أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود الصباغ - علم الآثار التوراتي في إسرائيل : حين يغمّس إسرائيل فنكلشتين خارج الصحن















المزيد.....



علم الآثار التوراتي في إسرائيل : حين يغمّس إسرائيل فنكلشتين خارج الصحن


محمود الصباغ
كاتب ومترجم

(Mahmoud Al Sabbagh)


الحوار المتمدن-العدد: 6122 - 2019 / 1 / 22 - 19:44
المحور: القضية الفلسطينية
    


في هذا الجزء من العالم-أي الشرق الأوسط عموما و فلسطين خصوصا - حيث يلتقي القديم والحديث في إطار خطاب سياسي يومي للفكرة و نقيضها , ينظر إسرائيل فنكلشتين إلى نفسه بكل ثقة " حارسا صهيونيا وفيا و محافظا شديد الإيمان بحق الشعب اليهودي في دولة و وطن في أرض إسرائيل التاريخية .,على الرغم من إصراره الشديد على انتمائه ليسار السياسة الإسرائيلية ( كثيرا ما يردد "أنا مستعد لمبادلة الأرض مقابل السلام مع الفلسطينيين")
و باعتبار أن ذخيرة جهده تنصب في الدفاع عن "حق دولة يهودية في الوجود" ,فمن الواضح أن أكثر ما يثير فزعه ( ليس ما يقوم به الجيش الإسرائيلي في المناطق المحتلة على كل حال) عندما يجلس على أريكته في بيته متابعة ما يعرضه التلفزيون من صور "مرعبة" عن الأحداث المضطربة في الشرق الأوسط و شمال أفريقيا و ردة فعل الحكومات الهشة هناك , ويزداد شعوره بالقلق حين يجد نفسه عاجزا عن تقديم العون و المساعدة في هذه الجزء من العالم المحفوف بالمخاطر ( لم يحدد كيف و متى ومن سيساعد ) , لكنه يخبرنا أن مثل هذه الاضطرابات تشعره بأن تراثه التاريخي مهدد.
ماذا لو قيض لأحدنا أن يطل على المشهد الفلسطيني في القرن العاشر ق.م ؟ ماذا و من سيشاهد؟ من هم السكان هناك ؟ وماذا يعملون؟ ماهي المدن الكبرى وماهي العاصمة أو العواصم؟ كيف هي طرق التجارة و أنماط الزراعة و الرعي ؟ كيف هو شكل المعابد؟ وثقافة العبادة و طقوسها ..أي إله أو آلهة كان يعبد القروين ؟وهل سكان المدن كان لهم ذات الطقوس ؟ .إن مشروعا تاريخيا -آثاريا لإعادة رسم فلسطين في تلك الحقبة سيكون بلا شك منشغلا بالاهتمامات السياسية التي نعيشها الآن , سينطلق هذا المشروع من الألفية الثالثة بعد الميلاد لكتابة تاريخ منطقة صغيرة من هذا العالم قبل ثلاثة آلاف سنة.. مهمة صعبة لاريب في ذلك ,لكنها غير مستحيلة إذا ما عزلنا المنحى السياسي و التوجه الإيديولوجي الذي يسيء حتما لأي تخصص بحثي سواء كان هذا التوجه ديني (يهودي ,مسيحي, إسلامي) أو توجه متمركز إثنيا ( قومي إسرائيلي أو قومي عربي) .. إن إعطاء قالب سياسي بخلفيات معاصرة للماضي يتيح استخدام اسماء وردت في نصوص كتابية أن تتحول إلى أسماء تاريخية . فاسم "الكنعانيين" يستحضر ، في الكتاب [المقدس]كاسم شعب: له قيم معينة وهوية و تراث كما تصفهم أسفار التوراة وهذا يجعل من السهولة بمكان لمحرر النص أن يحول "المجاز الأدبي" إلى حقيقة و أن يرسم لنا "الإسرائيليين " و " الكنعانيين" الكتابيين كفرعين يتمتعان بوظيفة أدبية فعالة و أساسية لمجاز ما يعرف بـ "الشعوب الأصلية" و "اصل كل شيء" و"اسبقية شعب على شعب" و "أحقية" شعب بالأرض على حساب شعب آخر ,حيث يتم تعريف "الأرض الموعودة" كتابيا كـ "أرض إسرائيل". فيقف الإسرائيليون في مواجهة سكان الأرض الأصليين الذين يتميز سلفهم كنعان بلعنة نوح. وحالما تصبح كنعان أرض إسرائيل، يتم اختصار الكنعانيين إلى شعب مطرود من الرحمة . إن سياسة القرار المسبق لعلم الآثار الإسرائيلي باستخدام "الكنعانيين" و "الإسرائيليين" كعلامات تاريخية لم تحدد فقط إرث أرض إسرائيل العصر الحديدي على أنه إسرائيلي بل طرحت على الفلسطينيين تراث العصر البرونزي وميزتهم كأناس ليس لهم إرث في الأرض: ورثة كارثة إبادة جماعية و تأريخية بمباركة إلهية و أدبية. ولن يفيد النقاش حول أولوية الاسم و في أي نقش ظهر في عملية النقد البناءة للأفكار المطروحة هنا ,فإذا كان "الكنعانيون" ليسوا أمة ولا شعبا، بل مجرد سكان عاشوا في بقعة معينة من الشرق القديم ,فهذا يستلزم بالضرورة أن لا يكون هناك وجود تاريخي لمن هم "إسرائيليون" ولن يكونوا أكثر من قبائل سكنت يوما في مرتفعات فلسطين... وإذن لا يمكن _عقلانيا-القبول بأنهم سيشكلون لاحقا مملكة تعرف باسم يهوذا أو غيرها ..وستكون جميع سلاسل النسب وقوائم الشعوب و الكيانات السياسية المنبثقة عنها عبارة عن شكل أدبي له صفة العظة الدينية ليس إلا .
