أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمود الصباغ - الحاجز:هندسة خوف و متلازمة رعب و ردع .















المزيد.....



الحاجز:هندسة خوف و متلازمة رعب و ردع .


محمود الصباغ

الحوار المتمدن-العدد: 6153 - 2019 / 2 / 22 - 07:31
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


(لكل فرد حرية التنقل واختيار محل إقامته داخل حدود كل دولة)...-المادة 13 من شرعة حقوق الإنسان-
-الحاجز بوصفه حيز ناطق :
الحاجز .. ما أكثره -ما أكثرها ..مفردا و جمعا ..ماديا و لا ماديا .مرئيا و غير مرئي ..تاريخي و لا تارخي ..عقلاني و لا عقلاني ..و تستغرقنا هذه الثنائيات إلى ما لانهائية –لو شئنا-حين نرغب في الحديث و التفصيل عن معناه أو معانيه , سواء منها الاصطلاحي أم الرمزي أو الدلالي أم المعرفي أم الميداني الإجرائي حين يتجلى كوسيلة سيطرة يتداخل فيها الذاتي مع الموضوعي فيترجم "ذاته" إلى لغة مسطحة , مكررة, روتينية, مربكة و مرتبكة, و مثقلة بأوامر و نواهي لاعقلانية في معظمها تصيبنا أحيانا بأشكال متعددة من الملل و الاكتئاب و التعب و الخوف ...إلخ . ونظرا لأن هذه اللغة واحدة بصرف النظر عن القائمين عليها فهي تحاول أن تسنبط فضاء لا ينفصل عن تضمين المكان لمفاهيم مثل الرعب حيث يكون الردع أداته و رمزه فيتوج مساحته بامتلاء متضخم للقوة الغشيمة العمياء , و يشكل من حيث هو قائم بالمكان خطوطا غير طبيعية تتمايز عما يحيط بها فتظهر اختلالا للمألوف, ومعمارا مصمتا غير نفوذ يتحرك دائما باتجاه واحد يكون الفعل فيها أو النشاط بعيدا عن أي مظهر من مظاهر الشفافية التي تحاول السلطات أن تظهرهها للرأي العام في سبيل إقناعهم بضرورة وجود الحاجز، ولا يتوقف عند حده المكاني بل يتطاول و ينساح ملتفا حولنا و يدخل في وعينا قصدا أم عفوا, طوعا أم قسرا, وهو يعطي للسلوك اليومي مظهرا مستفزا غير مستقر و حالة تراخي ذهني لامبالية لما حولها يكون هدفها التخلص من اللحظة ,فدائما ثمة هناك ما هو سري و غامض و غير مفهوم في لغة و سلوك الحاجز ،حيث نلحظ فرقا بين لغة الحاجز و لغة القرارات التي تتخذ خلف الأبواب المغلقة وتظهر على شكل لوائح و تعليمات للتنفيذ لا يكون الفرد فيها على الأغلب طرفا و حتى لا علم له فيها , بل جل ما يمكن ملاحظته هو انعكاس تلك الأسرار و ذلك الغموض تعبا على وجوه الأفراد عند وصولهم للحاجز الذي يتحول إلى عدو (مقابل الفرد الذي يتحول إلى عدو "معطى" بقدرات محدودة تسهل السيطرة عليه )، أو جزء من عدو، أداة أو أدوات للعدو، ليس فقط العدو المجسد برجل الحاجز، بل بما هو أعمق و أعقد، فعلى الحاجز تنتهي تماماً المعاني التي يمكن استنباطها من كلمة "حرية" المقترنة بالحركة ,ليس حرية الحركة فحسب، فحرية التعبير حركة وكذلك حرية الكلام والرسم و الكتابة و القراءة... كل هذه الدلالات تشتملهم الحركة و تغمرهم في سياقها .
ألم يدق مواطني جنوب أفريقيا الأرض بأرجلهم كي يقبضوا بأيديهم على حريتهم ويكسروا "حاجز" الأبارتيهد؟.
