أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - تاجرُ موغادور: الفصل السادس 10















المزيد.....

تاجرُ موغادور: الفصل السادس 10


دلور ميقري

الحوار المتمدن-العدد: 6163 - 2019 / 3 / 4 - 21:40
المحور: الادب والفن
    


فكّرَ أنّ " رومي " كانت محقة في حدسها، بأنه استغل موضوع ربيب الراحل " بوعزة " لكي ينأى بنفسه عنها، وذلك بالإسراع في الانتقال للمنزل الجديد. تمشى مع ضيفته في مماشي الحديقة، مثلما كانت رغبتها. هنالك عند كرم الصبّار، آثرت أن تجلس على سدّة حجرية ذات مسند من الخشب. النباتات الشوكية، المختلفة الأنواع، المتجمعة على نفسها في طرف الحديقة، كان نسيمُ الخريف يتلاعب بها فتبدو مثل قنفذ مذعور.
قالت له السيّدة الفرنسية، تومئ إلى ناحية الكرم: " ألِفتُ فيما مضى قضاءَ ساعاتٍ هنا، لا أمل من تأمل تلك الغرسات الغريبة، المجلوب أكثرها من جز الكاريبي في الطرف الآخر من هذا المحيط. في الأثناء، يكون جورج منشغلاً بالحديث مع الرابي لدرجة أن يسلوا كلاهما وجودي هنا. إلا أنني كنتُ منذ طفولتي أرافق والدي إلى دار الرابي هذه، لأنهما كانا صديقين ". ثم عادت لتستدرك، قائلةً بنبرة معتذرة: " أعني، دارك هذه.. "
" لا فرق، يا صديقتي "، ردّ عليها مبتسماً بصيغة نداءٍ تحبّذها وكانت دوماً تصرّ عليها. قابلته ببسمة مماثلة، ولكنها ما فتأت أن تجمّدت على شفتيها. لحظ ذلك، فاستدار بوجهه إلى الناحية الداخلية من المنزل، التي ذهبَ بصرُ ضيفته إليها: ثمة على شرفة الدور الثاني، المفتوح باب حجرة نومه عليها، كانت الخادمة " ميرا " منتصبة كتمثال من برونز ذي سحنة كامدة وعينين لهما نظرة ثابتة. عند ذلك استعاد في ذهنه موقفاً من صباح يومه الأول هذا، هنا في المنزل، كانت الفتاة هيَ طرفه الرئيس.
كان قد أدى صلاة الفجر، ثم آبَ مجدداً للفراش بغية مواصلة النوم. بيد أنه بكّر بالاستيقاظ، كونه أغفى مباشرةً بعيد العشاء. على سبيل المصادفة، راحَ وهوَ يهم بالاغتسال في الحمّام يفكّرُ بأمر ربيب " بوعزة " ذاك، حينَ ظهرت فجأة شقيقته خِلَل الباب. لدهشته الشديدة، كانت الفتاة عاريةً مثلما ولدتها أمها، حتى أنه لم ينتبه لكوز الماء الساخن في يمناها والفوطة بيدها الأخرى. محولاً نظره عنها في الحال، صاحَ وقد استبد به السخط: " ما هذه الجسارة منك، أيتها الخادمة؟ "
" إنها جاريتك، يا سيّدي؛ وهذه ستكون صفتها، اعتباراً من اليوم "، جاء صوتُ مدبّرة المنزل من وراء ظهر الفتاة. ثم تابعت المرأة المسنّة نوعاً، بعدما أضحت في مجال رؤية سيّد الدار الجديد: " كذا هيَ العادة في بلدنا، أن تبقى الجارية دون ملابس في حضرة مالكها ". ردّ على المدبّرة، وكان ما ينفكّ غاضاً بصره: " لستُ بمالكها، ولا هيَ أيضاً بالجارية. بأيّ حال، لا أرغب ثانيةً أن تكرروا مثل هذا الأمر، سواء معها أو مع غيرها ". تناولت عندئذٍ المدبّرةُ من الفتاة الكوزَ والفوطة، آمرةً إياها بمغادرة الحمّام. لما اختفت " ميرا "عن ناظره، خاطبَ داخله في شيء من الاستغراب وهوَ يمد يديه تحتَ كوز الماء: " لم أسمعها تتكلم مرةً قط، مع أنها بالطبع ليست بكماء ".
كذلك كان يستعيد وقائع حادث الحمّام، آنَ جاءه صوتُ الضيفة عن كثب: " إذاً حطت ربيبة المرحوم بوعزة في داركم، وكانَ هوَ قد عرضها قبلاً علينا؟ ". قبل أن يجيب، مضى ببصره إلى ناحية الشرفة ليجد أن الفتاة اختفت: " رحمه الله وغفر له. كنتُ بمحض الاتفاق حاضراً، حينَ قال الربان للرابي أنه سيضطر لبيعها في سوق الإماء ما لو رفضَ إيوائها لديه كخادمة ". إلا أنه تحفّظ عن ذكر واقعة الصباح، مكتفياً بالتلميح لرفضه عرض المدبّرة أن تكون الفتاة جارية بوصفه رجلاً مسلماً والمالكَ الجديد للمنزل.