كان إسرائيل فنكلشتين -ومازال- على مدى العقود الخمسين الماضية أحد أهم من قاد الدراسات الآثارية الميدانية في فلسطين تحت يافطة ما يعرف باسم "علم الآثار الكتابي أو التوراتي " , ولكن في سياق "حركة تجديدية" تقف بصرامة إزاء المحاولات التي ترمي لاعتبار ما ورد في نصوص الكتاب على أنه وثيقة تاريخية يتمتع بموثوقية و راهنية معرفية , و هو يجادل بأن التأريخ التقليدي للعديد من الاكتشافات و اللقى الآثارية المتعلقة بالأحداث الكتابية إنما ترجع إلى فترة لا تزيد عن قرن و نصف . و يرى فنكلشتين أن مفتاح التعامل مع علم الآثار الكتابي و تاريخ نشأته بطريقة مناسبة يكمن في فهم ما يجري في كواليس الأبحاث الكتابية اليوم ، وهذا يعني أن الاطلاع على البحوث الآثارية الكتابية و قراءتها لا ينبغي له أن يتم بالطريقة التي تقرأ فيها جريدة فمثل هذه النظرة السطحية تدل على عدم الاعتراف بتعقيد النص و عدم احترام الجهود المبذولة من قبل العلماء و الباحثين فضلا عن أن مثل هذا النمط من القراءة لا يأخذ بعين الاعتبار المسائل الإيديولوجية و اللاهوتية التي رافقت نشوء هذا التخصص الآثاري , وهذا لا يعني الغوص بعيد في العمق ,حيث تكمن المخاطر في الإفراط في التحليل, فالبساطة هي دلالة الحقيقة كما يقال. فإذا كانت قصص الخروج من مصر و التيه و انشقاق البحر و غزو أرض كنعان ليست مسألة تاريخية , فهي -بالنسبة للمؤمنين- إعجاز معطى من الرب لشعبه لك أن تصدقها أو ترفضها, إنها مسألة إيمان تقع خارج نطاق وظيفة ومهمة علم الآثار أو حتى التاريخ لإثبات أن هذا الأمر حدث أو لم يحدث, فإذا كنا مقتنعين بعدم وجود أسئلة غير مشروعة إنما توجد فقط أجوبة غير مشروعة سواء للمؤمن أم لغيره فلن يكون مهما للباحث التمسك بالمفهوم الإيماني لتفسير "ظاهرة طبيعية " مثل الجفاف أو انشقاق البحر أو انهيار أسوار مدينة بشكل مفاجئ أو لماذا وعد الرب شخص ما بأرض ليست أرضه ..إلخ من المعطيات الإعجازية التي يتطرق لها النص الإيماني المقدس .
ولكن هل لعلم الآثار سبيل لتقديم إجابات "مشروعة" لتلك الأسئلة المشروعة ؟
يرى فنكلشتين أن الإجابة أو الإجابات لا تكمن في النص, أو في النص وحده على الأقل ,نظرا لأن هذه مهمة المؤرخ الذي يقع على عاتقه فرز ما هو تاريخ من غير التاريخ و يمضي فنكلشين إلى ما هو أبعد ,حين يرى كعالم آثار بضرورة الحفر عميقا تحت كل صخرة و في جوف كل وادي و في قمة كل تل كي نرى ما إذا كان بنو إسرائيل قد خرجوا من مصر فعلا و تاهوا في سيناء ثم غزوا كنعان و فتحوها و أقاموا مملكتهم , ويبقى كل ما هو غير ذلك يقع في نطاق الفرضيات كالقول أن رعمسيس الثاني هو فرعون الخروج و الربط بين الهكسوس و الإسرائيليين القدماء كما فعل ذلك المؤرخ اليهودي القديم يوسيفوس فلافيوس استنادا إلى نصوص المؤرخ المصري القديم مانيتو. و الأسلم هنا -بالنسبة لفنكلشتين- من أجل الحفاظ على توازنه النفسي و شرعيته الحالية و شرعية نصه المقدس- القول بأن تقاليد الخروج تمثل تراكما لإرث و ذكريات موغلة في القدم تم تضمنيها في الكتاب المقدس لخلق سردية رئيسية يلتف حولها الشعب , ومن الممكن أن تكون نواة هذه السردية القديمة طرد الكنعانيين من دلتا النيل في القرن السادس عشر ق.م حتى بوجود طبقات أخرى لاحقة , فالوصف الجغرافي لمنطقة دلتا النيل على سبيل المثال ، كما يظهر في النص ، يمثل معرفة المؤلفين لوقائع القرنين السابع والسادس ق.م ،(فترة حكم الأسرة الصاوية في مصر) . من ناحية أخرى ، يظهر تقليد الخروج بالفعل في نبوءات القرن الثامن ق.م الميلاد عند هوشع وعاموس مما يزيد من تعقيد تحديد الإطار التاريخي لحدث الخروج , وكما يرى دونالد ردفورد تشكلت الطلائع الأولى من الإسرائيليين القدماء [ ثمة إصرار غير مبرر من الجميع على وجود هؤلاء القوم] من بدو الشاسو في جنوب كنعان ، و العابيرو الذين استقروا في المرتفعات في العصر الحديدي الأول بعد انهيار حضارات العصر البرونزي في كنعان و انسحاب مصر من بلاد الشام كما اختلط مع أولئك العابيرو و الشاسو بقايا المزارعين الذي اضطروا لهجرة وديانهم الخصبة و التمركز في الهضاب المرتفعة الآمنة نسبيا ,و ثمة نصوص تشير إلى وجود إله باسم يهوه "Yhw في أرض الشاسو " ، مما يوحي بوجود تواصل مبكر مع المناطق الجنوبية من كنعان (تذكره بعض النصوص في أوائل القرن الثامن ق.م في نقوش كونيتيلة عجرود باسم يهوه تيمان أي يهوه الجنوب , كما أن العديد من أسماء الملوك الكتابيين سواء في الشمال و الجنوب حملوا أسماء تمت بصلة لاسم هذا الإله ابتداء من القرن التاسع ق.م ) و يرد ذكر يهوه في نصوص مصرية تعود للقرن الثالث عشر ق.م. و هذا يعني -حسب فنكلشتين أن يهوه كان ضمن مجمع آلهة ولم يصبح الإله الوحيد الحقيقي إلا بعد العام 586 ق.م لاعتبارات أخرى غير دينية قطعا .