تتشابه الحواجز,على اختلافها , كمقاربة مكانية -زمانية حتى لو لم تستفد من بعضها البعض بصورة مباشرة , فـ"تعليب" الزمن -لاسيما زمن -يتجلى في قدرة الحاجز على "تمطيط " الزمن ومده في فضاء هندسي إقليدي غير تقليدي, فما كان يسهل تجاوزه سابقا بزمن قصير نسبيا ،أصبح الآن يتطلب وقتا أطول وجهدا أكبر و قلقا أعظم بسبب من تحول الجغرافيا إلى عنصر ملازم للزمن في علاقة تكافلية طردية للعناصر الفيزيائية: الزمن والمسافة و السرعة مع التسارع (الصورة المقابلة للسقوط الحر)، فالكتل الإسمنتية وأكوام الردم و الخطوط المعدنية القاسية الثابتة كلها تقف عائقا امام انسياح الزمن بصورته الطبيعية. سيتلوى الزمن مع الجغرافيا الجديدة و تلعب طرق التفتيش و التدقيق وطولها الزمني المقصود و المثير للكآبة دورا مهما في مراقبة الفرد و السيطرة عليه بطريقة غير مرئية .قد لا يوجد أوامر للحاجز بإطلاق النار, غير أن ما يحدث على تخومه أقسى وأشد وطأة, فالوقوف تحت أشعة الشمس أو المطر و التدقيق التفصيلي و خلق معابر مرور هي أساسا وهمية تحولت إلى تجسيد مادي هو أصعب من القتل الجسدي المباشر .وعندما نصل الى هذه النتيجة ، تنهار منظومتنا الأمنية الداخلية و يبتدأ خوفنا في التحول الى هاجس، ونتخلى -طواعية ربما- عن استقلالنا الذاتي تحت وطأة بروباغاندة الحرب فنسعى للاندماج "بالآخر" للحصول منه على القوة التي نفتقدها أو نشعر أننا لا نمتلكها ، ليس هذا فحسب ، بل تنوس آليات تفكيرنا تحت ثقل المورورث بتجلياته السلبية غير المنفصلة عن بنية النظام الاجتماعي-السياسي- عبر مسخ ذواتنا واستلابها ، الأمر الذي من شأنه أن يكون له وقع خطير حين يختزل الفرد جل اهتمامته –وقد يكون محق في ذلك- في أمنه ومتطلباته اليومية ضمن سلسلة لا تنتهي من العلاقة المختلة ، فالحاجز -كضروروة من ضرورات الحرب - ظاهرة طفيلية راهنة واقتصاد مرتجل وممر لتسويغ النهب الناتج عن الحرب, وهو بوصفه برزخا، يشكل غلالة سميكة لا تمنحنا فرصة التلصص على ما خلفه، فهو بمثابة قبر يفصل بين عالمين,بمعنى , نحن نرغب بالمرور سريعا على الحاجز بلمح البصر لو شئنا ويتسلقنا الخوف المعطل للتفكير وتنتهبنا هواجس مقلقة بسبب من عدائية الحاجز ومزاجيته واستحالته في أحيان كثيرة إلى بوابة للعقوبة و ربما الموت وهذا ما يؤدي في نهاية المطاف بالفرد أن يرى العالم بمنظوره الخاص دون أي تاثيرات خارجية صارمة تحاصره، ويصبح أقصى ما يتمناه هو البقاء حيا.. وهنا تتجلى الغرائزية في رد الفعل مقابل العقل في الحالة "العادية" وبهذه الحالة يصل الفرد إلى حالة من التعب لا توصف و الخنوع , ويصبح سلس الانقياد و مطاوع بحيث يمكن ركله أو ضربه أو لكمه أو شتمه دون القدرة على الرد وهو ما يراه الحاجز حق حصري له نظرا لانهيار منظومة القانون في زمن الحرب بوصفها علاقة ناظمة, على أنه لا ينبغي لمصفوفة العلاقات هذه أن تعيقنا عن رؤية مظاهر الإذلال بصورها المتعددة و المقصودة بصوراها الداخلية الأكثر تعقيدا ، الأمر الذي من شأنه أن يتيح لنا تفسير العلاقات المركبة بمظهرها السادي-المازوشي-لا يمكن اعتبارها ظواهر جنسية فقط- فالشعور بالعجز و النكوص و عدم الاقتدار ينتج نوع من التكافل يسعى الفرد من خلاله للهروب من الوحدة غير المحتملة خارج هذا التكافل حيث يمكن للفرد أن يبني نسيج علاقات -بناء أو هدم-تلقائية مع العالم الخارجي مع الاحتفاظ بفرديته ومعبرا عنها من خلال تملكه لقدرات عقلية و عاطفية معينة تساعده في الاتحاد مع الطبيعة و مع ذاته دون أن يتنازل عن استقلاليته و تكامله , أو على العكس أن يسير نحو علاقة هدم تحيله اجتماعيا إلى فرد خاضع للآخر فيصبح مغتربا عن المجتمع و عن نفسه, و يصبح الخنوع - بتعابير العنف الرمزي و السيطرة الرمزية كما يرى بورديو - (بيير بورديو، السيطرة الذكورية، القاهرة: دار العالم الثالث، 2001.) العنوان الرئيس للحاجز .