أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فاطمة ناعوت - مَن يقرعُ الأجراسَ في باريس؟














المزيد.....

مَن يقرعُ الأجراسَ في باريس؟


فاطمة ناعوت

الحوار المتمدن-العدد: 6206 - 2019 / 4 / 20 - 08:14
المحور: الادب والفن
    




كتبتُ عنها بقدر ما كتبتُ على مدار عشرين عامًا، وما دار بخَلدي أبدًا أن أكتبَ عنها يومًا راثيةً بمداد الحَزَن. فهي في خيالي مقرونةٌ بالفرح والحبّ والقداسة والطفولة ونسائم العصور السحيقة. حين تدخلُها، تنسلخُ من زمانِكَ ومكانك؛ وتخلعُ راهنَك عند عتباتِها، ثم تتأهب لرحلة السفر إلى الماضي قرونًا ثمانيةً، بكل ما يحمل ذلك التاريخُ من سمات أسطورية في الدروب والأزياء واللغات وسمات المجتمع القديم. قطعةٌ أنيقةٌ من الفن الرفيع لا مثيل لها في كل العالم. أقفُ أمام واجهتها الشمالية أتأملُ دقائقَ نقوشها وطرازها الدانتيليّ الفريد الخاطف للأبصار، وأندهشُ من عبقرية الإنسان حين يمتلك ناصية الفنّ. الغادةُ ابنة القرن الرابع عشر التي أُهرقت على عتباتها مائتا عام من فكر وجهد مهندسين وعمال، حتى انتصبت عملا معماريًّا فاتنًا. ألهمت أدباء العالم وشعراءه ليكتبوا أجملَ إبداعات الخيال وأخلدَها. الأنيقةُ الرشيقةُ التي تقفُ في قلب باريس تطلُّ بوجهها الجنوبيّ على صفحة نهر السين، فيشخصُ النهر مأخوذًا بفتنتها، لا يحوّل بصرَه عنها.
حين زرتُها للمرة الأولى، صافحتُ كلَّ حجر في جدرانها، وأنصتُّ إلى حكاياتِ أيقوناتها وأغمضتُ عينيّ على رنين أجراسها الصادحة. حاورتُ كلَّ تمثال من تماثيلها لأستنطقه بكل ما رأى وسمع من أسرار التاريخ. طابقتُ زواياها وأعمدتها وكمراتها وأسقفها وأبراجها وزخارفها ونوافذها مع الأوراق المخبأة في ذاكرتي من أيام الدراسة، حين رسمتُ بيدي قطاعاتِها ومساقطَها وواجهاتها على مقاعد الجامعة، ونحن نتعلّم في درس “تاريخ العمارة” أجمل نماذج المعمار الذي شُيِّد على الطراز القوطي Gothic.
ولكن ذكرياتي مع (نوتردام دو باغي)، لم تبدأ في أيام الجامعة، بل قبل ذلك بكثير. فمن الصعب على المرء نسيانُ "أولَ" مرة من كل شيء. أول يوم في المدرسة، أول صديق، أول معلّمة، أول كلمة قرأها، أول لعبة امتلكها، أول حب ضرب القلب، وطبعًا أول كتاب قرأه. بالنسبة لي، وبعد تجاوُز مجلات الأطفال: ميكي وسمير وتان تان، وألغاز "المغامرون الخمسة" لمحمود سالم، وقصص "المكتبة الخضراء" الفاتنة التي كانت تصدر عن دار المعارف بمصر، بعد تجاوز تلك الأقاصيص التمهيدية الأولى، لا أنسى أن أول عمل أدبي قرأته كان: "أحدب نوتردام"، للفرنسي الرائع "فيكتور هيجو”. وجدت الكتابَ مُلقًى على الأرض أمام مصعد العمارة وأنا عائدة من مدرستي في الصف الثالث الابتدائي. ولم أعي وقتها ما هي: “نوتردام"؟ كلمة طلسمية! فتحتُ الكتابَ وشرعتُ فورًا بالقراءة في المصعد، ولم أترك الرواية إلا بعدما أجهزتُ عليها! ودخل في عالمي الصغير صديقان جديدان: كوازيمودو وأزميرالدا. الأول رمزٌ للتشوّه الجسدي، والثانيةُ رمزٌ للجمال والفتنة. على أن كليهما يجتمعان في جمال الإنسان وطيبة القلب. أحدبُ بعين واحدة أصمُّ لا يجيد الكلام إلا بلعثمة، يحمل فوق ظهره نتوءًا شاذًا يجعل منه أضحوكة باريس القوسطية المتأنقة، يقع في حب تلك الصبية الغجرية الجميلة التي لفظها المجتمع؛ لأنها الوحيدة التي رحمت ضعفه وروت ظمأه وسط سخرية الناس وضحكاتهم على عذاباته. كان هذا درسي الأول عن الرحمة والحنوّ ونُصرة المظلوم. شكرًا هيجو.
مستحيلٌ أن ننسى أول رواية قرأناها ولو بعد مائة عام. عرفت تفاصيل الكاتدرائية غرفةً غرفة وبرجًا برجًا وجرسًا جرسا. وحين أدخل كلية الهندسة قسم العمارة بعد عقد كامل سأدرس تفاصيل الكنيسة في مساقطها الأفقية والرأسية كأحد أجمل القطع الفنية التي أفرزتها المدرسة القوطية Gothic Architecture في القرن الثاني عشر. شيء يشبه الحلم وأنا أتتبع بقلمي الرصاص كل خطوط الكنيسة. النوافذ الدائرية بزجاجها الملون المعشق، الأبراج المنمنمات الحفائر المنحوتات، الأجنحة الطائرة، تماثيل الملائكة التي تعدُ الخطّاءين بالغفران. حتى الأرشيدوق "فرولو" وقارع الأجراس "كوازيمودو" رأيتهما في المساقط داخل بعض أروقة الكنيسة وعند المذبح. كأنني أسير داخلها في صحبة الأحدب الذي لم أره إلا وسيمًا ساحرًا. وحين أزور باريس لأول مرة يسألني الرفاق أين تريدين أن تذهبي؟ فأقول فورًا: "كاتدرائية نوتردام”. أقف على ضفة نهر السين وأتأمل البناية الشاهقة، وألمح كوازيمودو يلوح لي من أحد أبراجها هاتفا: تعالي يا عزيزتي، فأنا أحبك أيضا! وفي كتابي الجديد الذي صدر قبل أيام عن الهيئة المصرية العامة للكتاب: "الكتابة بالطباشير الملوّن"، فصلٌ تحليليٌّ من الوجهة المعمارية بالصور، عن تلك الكاتدرائية الجميلة.
تلك هي الجميلة التي احترقت بالأمس وفقدتها البشريةُ ولا شيء يعوّضها. أحد أهرامات هذا العالم الذي لم يتعلم بعد كيف يحافظ على فرائده وألماساته النادرة. خسارة عالمية وتاريخية وإنسانية ومعمارية وفنية وأدبية هائلة لكل العالم. صمدت في وجه الزمان قرونًا طوالا، ولابد من استعادتها حتى يقرعَ الحالمون أجراسَها من جديد، ونُسلّمها لأحفادنا أثرًا عظيمًا شاهدًا على عبقرية الإنسان. "الدينُ لله، والأوطانُ لَمن يحافظ على الأوطان”.