لكن السؤال ليس حول تواجد جماعة أو قبائل "عابيرو أو شاسو" سمى قسم منهم نفسه إسرائيل , إنما السؤال يأخذ منحى أو مظهر إقليمي أوسع , بمعنى حول وجود كيان سياسي يسمي نفسه إسرائيل ويرى سكان هذا الكيان أنفسهم على أنهم إسرائيليون و أن إلههم يسمى يهوه , كما هو مدون في قصص التاريخ التثنوي [ تعبير اصطلاحي يشير إلى "المادة التاريخية" المبثوثة في أسفار التثنية و يوشع و القضاة و صموئيل و الملوك]. وهنا يقر فنكلشتين بعدم قدرته على إثبات تاريخية كل ما سبق , غير أن هذا لا يجعله يمضي ليقول علنا في محاضراته لا يوجد يوشع ولا إيراهيم أو موسى , بل هو يرى فيهم رموزا "قومية" من الماضي يتم استحضارهم كلما دعت الحاجة , بمعنى بروباغاندة وظيفية تؤدي مهام سياسية و إيديولوجية ولاهوتية بآن معا رموز لها دور وظيفي و ليس لعالم الآثار الحق في البت في السائل الإيمانية , لأن هذا شأن الأفراد و ليس شأن علمي بطريقة ما ,حتى لو حاول هذا العالم لعب مثل هذا الدور فلن يستطيع تقديم إجابات مقنعة تعكس حقائق أو وقائع عصر مضى عليه آلاف السنين, فحتى مقارنة أسماء الاشخاص و الأماكن لا يمكنها أن تمدنا بفهم واضح عن شخصية محددة بعينها تعرف باسم ابراهيم مرت عليها احداث كما هي مدونة في نصوص العهد القديم ,لا يمكن لعلم الآثار إعادة خلق إبراهيم , في الوقت الذي لا يمكنه أيضا أن ينكر بصورة قطعية بعدم وجوده التاريخي في عصور موغلة في القدم , غير أنه من غير المتوقع العثور على لقى اثرية عن هذه الشخصية , إذ لا يمكننا الجزم باي شيء يمكن إرجاعه إلى إبراهيم بصورة شخصية , فهذا ضرب من المحال و الخيال بآن معا فحتى النص الديني الذي يحظى بإجماع المؤمنين على وثوقيته و مصداقيته لا يمكنه تقديم معلومات وافية و صلبة عن جماعة تدعى إسرائيل أو بني إسرائيل عاشت في حدود الألفية الثانية ق.م في مكان ما من الشرق القديم , فما يقدمه النص ليس سوى شذرات مبتسرة أو مقتبسة و ذاكرة واهية غير محددة المعالم و غير واضحة و لا تحظى بتأييد من خارج النص و ثمة منهجين لعلم الآثار و هي نصوص تعكس بصورة اساسية وقائع عصرها لحظة تدوينها كتعبير منطقي عن احتياجات الأفراد الذي عاشوا في تلك الفترة , أما التوصيفات لأحداث أقدم فهي مطمورة في واقع الحال بين ثنايا النص الأحدث , وتبرز الصعوبات من خلال تأويل اللقى الآثارية المتحيز للنص , فعالم الآثار لا يتعامل مع النص كبينة آثارية بل ما يهمه هو الثقافة المادية المندثرة التي ربما ستتجسد لاحقا في نص مدون أحدث , ووفقا لهذا يمكننا إعادة بناء "المادة التاريخية" عن مدن مثل حاصور و مجدو بعيدا عن تفسيرات يغال يادين المحافظة ذات الطابع الإيديولوجي "القومي" , ففي أرجع يادين تدمير حاصور إلى "فترة الغزو" حوالي 1225 ق.م كما ورد في سفر يشوع 11: 10 , فيميل العلماء اليوم بفهم "الغزو" في سفر يشوع على أنه بناء إيديولوجي يعود لعصر الملك يوشيا يراد منه العظة , بمعنى لا يمكن اعتباره توصيفا تاريخيا حقيقيا أو على الاقل لحقيقة ما حدث فعلا لحاصور, ويمكن القول هنا أن سقوط المراكز الحضرية الكنعانية كانت عملية طويلة و لم تحدث فجأة بين ليلة و ضحاها , بل استغرقت نحو قرن و نصف كما تشير الدلائل الآثارية المتوفرة في مواقع حاصور و مجدو و لخيش و غيرها من المدن الكنعانية ابتداء من دمار حاصور في منتصف القرن الثالث عشر ق.م وصولا لتدمير لخش و مجدو في حدود 1130 ق.م . وهذا ما تؤكده السجلات التاريخية و النصوص غير الكتابية . ويتفق العلماء على أن دمار حاصور يقع ضمن سلسلة من الأحداث شملت الساحل الشرقي للمتوسط بأكمله في نهاية العصر البرونزي , وحتى لو كان المرء متفائلا و اعتقد بأن المجموعات البشرية المسؤولة عن هذا الدمار استقرت لاحقا في الهضاب المرتفعات فيمكن عقد صلة بين حاصور و طلائع بني إسرائيل , غير أن هذا مجرد تصور يزخرفه الخيال , فلا يوجد ما يؤكد وجود جيش بالحجم الذي تذكره النصوص الكتابية تحت إمرة قائد واحد استطاع أن يفتح كنعان و يدمر تلك المدن المحصنة وهو من عانى قبل ذلك تيها في صحراء قاحلة لمدة تقل بقليل عن نصف قرن , فضلا عن معاناته قبل ووله لمشارف أرض كنعان و موت نبيه و ملهمه الأول هناك!