وهنا ينبثق التساؤل : لم نخضع للحاجز ؟ كيف نتقبله هكذا بسهولة تثير دهشتنا ؟ من يقبل بالحاجز كإطار لأية علاقة محتملة؟
-الحاجز بوصفه علاقة :
يستدخل الحاجز إلى وعينا علاقات قسرية لاواعية فيتجلى في حياتنا بتنويعات مختلفة لعل أشدها فظاظة اتساقه الناتج عن الحرب ,حين تستنهض هذه الأخيرة غرائزنا-برغبة منا أو بدونها-فنتخلى -طواعية ربما- عن استقلالنا الذاتي تحت وطأة "خطابها" شديد الاستقطاب , بسبب أن الناس عموما , و في زمن الحرب خصوصا, يفضلون التخلي عن جزء من مسؤولياتهم ,بل يسعون للاندماج في من هم "أقوى ", حيث تبدل الحرب عاداتنا و تؤثر بنا وعلى سلوكنا اليومي فنعجز عن تحديد موقفنا و توجيه مشاعرنا لأنها تكون غير واضحة و غير مستقرة, وحتى لو ساهمت الحرب في لحظة ما بإبراز أجمل ما فينا "العمل الجماعي, التضحية, الموت في سبيل الغير ...إلخ" فإنها في المقابل تظهر أيضا أسوء ما فينا , فنصبح عبيدا لها مقيدين بمنطوقها فيسهل علينا نكران فرديتنا و نخشى أن نكون أحرار , فالفرد الحر يسهل عليه التفكير بقدرته على مواجهة العالم وحيدا و لكن في ظل الحرب لن يجد أمامه سوى الهرب من الحرية و التخلي عنها و ما يصاحب هذا من فقدان للخصوصية من خلال اضطراره للخضوع للأقوى للحصول على القوة التي يفتقدها . وغالبا ما تكون الرغبة في التسلط أو الخنوع غير واعية وعقلانية في البداية، لكنها تصير كذلك تدريجيا .ويمكن من خلال فهمنا للظروف المحيطة بالفرد (الموضوعية و الذاتية) أن نستكشف الآليات التي تدفعها لتبني هذه الرغبة أو تلك (مثلما يمكن أن نتعرف كذلك على الدوافع التي تجعله يتبنى هذا الموقف أو ذاك) .ومن الواضح أن الإنسان يمتلك قدرة ما على الشحن الذاتي لاستجماع قواه وأسلحته الدفاعية الداخلية حين يتعرض لأزمةأو أزمات فيقوم بالتأثير أو التأثر بالغير ،كما يميل للخضوع أو إخضاع الغير ، فتظهر لنا النماذج المختلفة للإنسان الاجتماعي على هيئة مستبد أو دكتاتور أو لامنتمي أو إنسان خاضع لا مبالي،و يظهر الخوف كأحد أوضح هواجسنا اليومية في صراه "الأنا" و "الآخر" بما يحمل من معطيات فيزيزولوجية و نفسية و جسدية و من تجليات و ثنائيات متصارعة ,لا سيما في المجتمعات البطريركية حيث تكون فيها البنى المجتمعية الذكورية واضحة للعيان في معظم سلوكياتنا و موروثنا تشكل تراتبية تقوم على ثنائية التسلط و الخضوع من الأعلى للاسفل ما ينتج عنه تشظي او انقسام في الشخصية واحدة تسلطية قمعية مقابل أخرى خاضعة تنتج بالضرورة من التناقض في طرائق التفكير و العمل و السلوك ،و لا يمكن إغفال مقولات معروفة كالاعتراف بالآخر و قدرة الافراد على التصرف "كذوات فاعلة" و ليس كعناصر مستهلكة فقط تقف خارج الحقل السياسي على حد تعبير فروم الذي ربط بين الخوف من الحرية بنزعتي التسلط و الخضوع السابقتين ، منطلقا من تطورمفهوم الحرية المتداول اليوم عبر التاريخ.
