أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - راتب شعبو - الشبيحة: تشكيلات العنف غير الرسمي في سورية 3















المزيد.....

الشبيحة: تشكيلات العنف غير الرسمي في سورية 3


راتب شعبو

الحوار المتمدن-العدد: 6220 - 2019 / 5 / 4 - 11:32
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


الشبيحة وبنية "النظام السوري"
في دراسة ظاهرة الشبيحة في سوريا، لا بد من ملاحظة اللحظة الفارقة بين ما قبل 18 آذار 2011 وما بعده . أي بين نوعية وشكل نشاط وتنظيم جماعات عنفية تشعر بالاطمئنان والاستقرار وتعمل (على المرتاح)، ونوعية وشكل نشاط هذه الجماعات حين شعرت بأن ثمة خطر يتهدد البيئة السياسية والأمنية الحاضنة لنشاطاتها. قبل 18 آذار 2011 كانت تنظر هذه الجماعات إلى الشعب السوري كمصدر للثروة، كسوق للتهريب والابتزاز والسلبطة، وبعد هذا التاريخ باتت تنظر إلى الشعب السوري كمصدر للخطر، كقوة يمكن أن تضرب "سوقهم"، والأهم من هذا، أن تحاسبهم على ما فات.
تاريخيا، لا يخلو تاريخ هذه الظاهرة من محاولات ضبط وتحجيم قامت بها السلطة السياسية نفسها، للسيطرة على المفاعيل السلبية لهذه الجماعات على إعادة إنتاج السلطة في سوريا، سواء من حيث تأثيرها على اقتصاد الدولة (جراء عمليات التهريب الواسعة التي كانت تقوم بها، أو جراء عمليات السلبطة والنصب على أصحاب رؤوس الأموال المحلية أو العربية بما يدفع رؤوس الأموال هذه إلى الهرب)، أو من حيث تأثيرها على المزاج الشعبي العام حين تتمادى هذه الجماعات في تعديها على حقوق الناس وكراماتهم. وكان أبرز هذه المحاولات محاولة النجل الأكبر للرئيس السوري السابق (حافظ الأسد) باسل الأسد الذي كان مهيأ لخلافة أبيه قبل أن يُقتل في حادث سير في مطلع عام 1994 . وبالفعل لم يكن ممكناً لجم هذه الجماعات دون تدخل شخصية بوزن (ولي العهد) وقائد الحرس الجمهوري حينئذٍ، نظراً إلى قوة ووزن الشخصيات والمصالح التي تستند إليها هذه الجماعات . غير أن هذه المحاولات ما كان لها أن تكون أكثر من آلية اشتغال ذاتية للنظام السياسي ككل. وقد يضاف إلى أسباب حملة باسل الأسد تلك على جماعات الشبيحة سعيه للبروز كشخصية إصلاحية ومحاولة منه لتنزيه شخصه (مؤقتاً بطبيعة الحال) من التبعات النفسية والسياسية لظاهرة التشبيح على الشارع السوري، وربطها "بالنظام السابق".
هذا سياق طبيعي، سبق أن خبره النظام في عام 1982 في ما عرف يومها بحادثة الإشاربات، التي كان بطلها رفعت الأسد (شقيق حافظ الأسد) وشباب دورة المظليين الذين لم يكن يتجاوز عمر أكبرهم العشرين عاماً. فهؤلاء الشباب تدربوا على القفز المظلي وعلى الطاعة العمياء "للقائد" . وقد أراد القائد في ذلك اليوم، في واحدة من نوباته الغريبة التي شبهها كثيرون بنوبات الرئيس الليبي السابق الغريب الأطوار معمر القذافي، أن ينقل نساء دمشق في لحظة واحدة من عصر الحجاب إلى عصر السفور. حينها نزل هؤلاء المظليون الشباب، بكل ما يملكون من ولاء، إلى شوارع دمشق وبدأوا بإرغام كل امرأة يصادفونها في الشارع على خلع حجابها. ثم فرشوا، بعد أن عادوا إلى القائد، ما جمعوا من إشاربات على الأرض كسجادة طويلة لكي يسير عليها بحذائه العسكري. واضطر هذا التمادي في إذلال الناس على يد ذاك الجناح المتطرف في النظام، الرئيسَ الأسد حينها على الخروج إلى الناس عبر شاشة التلفزيون بعد ساعات قليلة من الحادثة، كي "يقبّل رأس كل أم أو أخت أو ابنة" تعرضت لنزع الإشارب. دون أن يعقب ذلك أي إجراءات بحق المتمادين، الذين كوفئوا بمعاملة تفضيلية في القبول في الجامعات السورية، أو بحق قائدهم. ودون أن يمنع ذلك أجهزة الأمن من اعتقال عناصر تنظيم سياسي معارض (حزب البعث الديموقراطي) لأنهم وزعوا بياناً يستنكرون فيه هذا الحادث. أن يعتذر النظام للأهالي عما بدر من جناح متطرف فيه، وأن ينتقد سلوكيات هذا الجناح، أمر طبيعي وهو جزء من آلية عمل النظام نفسها، أما أن يقدم طرف معارض أو حتى مستقل على انتقاد أي سياسة أو إجراء أو سلوك يصدر عن أي طرف من أطراف النظام فهذا أمر لا يتسامح فيه النظام. ومعروف أن أعضاء حزب البعث الديموقراطي الذين جرى اعتقالهم على خلفية توزيع البيان المذكور، وكان بينهم طفل لم يتجاوز الرابعة عشرة من عمره، قضوا في سجون النظام عشر سنوات (1982-1992).