و للتخلص من هذا المأزق أو التناقض , يلجأ البعض -ومنهم يادين- إلى ما يعرف بالمنطق الدائري على قاعدة "غياب الأثر أو الدليل لا يعني غياب الحدث" , فاليهود على سبيل المثال يحرمون لحم الخنزير , ولذلك حين العثور على عظام خنزير سيكون من الصواب القول أن هذه مستوطنة ليست إسرائيلية , طيب ماذا لو عثرنا على عظام خنزير في مكان يعتقد أنه إسرائيلي؟ هنا يأتي المنطق الدائري ليستكمل تفسيره كما فعل يادين حين عثر على بقايا عظام الخنزير في الموقع الذي يفتض أنه قلعة مسعدة فكان التفسير بأن هذه العظام هي أضحيات قام بتقدمتها الرومان الحاكمين للمنطقة ,و حين عثر من بين البقايا على عظام شخص مدفونة بطريقة طقسية , تم الاسترشاد بما ذكره يوسيفوس في كتابه “حروب اليهود" كمرشد ودليل على تاريخية الحدث , وهذا في الحقيقة ليس سوى تفكير مرغوب فيه يسقط النص على ما هو موجود في الحقل . وذات الشيء يمكن قوله عندم مطالعتنا لتاريخ مدينة مجدو , المدينة التي كانت تعد أكبر المواقع المحصنة في العصر البرونزي بمساحة تصل إلى نحو 60 هكتار , غير -ان تاريخ هذه المنطقة يعود إلى الألفية الرابعة ق.م , إن وجود مدينة بحجم مجدو يعني وجود عدد لا باس به السكان للقيام بالمهام المتنوع الموكلة لهم بالإضافة إلى تصريف معيشهم اليومي , إذا لا يعقل أن يقوم 400 أو 500 شخص مثلا ببناء صروح مجدو , وعلى هذا لابد أن تكون مجدو تتمتع بصلات قوية مع الريف المحيط بها و القريب منها , بل وحتى الهيمنة عليه و جلب العمال مهرة للقيام بأعمال التحصينات و الدفاع عن المدينة عند اللزوم , وقبيل تدمير مجدو كانت قد نمت و ازدهرت في العصر البرونزي المتأخر ( 1550-1150 ق.م) [ تعرف باسم مجدو الكنعانية], ثم تعرضت للدمار في القرن الثاني عشر ق.م , ولا يمكن الجزم بمن دمر المدينة , هل هم شعوب البحر؟ هل بفعل جيش كنعاني آخر؟ هل بسبب غزو قادم من بعيد أو من مملكة مجاورة؟ ومهما كانت الإجابة , فعلى الأغلب لن يكونوا الإسرائيليون القدماء من فعلوا ذلك , إذا لا يمكننا الجزم بوجود إسرائيليين في تلك الفترة أو حتى التعرف عليهم كجماعة سكانية سواء تم مطابقتهم بالعابيرو أو الشاسو أو أيا يكن من سكان القرن الثاني عشر ق.م
و لهذا السبب يصنف فنكلشتين نفسه -باعتباره عالم آثار- في معسكر الوسط ضمن الجدل الدائر في أوساط الدراسات الكتابية , كما يقول [اعتبر نفسي باحث يقف في مكان ما في الوسط بين معسكر المحافظين و المعسكر النقدي , . أن تكون في المركز هو عمل صعب للغاية. إذا كنت تقف على جانب واحد ، يتم مهاجمتك من جانب واحد فقط. ولكن إذا كنت في المركز ، فسوف تتعرض للهجوم من كلا الجانبين...... في بعض الأحيان يتهمني بعض أصدقائي من المعسكر الأكثر تحفظًا بالانتماء إلى نهج أكثر عدمية (أو النهج النقدي) ،الذي ينكر وجود المملكة الموحدة . ليست هذه هي القضية. فأن لأسباب كثيرة لا أنفي وجود داود وسليمان ( قد يكون نقش تل دان أحد هذه الاسباب). كان هناك ذاكرة بالفعل في القرن التاسع ق.م ترى بأن مؤسس السلالة في عاصمة يهوذا كان يدعى داود. أنا لا أنكر وجود داود وسليمان في التاريخ. يجب أن يكون كلامي واضحا بيد أنه لدي بالتأكيد وجهة نظر مختلفة حول مدى و طبيعة الكيان الذي تمحور حول [أورشليم] في القرن العاشر ق.م, لنقل كان ثمة شيء هناك في القرن العاشر ، ولكن ما هو بالضبط؟ هذا هو السؤال الكبير و لكي نجيب علينا العودة إلى مسألة التحقيب التاريخي للقدس نفسها ....] و إذن لا يبدو فنكلشتين -من موقعه هذا- بالمغالي في تأويل حرفية النص الكتابي في تتبع التاريخ القديم لإسرائيل من الأقدم للأحدث لترتيب معطيات الحدث التوراتي كما هو حال العديد من الآثاريين التوراتين من مدرسة أولبرايت و الذين يطلق عليهم في الحقل الأكاديمي تسمية (الأصوليين maximalists) و لا هو من جماعة الاتجاه التصحيحي minimalists الذين يميلون لإنكار "تاريخية" الكتاب[المقدس] بكل عام و يرفضون الإملاءات النظرية التي تمهد لذلك كما هو حال نيلز بيتر لامكة و توماس تومسون من جماعة كوبنهاغن في الدنمارك أو فيليب ديفز و كيث ويتلام من مدرسة شفيلد في بريطانيا الذين يبدون شكوكا مطلقة فيما يتعلق بـ" الإرث الكتابي" على الرغم من مساهمة كلا الاتجاهين في تقديم الدراسات و البحوث الأكاديمية الآثارية و التاريخية في إطار ما يعرف "الدراسات الكتابية". وهو يرى أن المعسكر الذي ينتمي له -اي الوسط- بات له أنصار كثر