الحاجز بوصفه "اقتحام" خارجي:
تقوم آليات التفكير السلبية ( لعل الخوف أبرزها بوصفه وسيلة دفاع معطلة للتفكير ) و القيم المجتمعية غير المنفصلة عن بنية النظام الاجتماعي-السياسي-بتكريس المسعى نحو التخلص من الذات و الهروب للغير كلما طال أمد الحرب , فيستجيب الفرد آليا لغرائزه الدفاعية مما يستوجب منه القيام بخطوات حاسمة و مهمة للحفاظ على الذات كهدف نهائي لتوازنه , وعندما نعتاد الخوف و يصبح جزء من سلوكنا اليومي , نقوم بعقلنة هذا الخوف و إضفاء صيغ و تجسيدات متنوعة مأنسنة غير غريزية نطلقها عبر استجرار أمثال تحض على الخنوع و الخضوع لأي سلطة و تكريس مقولات الإيمان بالقضاء و القدر وغيرها , فيبدو( أي الخوف) -للمطل الخارجي- معزولا عن عمل العقل كاستجابة لمحرض خارجي , ولا يتوقف شعور الخوف عند هذا الحد , بل يتعداه ليشكل سدا منيعا أمام أي هجوم محتمل من البيئة المحيطة بالفرد ( أي المحرض) ,و يبرز الحاجز هنا كحركة خارجية بعكس الاتجاه فهو يخالف كل ما هو منفتح وكل ما هو ذو طبيعة اتصالية وتواصلية ,وهو معتم بحيث لا يمكن رؤية الطرف الآخر إلا من خلاله وتضيق الفرص من أجل الوصول إلى المساومة التي يفرضها الحاجز و أداوته وهذا يعني تخلينا عن كل ما يخصنا على الصعيد النفسي و العقلي و التركيز فقط على الانشغالات الغريزية الضامنة للبقاء , فنصل إلى ما يريد الحاجز أن نصل له, أي النظر إلى ما وراء الحاجز ليس من زاوية وحشية الحرب و قسوتها بل من زاوية خطورتها على أمننا ,فالحاجز يعمل كآلية تدخل و سيطرة و بذلا الوقت بوابة عبور للأمان المفترض من جهة, و ثقب أسود وعنصر ماص من جهة أخرى.بطبيعة الحال لا يقل ضرر الحرب النفسي على الفرد و المجتمع عن الأضرار الأخرى وتكمن صعوبة معرفتها كونها آثار غير مرئية و نتائجها بطيئة ومديدة , تؤدي في نهاية المطاف إلى "خنق الشخصية" باعتبارها كيانا فتقتلها وقبل ذلك ستعيش هذه الشخصية تحد غير واع قد لا يخرج للنور إلا في صورة صراع او انتحار .
-الحاجز بوصفه منظومة ذكورية:
يمكن فهم ذلك من خلال تفسير إيريك فروم لنمطي "الشخصية السادية" المتسلطة و الشخصية المازوشية" الخاضعة في كتابه (الخوف من الحرية . المؤسسة العربية للدراسات و النشر 1972), حيث يعرف الرغبة في التسلط بالنزعة السادية والميل الى الخضوع بالنزعة المازوشية الموجودتان بدرجات متفاوته في الشخص السوي و غير السوي على حد سواء. وتعبر هاتان النزعتان عن سلوك اجتماعي مكتسب عن طريق التعلم و التنشئة الاجتماعية في البيت والمدرسة و الشارع والعمل والوظائف والمؤسسات المختلفة...إلخ. و يستفيد الحاجز من النظام الاجتماعي في زمن الحرب الذي يشكل رافعة رمزية هائلة تميل لإقرار السيطرة الذكورية التى تقوم – فى الأصل - على أساسها : إنه التقسيم الجنسى للعمل ،مما يمهد الطريق لتعامل الحاجز مع الآخر بوصفه " آخر -أنثى" .وينتج هذا التعامل تشكيل "كاذب" للحاجز فمراكمة التجارب لن تستطيع أن تقنعنا بأن الحاجز موجود للأمن و الحماية. بل تتبدى لنا وظائف أخرى مضمرة فالتقسيم الجنسي للعمل –ودائما حسب بورديو- يؤمن توزيعا غاية في الصرامة للنشاطات المنوطة لكل جنس -الذكر و الانثى- ، وللحيز الذي تشغله هذه الأنشطة و أدواتها ، وتظهر قوة النظام الذكورى فى حقيقة أته يستغنى عن التبرير و يدفعنا إلى أن نعتاد عليه باستكانة ونتقبله دون تذمر أو تردد أو امتعاض، بمعنى ظهور" حالة أنثوية " لقبول الحاجز/الذكر, فرؤية الحاجز لنفسه باعتباره مركزا ذكوريا نمطيا متمحورا حول ذكورته تجعله ينظر إلى نفسه على أنه القوي ، المفعم بالحيوية و المليء بالمعرفة و المزهو بحالته القضيبية فهو-أي الحاجز-الذكر- واقعي ، عقلاني ، غير انفعالي، قادر و مقتدر ،غير عاطفي ، إجرائي ، إحصائي، حيوي، متعدد ..,وهذه كلها صفات ذكورية أسبغتها عليه الحالة الراهنةالتي يعيشها و على الطرف الآخر يكون الفرد "الآخر/الانثوي" الضعيف ، المبتذل ، غير المعرف ، المخادع، مجهول الهوية،الانفعالي، المليء بالخوف، المغتصب، حيث جسده و عقله ليس ملكه ، وهذه صفات أنثوية أسبغها الحاجز عليه .