" ألم يعرضونها عليك عاريةً تماماً، كما هيَ شيمة المسلمين مع جواريهم؟ "، تساءلت الضيفةُ مضيّقةً عينيها بحركة ماكرة وعابثة في آنٍ معاً. أطرق واجماً للحظات، ولما رفع رأسه ليتكلم، إذا بالسيّدة تهب واقفة: " يجب عليّ العودة للبيت ". قالتها ثم أضافت مع خطواتها المتعجلة، المتحركة إلى ناحية ردهة مدخل المنزل: " وإلا فإن جورج سيظل مستغرقاً في النوم، فيفوّتُ أمرَ الذهاب إلى المرسى لمحاولة مقابلة الباشا في شأن الباخرة المحتجزة ". سارَ خلفها حتى الباب الرئيس، ليودعها هنالك بالقول: " لو أن لدى زوجك الرغبة، ففي وسعنا أن نلتقي في المقهى بعد صلاة العصر ". أومأت رأسها، مبتسمة: " حسناً، وقد أرافقه أنا أيضاً للمقهى ". قالتها ثم توقفت، وكأنها تذكّرت شيئاً آخر: " ذلك الفتى، ربيب بوعزة، من المستحسن أن يأتي معك لو لم يكن لديك مانعٌ. قبل حضوري لمنزلك، أوقفتني في الدرب الابنةُ الصغرى للأرملة الإيطالية وتضرعت لي أن أجلب صديقها المسكين للمقهى كي تراه ". هزّ رأسه موافقاً، وبقيَ واقفاً لبرهةٍ على أثر ذهاب السيّدة. كان يفكر في أمر النساء الأوروبيات، على خلفية الموقف الإنساني لابنة صاحبة المقهى تجاه الغلام المعاق: " وهيَ ذي السيّدة الفرنسية، تتفقدني بدَورها في مكان إقامتي الجديد منذ الصباح الباكر ". ولكنه طرد أيّ فكرة أخرى، وقرر أن يمضي ليرى الغلام المسكين.
عاد أدراجه إلى حديقة الدار، أين يقوم كوخ الخدم في ناحية منها، ناتئاً بين الأشجار كبطن هرة حامل. وكان " جانكو " قد أمر بالأمس إخلاءَ حجرةٍ من الكوخ للغلام، لكي يكون تحت رعاية شقيقته. الطقس كان ما يفتأ صحواً، حال الأيام المنصرمة. فالشمس المنتصرة صارت أكثر دفئاً مع اقتراب الظهيرة، فيما الريح استحالت نسيماً معبّقاً برطوبة البحر وأريج أزهار الحديقة. على أنّ رائحة الكوخ، المتداخل فيها الرطوبة مع الوساخة، فغمت أنف السيّد الجديد وكانت هذه المرة الأولى يضع قدمه هنالك. ما لبثت مدبّرة المنزل أن هرولت في أثره، ولعلها لمحته يدخل الكوخ. قالت له لاهثة، وصدرها الضخم يعلو ويهبط في وضوح: " أعذرنا لهذه الفوضى، يا سيّدي. كنا مشغولين بأمر نقل أغراض الرابي من منزلكم، مما أدى لحصول إهمال هنا "
" لا بأس، المهم أنكِ انتبهت لضرورة إبقاء المكان نظيفاً شأن باقي أقسام المنزل "، ردّ عليها وكان ما زال يضع منديلاً معطراً على أنفه. ثم سألها عن حجرة الغلام، داساً المنديل في جيب بنطاله. وكانت تنوي الإجابة، عندما أطلت " ميرا " من بابٍ إلى يمين موقف السيّد. خاطبت المدبّرةَ بلغة الشلوح، مشيرة بعينيها إلى داخل الحجرة. نقلت المرأة المسنّة كلامَ الفتاة، قائلة أن الغلامَ في حالة صحية سيئة. كانت هيَ المرة الأولى، يسمع فيها صوتَ تلك الخادمة؛ وكان صوتاً عميقاً، يصدح في قوة وثقة. دخلوا معاً للغرفة، وكان الغلام المريض متمدداً على حشية من إسفنج، عارٍ تقريباً. جدعات أطرافه الأربعة، بانت عندئذٍ بشكل مثير للشفقة. اضطر " جانكو " ثانيةً لإعادة المنديل إلى أنفه، بسبب رائحة المريض. عندما أبدى تذمره، كون الفتى قدِمَ منذ أصيل يوم أمس ولم يستحم بعدُ، فإنّ المدبّرة أوضحت له بالقول: " كانت حرارته مرتفعة مذ لحظة وصوله، وعمدنا إلى محاولة تخفيضها بوساطة الخرق المبللة بالماء البارد والخل ".
صلى العصر في مسجد القصبة، ثم غادره إلى مقهى الأرملة الإيطالية. ابنتها الصغرى، خرجت أكثر من مرة لتطل على الترّاس وكانت تسدد نظراتها نحوه. بعد قليل، جاء القبطان مع زوجته وانضموا لمجلسه. سألته " رومي " عن الغلام، فلما أعلمها بحالته فإنها وقفت مجدداً: " أرغب برؤيته في الحال، من بعد إذنك يا صديقي. انتظراني هنا في المقهى "، خاطبت كلاً من جلّيسيها في شيء من اللهوجة. ثم أردفت قائلة لصديقها التاجر: " سأمر على الطبيب، كي أصطحبه معي إلى منزلكم ". سكتت فجأة، مرسلةً نظرها إلى ناحية مدخل المقهى. صاحت متهللة الوجه بالفرنسية، مخاطبة الابنة الصغرى للأرملة؛ وكانت هذه قد خرجت في الأثناء ملوحة بيدها الرقيقة، الناصعة البياض كالقشدة.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,364,204,033
- أسطورة آغري لياشار كمال؛ الملحمة ومصادرها
- تاجرُ موغادور: الفصل السادس 9
- تاجرُ موغادور: الفصل السادس 8
- تاجرُ موغادور: الفصل السادس 7
- تاجرُ موغادور: الفصل السادس 6
- تاجرُ موغادور: الفصل السادس 5
- تاجرُ موغادور: الفصل السادس 4
- تاجرُ موغادور: الفصل السادس 3
- تاجرُ موغادور: مستهل الفصل السادس
- تاجرُ موغادور: الفصل الخامس 9
- تاجرُ موغادور: الفصل الخامس 8
- تاجرُ موغادور: الفصل الخامس 7
- تاجرُ موغادور: الفصل الخامس 6
- تاجرُ موغادور: الفصل الخامس 5
- الرسالة
- تاجر موغادور: الفصل الخامس 4
- تاجر موغادور: الفصل الخامس 3
- تاجر موغادور: مستهل الفصل الخامس
- تاجر موغادور: بقية الفصل الرابع
- تاجر موغادور: تتمة الفصل الرابع