***





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,360,718,028
- الملك لير … سرُّ عظمة مصرَ
- روچر … البودي جارد الذي خاصمني!
- مصطفى الفقي … سَلطنة التشريح الفكر
- في قانون التحضُّر: البقاءُ للأضعف!
- الإسكندراني والسيسي وزيدان …. يا حفيظ!!!
- أم كلثوم ... فيروز … شيرين
- دائرةُ الحُب الأبديةُ في بيت لليان تراشر
- العسراءُ الجميلة التي اغتالتها يدُ صهيون
- ما هديتُكَ في عيد الأم؟
- البابا شنودة و... برينتون تارانت
- الأدبُ … حين يحمينا من المزورين | عن الصفحات الكاذبة
- هنا أسيوط … والذي مصرُ تعيشُ فيه
- على هامش ((تصويب)) الخطاب الديني
- البابا فرنسيس في دار زايد … على خُطا القديس الأسيزي
- صخرةُ العالم … وسوطُ السجّان
- إكليلُ غار للجميلة: سميحة أيوب
- قال الرئيس: مسيحيو مصر ليسوا أقليّة!
- عينا -نوال السعداوي- … في وهج الشمس
- أحبّوا … مثل طفلٍ ضرب قدمَه بسهم
- المركز الكاثوليكي المصري … صخرةُ الفنون الرفيعة


المزيد.....




- الخارجية المغربية: ننوه بجهود كوهلر ومهنيته
- استقالة المبعوث الأممي إلى الصحراء المغربية لدواع صحية
- إسبانيا .. أزيد من 270 ألف مغربي مسجلون بمؤسسات الضمان الاجت ...
- محكمة إسبانية تمدد البحث في قضية جرائم ضد الإنسانية مرفوعة ض ...
- شاهد: هكذا استقبل الجمهور عملاقة السينما في مهرجان كان في فر ...
- فرقة روسية تعزف موسيقى صوفية على أكثر من 40 آلة
- شاهد: عازف البيانو السويسري ألان روش يقدم عرضا موسيقيا " ...
- فازت بالمان بوكر.. -سيدات القمر- لجوخة الحارثي تحلق بالرواية ...
- الدراما المصرية في رمضان.. العسكري يجلس على مقعد المخرج
- فنانة مغربية تعتذر بعد ضجة -القبلة- في مهرجان كان السينمائي ...


المزيد.....

- النقابات المهنية على ضوء اليوم الوطني للمسرح !! / نجيب طلال
- الاعمال الكاملة للدكتور عبد الرزاق محيي الدين ج1 / محمد علي محيي الدين
- بلادٌ ليست كالبلاد / عبد الباقي يوسف
- أثر الوسائط المتعددة في تعليم الفنون / عبدالله احمد التميمي
- مقاربة بين مسرحيات سترندبيرغ وأبسن / صباح هرمز الشاني
- سِيامَند وخَجـي / عبد الباقي يوسف
- الزوجة آخر من تعلم / علي ديوان
- عديقي اليهودي . رواية . / محمود شاهين
- الحبالصة / محمود الفرعوني
- لبنانيون في المنسى / عادل صوما


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فاطمة ناعوت - مَن يقرعُ الأجراسَ في باريس؟