وليس من المستغرب -إذن-أنه حين ينظر أي شاب نحو الجندي بصورته النمطية( التصور البونابارتي للجندي ذو العضلات المفتولة و البنية القوية و اللباس الفخم ) أن يرى فيه حلما و طموحا. وحين نراه نحن على الحاجز و نشعر بالعجز أمامه لا يسعنا داخليا سوى الإعجاب به (و الرغبة في القضاء عليه؟). وهذا بحد ذاته أنسحاقا تاما "انثويا "كما يتمناه الذكر إن جاز القول. فالمسافة بيننا و بين الحاجز هي بحق مسافة شاسعة و ما بيننا و ما وراء الحاجز عالم آخر نعجز عن متابعته بسبب من انشغالنا و انهماكنا وراء تحقيق حاجاتنا النفسية و الجسدية و الامنية ناهيك عن تلقائيتنا اليومية التي تصطدم كل لحظة بحاجز هنا او هناك..وهذا ما يمنح الحاجز فرصة لا تعوض بتمثل "الذكر" و إحكام السيطرة على الآخر و إخضاعه لإرادته ، فيصبح هذا الآخر "الذي هو نحن" مغتربا عن مجتمعه الذي أنتجه بنفسه،وهو ما عبر عنه فروم حين حدد أن الخضوع هو استلاب وهو حل نكوصي وهروب من الواقع وذلك بسبب الشعور بالعزلة والعجز والاحباط، وهو حل يتميز بالطابع القسري الاضطراري يتنازل فيه الفرد بشكل او آخر عن فرديته وتكامله.
هذه المصفوفة من العلاقات المربكة و المشوشة والحذرة التي تتسم بالرياء حينا و بالنفاق حينا و بالخوف في أحيان كثيرة تفرض نفسها باعتبارها محايدة ولا تحتاج إلى التعبير عنها فى خطابات تسعى إلى منحها المشروعية. و بتعدد الحواجز و اختلافها يحار الفرد في وضعه الذكوري-الانثوي فالشخص الذي ينتظر على هذ الحاجز هو نفسه الذي ينتظر على الحاجز الآخر "المعادي" للأول غير أنه لن يعاني كثيرا بفضل آليات دفاع داخلية تمنحه القدرة على مشروعية علاقته مع الحواجز المختلفة بفضل بنى راهنة مكتسبة ناتجة عن حالة الحرب تتكثف فيها بشكل واضح التقسيمات المؤسسة للنظام الاجتماعي في زمن الحرب و ما يستتبع ذلك من علاقات السيطرة و الاستغلال بين نوعين متعارضين من البنى: أي الحاجز و الفرد "الآخر" ، التي سيختزلها الحاجز إلى لغة-فكرةبسيطة مذكر-مؤنث ، مؤيد-معارض، داخل- خارج ... إلخ, وهذا يعني من ضمن ما يعنيه أن عناصر الحاجز هم أيضا ضحايا التمثيل السائد, و وهم العلاقة ذكر-أنثى, وهنا ستكون مهمة الحاجز في أقصى حالاتها المتطرفة في حالة الحرب -عند مقارنتها بمهمته في حالة السلم- ، فمن مهام مورفولوجيا الحاجز أن تضفي عليه حالة يراد لها أن تبدو طبيعية: اللباس القوة ، العضلات ,النظارات اللغة (اللكنة و اللهجة تلعب دورا مميزا هنا ) أو نشاط آخر يوحي بالسمة "الطبيعية" له والغاية منها تطبيق السيطرة ضمن مخططات العلاقات المفروضة بسبب حالة الحرب و التي هي بالأصل حالة مؤقتة طالت أم قصرت، وهذا التمثل الداخلي للعلاقة سينتج عنه أفعال يتم بموجبها اعتراف "الآخر" بسلطة الحاجز و سيطرته وفقا لمخططات السلطة التي شكلت الحاجز و أسبغت تقنيات العنف بشكليه الدلالي و الرمزي بحيث يتحول الفرد إلى أداة في سوق السلع أي "أنثى"يستخدمها الحاجز -الذكر من أجل زيادة رأسماله السوقي الرمزي على حد تعبير بورديو .