المزيد.....




- جلال الدين الرومي.. ملهم العاشقين وحكيم الصمت
- رئيس أوكرانيا يستعيد دور الممثل الكوميدي للحظات
- نزار بركة من بيت الصحافة: -المغاربة ماعرفينش فين ماشين مع هذ ...
- ولد سلمي : المجتمع الدولي في المراحل النهائية لاذابة البوليس ...
- بسمة وهبة تؤدي العمرة بعد ساعات من طلاقها -شيخ الحارة-
- منظمة تاماينوت تستنكر استمرار العبث التشريعي في حق الامازيغي ...
- شاهد.. نشر مقطع فيديو من جزء ثان لفيلم -الجاذبية- الروسي
- -لعنة- زواج ياسمين الخطيب تقصم ظهر-شيخ الحارة-
- فيلم فلسطيني يحقق فوزا كبيرا في مهرجان كان
- المغرب... من يفوز في صراع الثقافة والتطرف؟


المزيد.....

- النقابات المهنية على ضوء اليوم الوطني للمسرح !! / نجيب طلال
- الاعمال الكاملة للدكتور عبد الرزاق محيي الدين ج1 / محمد علي محيي الدين
- بلادٌ ليست كالبلاد / عبد الباقي يوسف
- أثر الوسائط المتعددة في تعليم الفنون / عبدالله احمد التميمي
- مقاربة بين مسرحيات سترندبيرغ وأبسن / صباح هرمز الشاني
- سِيامَند وخَجـي / عبد الباقي يوسف
- الزوجة آخر من تعلم / علي ديوان
- عديقي اليهودي . رواية . / محمود شاهين
- الحبالصة / محمود الفرعوني
- لبنانيون في المنسى / عادل صوما


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - دلور ميقري - تاجرُ موغادور: الفصل السادس 10