أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - تاجرُ موغادور: مستهل الفصل السابع








المزيد.....

تاجرُ موغادور: مستهل الفصل السابع


دلور ميقري

الحوار المتمدن-العدد: 6165 - 2019 / 3 / 6 - 19:31
المحور: الادب والفن
    


{ ‘ واعلم أنّ هذه الحرية، التي أحدثها الإفرنج في السنين الأخيرة، هي من وضع الزنادقة قطعاً؛ لأنها تستلزم إسقاط حقوق الله وحقوق الوالدين وحقوق الإنسانية ‘
أحمد بن خالد الناصري، الإستقصا لأخبار المغرب الأقصى ـ الجزء التاسع ص 114 }
.................................................................................................

1
سارَ " جانكو " على طول الدرب الموصل للمرسى، والمحاذي للمِشْوَر. هذا الدرب، لم يكن قد اجتازه منذ ستة أشهر؛ أي حينَ وصل أول مرة للمدينة، وكان آنذاك بصحبة الرابي. اليوم، كان تاجرنا يرافق القبطان الإنكليزيّ، الذي ركبَ آنذاك باخرَتَه في رحلتها من جبل طارق إلى موغادور. في حقيقة الحال، أنها المرة الثانية يجد فيها التاجرُ الدمشقيّ نفسه في المرسى؛ ما لو تذكّرنا ركوبه القارب إلى معسكر القبائل، بهدف تخليص امرأة القبطان من الأسر. وكان الآنَ يبدو أقرب لحالته النفسية، القلقة المتوترة، سواءً لدى وصوله للمرسى على متن الباخرة أو قبيل انطلاقه منه لاحقاً في أوان مغامرته على متن القارب. " ألكس كوين "، من ناحيته، لاحَ سعيداً منشرح الصدر. كان يتسلى بين فينة وأخرى بإشعال غليونه، المصنّع من العرعر المصقول ذي الرائحة الحرّيفة، والتي كانت تُهزَم أمام عبق التبغ الفاخر. الربيع، كان فصل القبطان المفضّل في هذه المدينة. هذا على الرغم من كونه لم يعانِ البردَ في الشتاء المنصرم، وكان قضى أكثره في موغادور بسبب احتجاز باخرته. السحُبُ القليلة، العالقة في السماء، كانت تظهرُ في ضوء الشمس كما لو أنها طيورُ النورس، المعتادة على الطيران فرادى والانقضاض جماعة على رزقها إن كان في البحر أو على البر.
لاحظ القبطانُ، ولا شك، الكدرَ المكتنف سحنة صديقه الحسنة القسمات، وكان إلى ذلك يُدرك سببه. لقد كانا آتيين للتو من المبنى الجمركيّ، هنالك أينَ كان من المفترض أن تُحلّ مشكلات التجار من ضرائب وأضرابها. قال لصديقه التاجر: " هوّن عليك، فإنك لم تقاسِ ولا جزء صغير مما كان عليّ مقاساته مع موظفي المخزن بسبب الباخرة المحتجزة ". أطرق الآخرُ رأسَهُ مزيداً من الإطراق، وكانت أرضيةُ المشور تلمع تحت قدميه، أنيقةً ونظيفة. أردفَ سليلُ الاسكتلنديين بنبرة فكهة، محاولاً الترويح عن نفس التاجر: " مع أن راتبي كان جارياً، وخسارة التعطيل وقعت على شركة الملاحة الإنكليزية! "
ردّ التاجرُ وهو يزفر أنفاسه بنفاد صبر: " ما يثير سخطي، أنّ أولئك الموظفين تلاعبوا معي كما لو أنني غلامٌ غرّ. يقولون، أن بقية البضائع المفترض أن أنقلها إلى تجار مراكش، لم تعد معفية من الضريبة نتيجة تأخري في إخراجها من المخازن. فلما ذكّرتهم بكون زملائهم هم سبب ذلك التأخير، عن طريق المماطلة واختلاق الأعذار، فإنهم التزموا الصمتَ مع ابتساماتٍ مفعمة بالخبث والمكر "
" والتشفّي أيضاً، يا صديقي.. لا تنسَ ذلك! لقد كانوا ينتظرون منك مزيداً من الرشاوى والبقشيش "، شدّدَ على المفردة الأخيرة برطانة طريفة. وكانا قد وصلا إلى مدخل المرسى، المشكِّل قنطرة عظيمة شبيهة بإحدى القباب، ليعبرا خِلَل برودتها المنعشة في هذه الظهيرة الحارّة ذات الرطوبة الخانقة. المرسى، بدا مثل تل من النمل، مزدحماً بالتجار والسماسرة علاوة على عمال البحر والصيادين والمتسوقين. مرات عدة، رفع القبطانُ يده لمعارفه مع كلمات التحية والمجاملة باللهجة الدارجة أو بالفرنسية. قال له فخوراً، مشيراً بيده إلى ناحية الباخرة الراسية: " بإمكانك اللحاق بي إلى عريني هنالك، وذلك بعد تفقدك لسوق السمك. فإن شعرتَ بالإرهاق، ففي وسعك أن تنتظرني في المقهى أو تمضي رأساً إلى منزلك. في الحالة الأخيرة، سيكون عليّ مهمة اللحاق بك ". كذلك ودّع القبطانُ صاحبه، ثم استمر في طريقه باتجاه رصيف السفن. مثلما سبقَ ولاحظ صديقه، كانت علامات التعب واضحة على " جانكو "، بحيث ارتأى العودة إلى المنزل فورَ فراغه من التسكّع في السوق. بحث بعينيه عن فتى، يعمل مساعداً لأحد الباعة، كان معتاداً على مرافقة خدم المنزل محمّلاً بما يلزم من ثمار البحر. المعلم، ما أن عرفَ مطلب التاجر، إلا ودعاه باحترام للجلوس على مقعد واطئ من القش: " تفضلوا يا سيّدي، ريثما يأتي الولد ". قعدَ في فيء سقف سدّة البيع، المشغول من سعف النخل، وراحَ يتأمل ما حوله وهوَ ما ينفكّ مهموماً.