لا يمثل الحاجز انزياحا مؤقتا لمفهوم السلطة فحسب بل يمثل بطريقة علاقة ذكورية مستبدة تحمل طابع الإكراه بفرضها أنماطا معينة من السلوك الإجباري للأفراد لتأمين السيطرة الذكورية بموجب فهمنا للكيفية التي يتم فيها البناء الاجتماعي للأجساد التي هدفها النهائي الإخضاع الجسدي و الذهني للأفراد كما وضحها بورديو , ولأن تقسيم الأشياء والنشاطات طبقا للتعارض بين المذكر والمؤنث يكون تعسفيا فى الحالة المعزولة، فإنه يكتسب ضرورته الموضوعية والذاتية في اندراجه ضمن نسق من التعارضات المتناظرة، أعلى/أسفل، فوق/تحت، أمام/خلف، يمين/ يسار صلب/رخو، خارج(عام)/داخل(خاص) ،وهذه تشكل أنساقا مناظرة لحركات الجسم. مثل هذه الانساق ستجعل من الحاجز نقطة انعطاف يتحول فيها الحاجز إلى نوع من العلاقة مع "الآخر" على أساس الرغبة في الامتلاك و السيطرة و سيظهر التفوق "الذكوري" بعدم قدرة الآخر على المقاومة .من ناحية أخرى يتجلى في الحاجز أعمق الظواهر ذكورية.رغم ما يشوبها من قلق يشغل الحاجز/الذكر في أن يصبح مكررا و معتادا عليه وحينها سيتحول إلى فضاء مسطح تغيب أبعاده المجسمة فتختفي عضلاته المفتولة و تضيع ذكوريته أفقيا أو عموديا ليس إلا (أي على الصعيد الكمي للحواجز المتناثرة و على صعيد "نوعية رجال الحاجز الذين يختلفون في المهارات و الذكاء و منسوب الحقد و الأدلجة و التعليم ....إلخ). وهذا غير مستبعد نظرا لأن الحاجز /الذكر أو الحاجز فقط لا يختلف عن أشياء كثيرة غيره تنبت في زمن الحرب. ولذلك يعيش رجل الحاجز حالة من الحب غير المتوج و البعيد المنال و غير الممكن فهو من جهة يحتقر الآخر و يدمره بسيطرته عليه و يسحقه بمنطق ذكوري واضح و فاضح ,وفي ذات الوقت يحبه و يتمنى عدم غيابه لانه يستمد وجوده منه ..بهذه الثنائية المتناقضة يتمزق عناصر الحاجز ,على مستوى البنى الداخلية, بين وجد ذكوري تغمره مشاعر و أحاسيس السيطرة و التسلط وبين مشاعر الرعب و الخوف من فقدان موضوع الحب . هذه الحالة السلبية لعلاقة الفرد بالحاجز قد لا تسر "أهل " الحاجز كثيرا " لذلك سوف يميلون إلى تفسير لا واع لتلك العلاقة بما يشبه "العلاقات الزوجية الاعتمادية" حيث ستقوم الزوجة " المقصود هنا "الآخر" بلعب دور " الملاك الحارس" للزوج الذكر و المقصود هنا "الحاجز" فيقرر هذا الملاك –ربما ليس برغبة منه- بأن يعتبر حياته ووجوده له هدف واحد سامي هو أن يجعل الزوج أفضل و أسعد و أن لا يفكر إلا فيه وحيث لاقيمة له بدونه و بدون وجوده الطاغي الذي سيقوم بدوره بتحقيق متطلبات الرغبات المستترة للزوجة و المتمثلة هنا بالامان و الحفاظ على الحياة. أليس هذا ما يراه الناس ظاهريا بالزواج الناجح ؟ المشكلة أن الملاك الحارس يشعر أحيانا أن لا هدف و لا قيمة لحياته سوى بتكريس حياته للزوج و أن يكون مفيدا له بصورة ما ولذلك سيكون اختياراته مطابقة لرغبات الزوج ,أي الحاجز, النجم الأوحد المكرس لدور البطولة المطلقة في العلاقة .قد يبرر الحاجز لنفسه أن الناس تحب القوي و تحب أن تراه منتصرا وتكره الضعيف و تحتقره فالجماهير-كما اعتقد هتلر ذات يوم- أن المرأة تتجلى رغبتها في أن " تخضع إلى رجل قوي وليس إلى رجل ضعيف، ولهذا فهي تحب الحاكم القوي لا الضعيف الخاضع المتوسل، وهي في أعماقها اكثر اقتناعا بمن لا يتسامح مع الخصوم وليس بمن يمنحها الحرية، لأنها سوف تشعر بالضياع في تعاملها مع الحرية، بل وتشعر بأنها وحيدة ومهجورة".