الآن و وجهة نظر ينبغي أن تحظى بذات القدر من الدراسة و الاهتمام فالحديث عن اليمين و اليسار هنا كتصنيف يقود إلى تصنيف النتائج المترتبة عن تأويل النص الكتابي ( و يشمل هذا بطبيعة الحال "تاريخ بني إسرائيل") فإذا كان الأصوليون يتبعون في تأويلهم وصف الكتاب المقدس لتاريخ إسرائيل القديمة من منطلق |إيمانهم في حدود هذا النص كما يعبر عن ذلك عالم الآثار الفرنسي الأب رولاند دو فو بقوله :" إذا لم يكن الإيمان التاريخي لإسرائيل موجودا في التاريخ ، فإن مثل هذا الإيمان خاطئ ، وبالتالي ، فإن عقيدتنا هي أيضا خاطئة". وفي الحقيقة تدين رؤية فنكلشتين حول "علم الآثار الكتابي " كثيرا لرؤية دو فو في المبالغة الإثنية المركزية لدور إسرائيل, فيهمل إلى حد كبير ,مثل دو فو, وجود "بنية مستديمة غير إسرائيلية" في فلسطين في العصر الحديدي ، حتى عندما يسلم ، على سبيل المثال، بوجود توجه فينيقي لفلسطين الساحلية من عكا إلى الطنطورة ، وبوجود روابط ثقافية آرامية للجليل الشرقي و شمال غور الأردن ، بما في ذلك بيت شان، و تل العريمة "كنيريت" ، و تل القاضي " دان" والكثير من شمال شرق الأردن. ويستند فنكلشتين أيضا إلى نقش ميشع لرؤية مؤاب في القرن التاسع في تنافس مع بيت عمري / إسرائيل وآراميي دمشق و مجدو وتعنك والسيطرة على سهل الجليل "يزرعيل". وهذه مناطق كانت موضع نزاع في تلك الفترة ، ولكن من الصعوبة بمكان أن نقول عنها أنها إسرائيل. ورغم ذلك يزعم فنكلشتين وبعبارات لا لبس فيها عن عظمة لا مثيل لها لإسرائيل (1) حين يزعم أنه يمكن أنه يمكن تفسير توسع أورشليم باتجاه تلالها الغربية في وقت ما في القرن السابع باستقراء حدوث هجرة جماعية للاجئين من السامرة المحاصرة و الساقطة في الربع الرابع من القرن الثامن. وبصفتي باحثا في الكتاب المقدس، كثيرا ما أتساءل - عندما أضع في الاعتبار الضغط الذي يمارسه فنكلشتين بلا كلل على هذا الادعاء ذو التوجه الكتابي - لماذا كان على مثل أولئك اللاجئين أن يسعوا أو أن يجدوا الأمن في من هم أكثر غدرا من بين أعدائهم!.لا يسع المرء -هنا -أن يغض النظر عن التناقض عميق السخرية الذي رسمه فنكلشتين وسيلبرمان في كتابهما الشهير [ التوراة مكشوفة على حقيقتها] بين الأدلة الأثرية التاريخية المحدودة لمملكة يهوذية قبل القرن الثامن والقصة الكتابية للمملكة الموحدة لداود وسليمان.ويتوجب علينا ,ربما ,الإشارة إلى أن سردية سفري الملوك ، التي أطلقتها القصة التراجيدية عن جنون سليمان، تكمن خطوط حبكتها الأساسية في إطار ثيمة الوحدة مقابل الانقسام كما قرأها توماس تومسون(2) . . إن ثيمة العظمة لا تنسحب كثيرا على قصة داود مثلما هو الحال في القصة المأساوية لصعود سليمان وسقوطه. وتتطرق قصة داود إلى ما هو أبعد من ثيمات ومسار حبكة الاستيلاء على السلطة في سفري الملوك ، لا سيما الموتيفة التي تعزر "عذاب الماضي " كصورة نمطية يعثر عليها في "شهادة الملك الطيب". التناقض مع ما يشغل فنكلشتين يتجلى في مقارنة أدلة الاستيطان المحدودة في مرتفعات يهوذا خلال القرن العاشر وأوائل القرن التاسع ق.م، مع مئات مستوطنات الهضاب ، التي دعمت في وقت مبكر حاضرة بيت عمري وبالنظر إلى هذا التباين في سجلنا التاريخي، ليس بوسع المرء سوى أن يستمتع بانقلاب السخرية رأسا على عقب لفوقية الكتاب [المقدس].
وفي المقابل يجادل التصحيحيون بأن كل أو معظم المواد هي الفارسية أو الهلنستية [القرنين الرابع-الثالث ق.م .] ، وأنها لا علاقة لها بالتاريخ الحقيقي لإسرائيل المبكرة, أي أن النص [المقدس] تم كتابته في الفترة الفارسية أو الهلنستية ، وبالتالي ليس له قيمة لفهم تاريخ إسرائيل في العصر الحديدي. و بين هذا و ذاك يحشر فنكلشتين نفسه -وهو لا يرى نفسه وحيدا على كل حال- بقوله : أن مادة النص الكتابي كانت مكتوبة في المراحل المتأخرة من "الحقبة الملكية للإسرائيليين القدماء" وهي بذلك تعكس حقائق ذلك العصر المتأخر (القرن السابع ، وربما القرن الثامن ق.م) ، يتخللها نصوص تعبر عن ذكريات وتقاليد تعود لفترات سابقة تسربت إلى النص, و وفقا لها الرأي فإن أقرب نص مكتوب من الكتاب [المقدس العبري] لابد أن يكون وضع في النصف الأول من القرن الثامن ق.م , وحدثت ذروة "الإسقاط" للنصوص الكتابية [في يهوذا في أواخر العصر الملكي وبعد تدمير القدس] ، ربما بشكل رئيسي في بابل, كما أن هناك العديد النصوص التي تنتمي فعليا لوقائع القرن الثاني ق.م.