لكن عمليات الضبط المتواضعة تلك، لا تعني أنه حين يتعرض النظام ككل إلى الخطر، أن لا تعيد هذه الجماعات تشكيل ذاتها لتتخذ موقعها في عملية تكيف النظام مع ضرورات وآليات الدفاع عن ديمومته، بصفتها جزء عضوي من النظام. هذا هو الشرط الذي فرض التحول في البنية التنظيمية والوظيفية للشبيحة، حيث تحولت هذه الجماعات من كونها حاشية لشخصيات ذات ارتباط عضوي بالنظام (وغالبية هذه الشخصيات من عائلة الأسد) إلى كونها جهة منظمة للدفاع عن النظام.
في زمن الاطمئنان والاستقرار كان نشاط هذه المجموعات سلساً ومسترخياً، وانعكس هذا تراخياً وفضفضة على الصيغة التنظيمية التي تؤطرهم. فلكل مجموعة زعيم شديد القرب من النواة الصلبة للدولة أو بالتعبير الشعبي (من عظام الرقبة)، وغالباً ما يكون من عائلة الأسد أو إحدى العائلات التي تربطها بها قرابة ما (شاليش، ديب، مخلوف، اسماعيل وغيرها)، دون أن يعني هذا اقتصار زعماء الشبيحة على هذه العائلات. فكل شخصية عسكرية أو أمنية ذات نفوذ وسطوة في الدولة يمكن أن تنتج حولها ظاهرة تشبيح خاصة بها. ويتعارف أفراد المجموعة على لقب محدد للدلالة على الزعيم، وقد يكون اللقب من اختيار الزعيم نفسه، وربما جرى اختيار اللقب بتأثير مسلسلات تلفزيوينة تحوي شخصية مشابهة للزعيم في الدور. يمكن أن يكون اللقب المتعارف عليه هو "الخال" أو "الكبير" أو "الختيار" أو "الاستاذ"، غير أن اللقب الأكثر شيوعاً هو "المعلم" بتسكين الميم. لا يتلفظ أفراد المجموعات هذه بالاسم الصريح لزعيمهم عادة، ويحدث أن يستفهم أحد ما من الشبيح عن اسم معلمه في سياق خلاف ما، فيجيب الشبيح: "إذا ذكرت لك اسمه فقد تسقط مغمياً عليك"، للدلالة على هول وقع اسم هذا الزعيم على أسماع العامة، بما يشي بسيرة "إرهابية" موصوفة.
لا يوجد هيكل تنظيمي ينتظم عناصر المجموعة التي تضم عادة بين عشرة إلى عشرين عنصراً، والتي لا يجمعها سوى شخص الزعيم. على أن المهام واختلاف الكفاءات تفرض ذاتها في هذا المجال وتقترح توزعاً ما للعناصر، بين سائقين ومهتمين بالأطفال وبالبيت (جماعة البيت)، وبين أشخاص أكثر كفاءة وقدرة على ممارسة التشبيح بالخاصة. بيد أن ذلك لا يخضع لأي هيكلية تنظيمية مستقرة، وغالباً ما يكون لنزوات الزعيم دوراً مؤثراً في إعادة صياغة الجماعة سواء من حيث توزيع المهام أو طرد عناصر واستقدام عناصر جدد .. الخ.
غير أن الحال تغير مع اندلاع الثورة السورية واستشعار الخطر على النظام بمجمله. فقد كان واضحا، أن النظام السوري كان فيما يبدو قد احتاط لما يمكن أن يجري في سوريا، على وقع ثورات الربيع العربي التي جرت في تونس ومصر وليبيا . فقبل أن تعيد جماعات الشبيحة تنظيم نفسها وفق المعطيات الخطيرة الجديدة، التي فرضتها الثورة السورية، كان في حوزة النظام ورقة مخفية استخدمها في بداية اندلاع الاحتجاجات، هي ورقة العناصر غير الرسمية والتي تتحرك بأوامر أمنية هادفة من شخصيات من النواة الصلبة للنظام، دون أن يكون لها بالضرورة موقعاً رسمياً في الدولة . وقد تجلى دور هذه العناصر في ممارسة عمليات إطلاق نار وقتل مجهولة المصدر خلال المظاهرات، طالت رجال أمن ومتظاهرين في البداية. وهي عمليات أجدت نفعاً للنظام لأنها خلقت بلبلة وتشوش كبيرين في تقييم الاحتجاجات، والأهم أنها عززت ميلاً عنفياً في الاحتجاجات ما فتئ يتزايد. لا شك أن الميل العنفي كان له وجود لدى نسبة محدودة من المحتجين، غير أن هذه العمليات ساهمت في تشويه صورة الاحتجاجات من جهة وجرها أكثر نحو العنف (أي زيادة نسبة الميالين إلى العنف من ضمن المحتجين) من جهة أخرى.
ومع تقدم الزمن بالثورة وتحولها أكثر باتجاه التسلح، زاد الشبيحة من عنفهم فقاموا بأعمال ردعية أو انتقامية راح ضحيتها الكثير من الأبرياء المدنيين ومن ضمنهم نسبة غير قليلة من الأطفال. كما تضمنت هذه الإجراءات الانتقامية أعمال نهب وحرق في الأحياء والقرى التي تحتضن مقاتلي المعارضة. من أبرز هذه الأحداث ما جرى في منطقة الحولة وفي بانياس وفي جديدة الفضل إذا أردنا ذكر أمثلة فقط.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,389,025,483
- الشبيحة: تشكيلات العنف غير الرسمي في سورية 2
- الشبيحة: تشكيلات العنف غير الرسمي في سورية 1
- إياك أن تموت مع الرئيس المقبل
- بيتنا والاسفلت
- البديهيات والاستاذ
- الكوفيون الجدد
- آلة التشبيه
- حديث اللبن
- أطفال سورية
- العلويون، عزلة ثانية
- رفة عين اسمها الاستيقاظ
- خيانات مضمرة
- براميل على الذاكرة
- -المقامر- على أضواء سورية
- الموت تحت التعذيب
- بيت في المخيم
- إرهاب ضد الإرهاب
- البلد العابر للسياسة
- النساء في الثورة السورية
- من الذي قلع عين الرئيس؟