-الحاجز بوصفه نسق تسلطي:
الحاجز حالة لا توصف من التعب ....إنه حقا فاجعة في تكوينه ومهامه و هندسة خوف خارج نطاق المألوف يعمل على خلق وعي مخادع مؤقت مرتهن بميزان القوة المعاد تدويرها عسكريا , لصياغة العلاقة بين السلطة و الفرد حيث تفترض السلطة أن على الفرد الاستكانة والقبول بتفسير السلطة للحاجز على أنه ضرورة أمنية (تتحول إلى اجتماعية كلما طال أمد الحرب). أليس السلطة هي من تمارس الهيمنة في إخضاع المواطنين لها من خلال عملية إعادة إنتاج وتدوير للمعرفة؟ أليست السلطة هي من يمتلك شرعية الدفاع عن "الشرعية الدستورية" من خلال احتكارها للعنف بحسب زعم بوبر؟ وإذن ستقوم الدولة بتسويغ إخضاعها للمواطنين لسلطتها للإقرار بشرعيتها.و غالبا ما يرى الأفراد –وهم على حق- بأن الحاجز إن لم يكن سلطة( بصرف النظر إن كانت سلطة شمولية أم ليبرالية أو ديمقراطية) فهو أحد ممثليها الاقوياء و لاعبيها الأساسيين و ركن أساسي لها حيث يختزل الفرد إلى "نكرة" بلا "هوية" محددة , ويفاقم الأمر سوء أن الفرد غالبا لا يكون معنيا بقبول التفسير السابق للحاجز الذي تفرضه السلطة كضرورة تقتضيها حالة الحرب و الاشتباك قبل تحوله إلى ضرورة اجتماعية غايتها "تحقيق الأمن" .وتمثل المجتمعات الشمولية بما يشبه حالة خاصة حيث تبرز مثل هذه المظاهر غير الطبيعية ،التي تحدث عنها فروم ، فيسيطر على الحكم فرد مستبد لفترة طويلة و ينقل استيداده لورثته ,فتظهر في المجتمع مع مرور الزمن حالة سيكولوجية -ثقافية متزامنة و معقدة تتمثل بهاجس خوف مركب يستولي على نفوس الأفراد، ومهما تحدثنا عن قيم و أخلاق سامية في مجتمعانا و مهما تحدثنا عن التواجد و التكامل الأنثوي كاقتران للتواجد و التكامل الذكوري فإن الواقع يبقى أعند من كل الطموحات ، فهذا الكائن الإنساني الملقى لمصيره في هذا الكون يتحول على الحاجز إلى فرد .حتى لو كان جموعا أو جمهورا فهو من وجهة نظر الحاجز ليس سوى فرد يسعى الحاجز إلى تكريس فرديته ليبقيه وحيدا في مواجهة قدره.
-بدل من خاتمة:
حين يضيق رجل الحاجز-بدلالته الرمزية كفحل- ذرعاً بأبسط معاني الحرية, يسعى للتباهي بفحولته بإبراز "خصوبته الغريزية" و "رائحة هرموناته" وفعالية المتخيل الذكوري عنده سواء في اللغة أم في الخطاب أم في الحركة -وهي كلها مجتمعة تشكل جوهر و بنية الحاجز -.و بسعيه هذا لن يختلف عن أي وغد آخر يمكن أن نصادفه ,فالأوغاد لايختلفون تعريفاً و وظيفةً و إن اختلفوا شكلاً و أداءً .......في مخيم اليرموك حيث كنت أعيش مع بقية اليرامكة ,كان يصعد رجل الحاجز إلى حافلة النقل العام عند مدخل المخيم ,فيبصق بين قدميه و ينظر نحونا بقرف ثم يجول بحثاً عن فريسة، ينظر إلى وجوهنا بقدر عالٍ من التحقير. نصبح (نحن سكان الحافلة و اللحظة الراهنة) مثل الأموات ، واجمين ، ساكنين كأن على رؤوسنا الطير ،ويهبط علينا صمت ثقيل يرخي ظله على المكان ،لننفصل عن محيطنا قسراً وتتشبث عيوننا المليئة بالخوف و الأمل و الرجاء بحركة رجل الحاجز ، ولما نصل إلى لحظة معينة لا نرى فيها سوى أنفسنا ،ننظر إلى بعضنا البعض ،بعضنا يشيح بوجهه نحو لاشيء،والبعض يطرق بصره للأسفل و ينظر بين ساقيه هرباً من عيني رجل الحاجز , يعلم رجل الحاجز هذا (كيف؟ ومتى؟ و من أين له تلك الخبرة؟) فيتقدم خطوات و يصرخ في الجميع "هوياتكن..يلّا" وهو يكاد يصل إلى نهاية الحافلة , يلتصق سلاحه بجسمه ,يشعر بخوفنا , يتحسسه، ما يجعله يرى نفسه إلهاً سقط فجأة من السماء,يتفقد الهويات بصلافة وتكبّر ،ثم يقول وهو يهبط من الحافلة" :ك.... أختكن كلكن على أخت فلسطين تبعكن ... والله...و الله لنعمل كذا وكذا بأم أحسن واحد فيكن"...قاسية تلك الكلمات؟ لاشك .بذيئة؟ لست أدري , لم أحاول-حينها-أن أعطي تفسير أو تقويم لها ,فقد كان كل همي أن أصل البيت سليما ..ولكن كل ما أعرفه إني كنت أسمعها-يوميا-وأكاد أختنق دون أن أجرؤ على التفوه بحرف واحد.
