيا.. ضبط 16 طن كوكائين في سفينة
- ترامب: مستعدون لإيران
- من يقف وراء استهداف الناقلات في الخليج؟ ولماذا؟
- نيبينزيا: روسيا ستبقى ملتزمة باتفاقيات استقرار الوضع في سوري ...
- نيبينزيا: مذكرة سوتشي حول سوريا نفذت بالكامل والأعمال القتال ...
- وكيل المخابرات المصرية السابق لـ RT: لا يحق لأردوغان المعزول ...


المزيد.....

- الصراع على إفريقيا / حامد فضل الله
- وثائق المؤتمر الثالث للنهج الديمقراطي /
- الرؤية السياسية للحزب الاشتراكى المصرى / الحزب الاشتراكى المصرى
- في العربية والدارجة والتحوّل الجنسي الهوياتي / محمد بودهان
- في الأمازيغية والنزعة الأمازيغوفوبية / محمد بودهان
- في حراك الريف / محمد بودهان
- قضايا مغربية / محمد بودهان
- في الهوية الأمازيغية للمغرب / محمد بودهان
- الظهير البربري: حقيقة أم أسطورة؟ / محمد بودهان
- قلت عنها وقالت مريم رجوي / نورة طاع الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - راتب شعبو - الشبيحة: تشكيلات العنف غير الرسمي في سورية 4