بالأساس كانت فكرة صديقه الرابي، أن يشتري " جانكو " بضائعَ التجار المعلنين إفلاسهم والتي كان قد صادرها موظفو المرسى وكادت أن تكسد في المخازن. العديد من أولئك التجار، كان عليهم مبالغ كبيرة يتوجب تسديدها للدائنين الإفرنج، ومنهم قناصل دول كبرى مثل بريطانيا وفرنسا. بل إن بعضهم كان مديناً للسلطان نفسه. برغم ذلك، لم يمكث أغلب المفلسين سوى أشهر قليلة في سجن المدينة، فأطلق سراحهم دون سماع احتجاجات أولئك قناصل. وإذاً، كانت فكرة مغرية للتاجر الغريب أن يخلّصَ تلك البضائع وذلك لقاء ثلث ثمنها. فلما تمّ الأمر، قدّم له صديقه الرابي خدمة أخرى، حينَ ضمنَ وصول القافلة الأولى، المحملة بقسم كبير من البضائع، إلى الحاضرة السلطانية. طريق القوافل من موغادور إلى مراكش، كان دونه خرق القتاد بما يكمن على طرفيه من القبائل وقطاع الطرق. لمواجهة هذه المشكلة، تم ابتداع شخصيّة " الزطاط "؛ وهوَ الرجل المعيّن من لدُن زعيم قبيلته بقيادة مجموعة من المسلحين، ترافق القافلة على طول الطريق، وبالطبع مقابل مبلغ من المال يدفع إلى الزعيم. حين تصل القافلة إلى مرتع قبيلة أخرى، يتولى زطاط جديد من صفوفها إكمال مسير القافلة بحماية مسلحة.
" مستر كوين "، المتسم بالحزم ورباطة الجأش حال قباطنة البحار، كان داخل جدران داره على منقلبٍ آخر. هنالك، أذعن من تلقاء ذاته لسلطة امرأته. " رومي "، في المقابل، كانت تتعامل مع رجلها برقة واحترام مع التزام ما في وسعها من صبر في موضوع ادمانه على الكحول. فترات سفر القبطان عبرَ البحار، عليها كان أن تضافر في وشائج الشوق والحنين في نفس المرأة، الملازمة منزلها بانتظار عودته على متن الباخرة. كما سلفَ القولُ في مكان آخر، كانت في صغرها تنادي القبطان بصفة العم. أما اسم " جورج "، الذي ابتدعته لصديق والدها هذا، فإنها أطلقته بالأساس على دمية دبّ، أهداها هوَ لها في ليلة الاحتفال بالكريسماس وكانت في سنّ السابعة.
كذلك كان " مستر كوين " على خلاف زملاء مهنته، ممن كانوا ينغمسون بعلاقات جسدية مع فتيات الحانات في الموانئ أو يتدبرون لأنفسهم عشيقات في هذه المدينة أو تلك. تعويضاً عن الجانب الجنسيّ، الموضوع في ثلاجة خلال رحلات البحر الطويلة ولحين العودة للمنزل، كان قبطاننا يلجأ إلى الخمر مع الإفراط في تناول الأطعمة. منذ شبابه، دأبَ على هكذا سلوك في وقتٍ كان فيه غالبية أنداده يتورطون مع بعضهم البعض بعلاقات شاذة أثناء الإبحار وبصلات مع الغواني عند رسو السفينة في مرفأ ما. لقد أعتقد آنذاك أنه سيكون بمنأى عن شعور الحب، باختياره عن طواعية مهنة البحّار، الشاقة والمحاطة بشتى الأخطار. لما توفي صديقه، والد " رومي "، صارَ أكثر قرباً لامرأته لدرجة اعتقاده بأنه وقعَ أسير هواها. ولكن صحتها كانت تسوء يوماً بعد يوم. عرفت زوجة المهندس الفرنسيّ المرضَ على أثر ولادة عسرة، فقدت فيها الجنينَ، ولم يقدّر لها أن تتعافى أبداً. ربما كونها تعيشُ في بيئة مسلمة، جعلها تتآلف مع أعراف غريبة على أمثالها من الأوروبيات، اللواتي نلن تربية راقية. فإنها هيَ من أوصت القبطان ذات يوم بابنتها الوحيدة، فألجمت لسانه آنَ قالت له بنبرة ضارعة وهيَ على فراش النزع الأخير: " تزوجها يا صديقي، كي لا تبقى دون سند وحماية في هذا العالم الغريب ". لما لحظت وجومه وصمته، أضافت تشدّ على يده بيدها النحيلة المعروقة: " نعم تزوجها، ما الضير في ذلك؟ المجتمع هنا، كما تعلم، يتقبل أمرَ اقتران رجل بفتاة في عُمر ابنته. بل يفعلون ذلك حتى الآنَ في أوروبا نفسها، في الجزر الإيطالية واليونانية ".





الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,321,053,142
- تاجرُ موغادور: الفصل السادس 10
- أسطورة آغري لياشار كمال؛ الملحمة ومصادرها
- تاجرُ موغادور: الفصل السادس 9
- تاجرُ موغادور: الفصل السادس 8
- تاجرُ موغادور: الفصل السادس 7
- تاجرُ موغادور: الفصل السادس 6
- تاجرُ موغادور: الفصل السادس 5
- تاجرُ موغادور: الفصل السادس 4
- تاجرُ موغادور: الفصل السادس 3
- تاجرُ موغادور: مستهل الفصل السادس
- تاجرُ موغادور: الفصل الخامس 9
- تاجرُ موغادور: الفصل الخامس 8
- تاجرُ موغادور: الفصل الخامس 7
- تاجرُ موغادور: الفصل الخامس 6
- تاجرُ موغادور: الفصل الخامس 5
- الرسالة
- تاجر موغادور: الفصل الخامس 4
- تاجر موغادور: الفصل الخامس 3
- تاجر موغادور: مستهل الفصل الخامس
- تاجر موغادور: بقية الفصل الرابع


المزيد.....




- في تدوينة له ..محمد البرادعي يعلق على قرار إتخذه زوج الممثلة ...
- مندوبية السجون: إضرابات معتقلي الحسيمة تحركها جهات تريد الرك ...
- ادوات الاتصال والرواية العر بية في ملتقى القاهرة للرواية الع ...
- يوسي كلاين هاليفي يكتب: رسالة إلى جاري الفلسطيني
- فنان عراقي يعيد بناء قرية القوش التاريخية
- ما الجديد بمهرجان كان السينمائي هذا العام؟
- افتتاح مهرجان موسكو السينمائي الدولي الـ41
- الجماني: -مانطحتوش ألا صرفقتو فقط-
- كاظم الساهر يشعل جدة... كيف أشار إلى الجمهور السعودي (فيديو) ...
- وفاة مخرج أحد أشهر أفلام السينما في مصر!


المزيد.....

- عديقي اليهودي . رواية . / محمود شاهين
- الحبالصة / محمود الفرعوني
- لبنانيون في المنسى / عادل صوما
- الزوجة آخر من تعلم / علي ديوان
- ‏قراءة سردية سيميائية لروايتا / زياد بوزيان
- إلى غادة السمان / غسان كنفاني
- قمر وإحدى عشرة ليلة / حيدر عصام
- مقدمة (أعداد الممثل) – ل ( ستانسلافسكي) / فاضل خليل
- أبستمولوجيا المنهج الما بعد حداثي في سياقاته العربية ، إشكال ... / زياد بوزيان
- مسرحية - القتل البسيط / معتز نادر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - تاجرُ موغادور: مستهل الفصل السابع