المزيد.....




- وسط جدل وانقسام.. برلمان تونس يصادق على تعديل القانون الانتخ ...
- نيبينزيا: روسيا ستبقى ملتزمة باتفاقيات استقرار الوضع في سوري ...
- اليمن... اشتباكات في ميناء سقطرى والمحافظ يؤكد السيطرة على ا ...
- العراق.. هجوم يستهدف قيادة عمليات نينوى
- فيلادلفيا.. ضبط 16 طن كوكائين في سفينة
- ترامب: مستعدون لإيران
- من يقف وراء استهداف الناقلات في الخليج؟ ولماذا؟
- نيبينزيا: روسيا ستبقى ملتزمة باتفاقيات استقرار الوضع في سوري ...
- نيبينزيا: مذكرة سوتشي حول سوريا نفذت بالكامل والأعمال القتال ...
- وكيل المخابرات المصرية السابق لـ RT: لا يحق لأردوغان المعزول ...


المزيد.....

- الصراع على إفريقيا / حامد فضل الله
- وثائق المؤتمر الثالث للنهج الديمقراطي /
- الرؤية السياسية للحزب الاشتراكى المصرى / الحزب الاشتراكى المصرى
- في العربية والدارجة والتحوّل الجنسي الهوياتي / محمد بودهان
- في الأمازيغية والنزعة الأمازيغوفوبية / محمد بودهان
- في حراك الريف / محمد بودهان
- قضايا مغربية / محمد بودهان
- في الهوية الأمازيغية للمغرب / محمد بودهان
- الظهير البربري: حقيقة أم أسطورة؟ / محمد بودهان
- قلت عنها وقالت مريم رجوي / نورة طاع الله


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - راتب شعبو - الشبيحة: تشكيلات العنف غير الرسمي في سورية 3