نشر هذه المقال في مجلة الأبجدية الأولى
http://online.fliphtml5.com/shhn/fqme/?fbclid=IwAR3sqQpahV0kPGTBb8a0JijJ49cM5cEoe-GcP87TIu7WcMMSCUj71nxmOcA





الحوار المتمدن في مقدمة المواقع الإعلامية في العالم العربي، شكرا للجميع



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,323,143,064
- الفاتيكان و الحركة الصهيونية: الصراع على فلسطين
- كرونولوجيا الثورة السورية ,من آذار 2011 حتى حزيران 2012 : وث ...
- الاستراتيجية الروسية في سوريا: أهداف متعددة
- خلي البسط أحمدي
- ربيع عربي أم شتاء إسلامي:روجيه نبعة في تجدد المسألة الشرقية
- عطر: قصة قاتل ينتمي الى عالم لم يعرفه أحد غيره
- -تحيا الفوضى- من متاريس الكومونة إلى المولان روج
- إسماعيل فهد إسماعيل *: على سبيل الرثاء
- لماذا يقتل -المؤمن-؟
- علم الآثار التوراتي في إسرائيل : حين يغمّس إسرائيل فنكلشتين ...
- الصهيونية العمالية في فلسطين: منهج الاستيطان المحض
- فراس السواح: الموقف الفضيحة
- -أيام العجوز- و الشتاء و-المستقرضات- و-سالف العنزة-
- -متلازمة-شارلي إيبدو: نقد أم شخصنة؟
- في حضرة الانتفاضة الفسطينية الأولى
- علم الآثار الإسلامي وأصل الأمة الإسبانية.
- The Green Mile: المعجزة في غير مكانها وزمانها
- العميل السري /جوزيف كونراد : الفوضى و بروباغاندا الفعل
- هل مازال الدانوب أزرقاً في ليالي فيينّا
- -وحيد القرن- لحظةيوجين يونيسكو القلقة


المزيد.....




- السجن 25 عاماً لوالدين كبّلا وعذّبا أبناءهم الـ13 لسنوات
- قمة عراقية تضم رؤساء برلمانات ست دول مجاورة منها السعودية وإ ...
- الحكومة السورية تشكر مواطنيها: غيمة وبتمر
- ممثل ساخر في طريقه لرئاسة أوكرانيا
- المبعوث الأممي ينفي تعرضه لمحاولة اغتيال في طرابلس
- لا بنزين بالمحطات.. فرقص السوريون وغنوا بالشوارع
- قطة تصطاد طائرا بمهارة فائقة (فيديو)
- التحالف يعلن نجاح عملية عسكرية في العاصمة صنعاء
- فضيحة مدوية داخل إحدى سفن الأسطول الأمريكي
- بعد اختفائها.. اكتشاف عظمة غامضة في جسم الإنسان!


المزيد.....

- كتاب الأعمال الكاملة ل ماهر جايان – الجزء الخامس / ماهر جايان
- عمليات الانفال ،،، كما عرفتها / سربست مصطفى رشيد اميدي
- كتاب الأعمال الكاملة ل ماهر جايان – الجزء الرابع / ماهر جايان
- الأعمال الكاملة - ماهر جايان - الجزء الثاني / ماهر جايان
- الأعمال الكاملة - ماهر جايان - الجزء الأول / ماهر جايان
- الحق في الاختلاف و ثقافة الاختلاف : مدخل إلى العدالة الثقافي ... / رشيد اوبجا
- قوانين الجنسية في العراق وهواجس التعديل المقترح / رياض السندي
- الأسباب الحقيقية وراء التدخل الأمريكي في فنزويلا! / توما حميد
- 2019: عام جديد، أزمة جديدة / آلان وودز
- كرونولوجيا الثورة السورية ,من آذار 2011 حتى حزيران 2012 : وث ... / محمود الصباغ


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمود الصباغ - الحاجز:هندسة خوف و متلازمة رعب و ردع .