و كما أثبتت العديد من الحفريات - ولكن ليس كلها-أن تأويل النص إيمانيا ومعول الآثاري يشيران إلى اتجاهات مختلفة لإعادة بناء الماضي ,وبالتالي إعادة بناء التاريخ, و التمييز بين ما هو "تاريخي" و بين ما حكايات شعبية و أساطير متواترة ذات مغزى و قصص ديني تحمل طابع العظة. ولكي لا يكون الكلام منحازا فإعادة التفكير في النصوص الدينية استنادا للمعطيات الآثارية لا يعني نهاية الإيمان , بل ربما يعني أ الإيمان سيكون أكثر نضجا. و إذا كان المؤرخون يكذبون كما يقال , فعلماء الآثار يمتازون عنهم بالإضافة إلى تلك الخصيصة بالخيال الخصب الذي يسمح للواحد منهم بسرد قصته كما يحلو له و أن ينطق الحجر قبل البشر على طريقته الخاصة ,و يرى فنكلشتين أن اعتماد تقنية الكربون المشع لتأريخ البقايا العضوية في المواقع الأثرية سيكون له دور حاسم في تقديم مصدر مستقل عن المصدر الكتابي أو غير الكتابي فيما يتعلق بالسجال التاريخي السائد في الأوساط الأكاديمية , في سياق فرز ما هو "تاريخي" و ما هو "غير تاريخي" في نصوص الكتاب[المقدس] . و سوف يكون لعلم الآثار الدور الحاسم و النهائي في عملية بناء و-أو إعادة بناء سرديتنا التاريخية , حيث يقدم لعلم الآثار أن يقدم التأويل القريب إلى الصحة لفترة تاريخية معينة أكثر من النص نفسه , نظرا لأن النص هو نتاج مرحلة تالية لتلك الفترة و يعكس التوجه الإيديولوجي لصاحبه أو كاتبه أو من طلب بكتابته , في حين أن اللقى الآثارية يمكنها أن يعبر عن نفسها دون أي تدخل خارجي , غير أنه من الواضح أيضا أنه لا يمكن لعلم الآثار أن يقدم التصور و الحكم النهائي على تلك السردية , وذلك لأسباب عديدة تعود لبنية علم الآثار ذاته لاسيما مقارباته المنهجية , وهنا يطرح فنكلشتين تساؤل هام بالنسبة له في سياق رؤيته لـ"بني إسرائيل" , فيقول , ما الذي جعل بني إسرائيل يظهرون كمجموعة متميزة في كنعان؟ هل كان التوحيد؟. ليجيب بدوره بالنفي , لأن التوحيد أتى في وقت لاحق , فنصوص العهد القديم لا تنكر وجود آلهة أخرى إلى جانب إله بني إسرائيل , مما يعني أن هناك ألوهية أكثر أهمية من الآخرين ,وهو يرى أنه لا يمكننا الحديث عن التوحيد حتى في حدود نهاية القرن السادس قبل الميلاد " 586 ق.م" التاريخ المفترض لتدمير أورشليم , و يمكن وصف ديانة المملكة الجنوبية “يهوذا" في ذلك الحين أنها توحيدية . فالتوحيد الذي نعرفه الآن الفترة الفارسية , و إن شئنا الدقة أكثر هو نتاج الحقبة الهلنستي, فالتوحيد الإسرائيلي لم يحدث إلا في عصر الحشمونيين , كما يقول فنكلشتين. وحتى في مراحل لاحقة ,تحديدا مرحلة العصور المسيحية الاوى [مرحلة العهد الجديد] كان الناس يعبدون آلهة أخرى., ألم يتهم المسيح بعض الإسرائيليين بعبادة البعل. و تخبرنا نصوص العهد القديم أن الملك "عمري" دعى لعبادة بعل كما يشير سفر الملوك الأول , كما يشير السفر ذاته إلى بناء سليمان مذبحا لكموش إله مؤاب , شرقي أورشليم , و يرى نص العهد القديم أن سليمان و عمري عملا الشر في عيني الرب , و تشير العديد من الدراسات أن معبد سليمان تم بناؤه وفقا لنموذج معبد عين دارا السوري-الحثي الذي كان مكرسا لبعل و عشتار و يعود تاريخه للعام 1300 ق.م تقريبا. و لذلك يمكن لقارئ النص الديني أو من يؤمن به أن يتبنى قراءة انتقائية تساعده على فهم و تأويل النص , في حين يدلنا بنيان المعبد و اسلوبه على نمط عيش الناس في الزمن الحقيقي و ليس في الزمن المفترض , طريقة عيشهم كما هي فعلا و ليس كما هي موجودة في ذهن محرر النص , ولهذا أتى الإصحاح 11 من سفر الملوك الذي يوضح السلوك الخاطئ لأنبياء عظام مثل داود و سليمان و ما فعلوه من شرور في عيني الرب, فهل كان المقصود هنا السلوك اتجاه يهوه إله بني إسرائيل أم توجيه نقد لاذع لحياة الترف و البذخ التي تصورها نصوص العهد القديم لداود و سليمان على حد سواء , و يستمر النقد وصولا لعهد عمري و آهاب , آخذين بعين الاعتبار التأويل السياسي هنا , اي وجهة نظر محرر النص من ملوك المملكة الشمالية التي تسمى إسرائيل. و يحاول فنكلشتين التأكيد على "تاريخية " التسمية إسرائيل من خلال تأوله لما ورد في مسلة مرنبتاح التي اكتشفها السير ويليام بيتري ، في العام 1896 ، فيقول بأن هذا النصب يشير إلى جماعة تدعى إسرائيل ، عاشوا في كنعان في أواخر القرن الثالث عشر ق.م و غير ذلك لا توفر المسلة أيه معلومات حقيقية عن حجم هذه الجماعة وموقعها, مما جعل البعض يضعهم في شرق الأردن , و البعض الآخر اختار مرتفعات غرب الأردن كأماكن تواجد لهذه الجماعة , لكن السؤال الكبير-كما يردد فنكلشتين- هو كيف تطورت هذه الجماعة لاحقا وأعطت اسمها لمملكة إسرائيل [ أي للمملكة الشمالية] ، التي ظهرت في أواخر القرن العاشر ق.م ؟ ، أي ، بعد نحو 250 عاما من حملة مرنبتاح , يضاف لهذا التساؤل عدم وجود نصوص ذات صلة خلال الفترة التي تفصل بين حملة مرنبتاح وظهور المملكة الشمالية. وهنا يؤكد فنكلشتين ما قاله أعلاه على أهمية و دور علم الآثار في تقديم الإجابات الأكثر إقناعا أو الأكثر قبولا ، بمعنى أنه يجب البحث عن إسرائيل التي ذكرها مرنبتاح بين المجموعات التي استقرت في المرتفعات الغربية والشرقية من الأردن ابتداء من أواخر القرن الثالث عشر. هذه الجماعات أنشأت في وقت لاحق الممالك الإقليمية للعصر الحديدي ، من بينها إسرائيل على حد قوله. و يطرح فنكلشتين مثالا واضحا على تلك القراءة الانتقائية لنصوص العهد القديم بالطريقة التي تم فيها تفسير اللقى من موقع خربة قيافا الذي كان موضع نقاش مثير في أهل الاختصاص, فما تم تقديمه من تفسير محافظ لاكتشافات خربة قيافا ليس سوى عملية إحياء لمنهج أولبرايت الذي لم يعد يصلح لتفسير نصوص العهد القديم نظرا لأن علم الآثار قدم إسهامات حاسمة في الكشف عن خطأ المقاربة الأولبراتية لتاريخ و نصوص و نقوش الشرق القديم حين أصر على ربطها بالعهد القديم و قصص أنبياء و ملوك أباء بني إسرائيل و التي أتت ربما رد على فرضية يوليوس فلهاوزن(3) في نقده لمصادر نصوص العهد القديم و ما هجوم أولبرايت على مقاربة فلهاوزن إلا نموذج من نماذج عديده عن حرف البحوث الآثارية و الكتابية و التاريخية عن مسارها الصحيح . وقد ظهر هذا الاتجاه بأشكال مختلفة -وإن بشكل متقطع في السنوات الأخيرة، باستخدام علم الآثار كسلاح لقمع التقدم في البحوث النقدية .وليس خربة قيافة سوى أحدثها لجهة التوق نحو إلحاق كارثة في البحوث النقدية الحديثة عن طريق كشف أثري إعجازي, فالموقع مثير للاهتمام حقا و فريد من نوعه من نواح كثيرة, نظرا للرغبة العميقة لأصحاب النهج الأصولي في محاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه من إرث الآثاريات الكتابية فيما يتعلق بتاريخ إسرائيل القديمة .و يشير تخطيط الموقع إلى أن أصل سكان الموقع يعود للمرتفعات ، إلا أنه لا يشير بالضرورة إلى توسع يهوذا المبكرة . و بعض اللقى تلمح إلى إمكانية ربط الموقع بالمرتفعات الشمالية بعبارة أخرى ، المكتشفات -و ليس النص- هي التي يمكنها أن تلقي مزيدا من الضوء على التكوين الإقليمي للمرتفعات الشمالية في القرن العاشر ق.م ، أكثر من علاقته بيهوذا في فترة تكوين السلالة , في القرن التاسع . و يرى الآثاري الإسرائيلي غارفينكل الذي قام بالحفريات في الموقع أن ما عثرا عليه هو قصر الملك داود, و وفقا لتقديراته فقد بلغت مساحته نحو 1000 م2 .غير أن فنكلشتين يشكك بهذا ويشير -بصورة غير مباشرة- إلى الباحثة الإسرائيلية إيلات مزار التي زعمت ,قبل عدة سنوات ,أنها وجدت قصر الملك داود في القدس: "هذا يذكرني بخرافة الفتاة الصغيرة التي نادت الذئب. فيوم أمس وجدوا قصر الملك داود في القدس، واليوم هو في قيافا، وغدا سوف تجد أنه ... من يدري أين. هذه البيانات تسترعي انتباه الجمهور ". و ربما ستكون الخطوة التالية إذن هي الزعم بانتماء الملك داود للمدينة ,طالما هناك قصر في المدينة، وبالتالي من الواضح[لغارفينكل] أن " الملك داود نام هنا عندما جاء لزيارة هذه التلال". غير أن الأكثر إثارة عثور بعثة غارفينكل على عدة كسر تحتوي نقوشا أثار أحدها نقاشا حادا ,فهو مكتوب بلغة ما قبل كنعانية الذي تطورت منها الأبجدية الفينيقية .و تشير عدة مقالات إلى أن النقش قد يكون من أقدم النقوش العبرية، ويمثل المرحلة التي سبقت تحول النص ما قبل الكنعاني إلى نص فينيقي معياري كما يقترح غارفينكل في محاولة تحديد لغة سكان قيافا العبرية القديمة. في حين يرى فنكلشتين أن النقش لم يكتب باللغة العبرية. ويؤكدان أن جميع النقوش ما قبل-الكنعانية المتأخرة تقريبا عثر عليها في السهول الساحلية الجنوبية، لا سيما قرب مدينة "جات" الفلستية. كما تم العثور على نقوش هيراطيقية مصرية تعود لحقبة العصر البرونزي المتأخر الثالث في المنطقة عينها ،وبشكل خاص حول لخيش . كانت المنطقة مركز الإدارة المصرية في كنعان في العصر البرونزي المتأخر. وبالتالي فالنقوش ما قبل الكنعانية المتأخرة قد تعكس تأثير التقاليد الإدارية والثقافية القديمة.
يجادل ألبرت يجادل غلوك-وهو على حق-هنا بأنه ما لم يتم تحرير علم الآثار في الشرق الأوسط من "الأسطورة الكتابية" فإن هذا العلم لا يمكنه أن يدرس تاريخ فلسطين بشكل كاف (4)
و يستنتج بأن العديد من القصص الكتابية هي محض قصص خيالية , فلم يحدث أن خرجت جماعة بشرية تسمى بني إسرائيل من مصر و لا يوجد ثمة دليل على أن شخص ما يدعى يوشع حاصر و-أو احتل مدينة أريحا ,ناهيك عن سقوط أسوارها بالطريقة الموصوفة في الكتاب , ولم يوجد في أي مرحلة أو عصر ملك عظيم اسمه داود فتح أورشليم(5) و جعلها عاصمته وأورث حكمها لسليمان ابنه الذي بنى هيكل الرب على تلك الرابية في أورشليم , ليس هناك ما يجزم بوجود هذين الملكين و حكمهما لأرض كنعان في القرن العاشر ق.م من القدس و وصلت حدود دولتهما إلى مشارف حماة و ميناء يدعى عصيون جابر كان يضاهي موانئ العالم القديم العظيمة كصيدا و صور و في أحسن الأحوال لم يكن داود و سليمان -إن وجدا- سوى شيوخ قبيلة صغيرة في تلك البقعة من الأرض , فنص العهد القديم-كما يراه فنكلشتين-ليس سوى ذاكرة تضخمت و تأسطرت في القرن السابع ق.م ,لتخدم أجندات سياسية و عسكرية معينة .
لقد فشل المشروع الأثري الكتابي لأن باحث الكتاب المقدس لا ينتمي إلى علماء الآثار. "إن استخدام الإرث الكتابي كمصدر أساسي لتاريخ أصل إسرائيل ، أشبه بتكريس وضع يائس للمؤرخ الذي يريد أن يكتب تاريخا نقديا ، وليس تاريخا عفا عليه الزمن"(6).و إذ كان الماضي غير قابل للاستعادة -كما يقول ميشيل فوكو-فإننا على الأقل نستطيع تمثله ,هذا يعني فشل آخر تعاني منه البحوث الكتابية التي خلقت وهما اسمه "إسرائيل القديمة" ,فواقع المجتمع الفلسطيني القديم الذي يمكن التعرف عليه من مصادر مختلفة غير كتابية لا يتلاءم بأي حال مع الصورة الكتابية لـ"إسرائيل القديمة" .وفي الحقيق لا توجد طريقة يمكن التوفيق بين هذه صورة إسرائيل الكتابية والماضي التاريخي [الحقيقي] للمنطقة كما يؤكد ذلك نيلز بيتر لامكة . فإذا كان هذا هو الحال , فينبغي علينا أن نتخلى عن الأمل في أن نتمكن من إعادة بناء التاريخ الحقبة ما قبل الهلنستية على أساس مرويات العهد القديم. لأن اي تاريخ يتم كتابته وفقا لذلك سيكون تاريخا مختلقا يتم اختراعه بعدد قليل من الإشارات المعزولة عن سياقها تتحدث عن "اشياء" ما ربما حدثت حقا أو كانت موجودة. من وجهة نظر المؤرخ الموضوعي ، إسرائيل القديمة ليست سوى "مخلوق" شاذ ,"شيء" انبثق من خيال مدرسة "النقد التاريخي" وانتشر كالهشيم المحترق بين مؤرخيها الكتابيين وخلفياتهم الحديثة، خلال المئتي سنة الماضية.
......
ملاحظات
1- يقول فنكلشتين حول الفصل بين البحث والتقاليد والمعتقد: "أنا مؤمن بدرجة كبيرة في الفصل التام بين التقاليد والبحوث أنا شخص يحتفظ في بقعة دافئة من قلبه للكتاب [المقدس]وقصصه الرائعة. ولا تستمع فتاتي اللتان تبلغان الحادية عشر و السابعة من عمرهما ,خلال عيد الفصح أي كلمة عن عدم وجود خروج من مصر وعندما يصلان إلى سن الخامسة و العشرين سنقول لهم قصة مختلفة. الاعتقاد والتقاليد والبحوث هي ثلاثة خطوط متوازية يمكنها أن تتواجد في وقت واحد. و لا أرى في ذلك تناقضا جسيما " . Lori, Aviva (2005) ‘The Greatest Spin in History’, Haaretz.co.il (26 February). English version [‘Grounds for Disbelief’] available at http://www.haaretz.com/grounds-for-disbelief-1.10757.
2- Thompson (1974), 57 ”A Testimony of the Good King: Reading the Mesha Stele”, Ahab Agonistes: The Rise and Fall of the Omri Dynasty, ed. Lester L. Grabbe (London: T&T Clark 2007), 236-292 Biblical Narrative and Palestine’s History: Changing Perspectives 2 (Sheffield: Equinox 2013).
3- وضع يوليوس فلهاوزن في الربع الأخير من القرن التاسع عشر ما يعرف بالفرضية الوثائقية في مؤلفه المعروف "المقدمة النقدية لتاريخ إسرائيل القديمة". و التي تنص على أن البنيان الأدبي للأسفار الموسوية يتكون من مصادر أربعة مختلفة تعود لعصور مختلفة. كان يرى في اليهودية -كديانة خلقتها المؤسسة الكهنوتية في فترة الهيكل الثاني- عبارة عن منظومة عقائدية مؤلفة من وصايا وطقوس , وهي برأيه مرحلة متدنية لدين "الإسرائيليين القدماء و اليهوذيين و الملكية (الدولة)". Wellhausen, Julius (2013 [1878]) Prolegomena to the History of Ancient Israel (New York: Cambridge University Press).
4- Glock, A. 1995 Cultural Bias in the Archaeology of Palestine. Journal of Palestine Studies, 24(2):pp.55
5- يصف الكتاب [المقدس] كيف استولى الملك داود على حصن صهيون الصغير حيث كان يقيم اليبوسيون و حوّله إلى عاصمة لدولته وهي المكانة التي ظل محتفظا بها خلال المملكة الموحدة [الكتابية]، أي القرن العاشر ق.م تقريبًا و بعد وفاته ارتقى سليمان خليفته و ابنه عرش المملكة فبنى [والكلام للعهد القديم]عدة قصور ومعبد فخم و يستمر النص الكتابي في وصف المدينة بأنها جميلة وعاصمة عاصمة إمبراطورية كبيرة وغنية جعلت ملكة مثل بلقيس تحبس أنفاسها عند زيارتها و مشاهدة غنى و ثراء ملكها سليمان....ولكن ماذا تقول لنا اللقى الآثارية ؟في الواقع ,لم يعثر البحث الأثري على أي من المباني الموصوفة في الكتاب المقدس. فلا قصور و لا معبد و لا بيت مستدير"[كما يذكر محرر سفر صموئيل الثاني , الإصحاح 5, الآية 9](على الرغم من أن علماء الآثار يفترضون أحيانا أنهم عثروا على آثار للمباني) بيد أن هذا لايعني أنه لم توجد المدينة ,فربما اختفى كل شيء و تآكل. قد لا نجد مدينة العهد القديم الفخمة في القرن العاشر ق.م, وذلك ببساطة لأنها لم تكن موجودة قط.أو ربما كانت مدينة أكثر تواضعا بكثير مما يصفه الكتاب المقدس. فما تم العثور عليه من لقى تعود للقرن العاشر (أو التاسع) ق.م بقايا مباني عامة وتحصينات فقط. كانت القدس مجرد بلدة صغيرة ، ربما لا تزيد مساحتها عن 12 هكتارا ، ولم يكن سكنها أكثر من 2000 نسمة.
للمزيد أنظر:
Margreet L. Steiner 2009 The “Palace of David” Reconsidered in the Light of Earlier Excavations,2009:
http://www.bibleinterp.com/articles/palace_2468.shtml
6- Thompson, T. L. 1987: The Origin Tradition of Ancient Israel. Journal for the Study of the Old Testament. Supplement Series 55. Sheffield Academic Press, Sheffield
المصادر
http://asorblog.org/2016/05/02/the-role-of-biblical-archaeology-in-exegesis-an-interview-with-professor-israel-finkelstein
http://individual.utoronto.ca/mfkolarcik/jesuit/finkelstein.html
http://archaeology.tau.ac.il/internationalma/?p=3324






اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الثاني
حوار حول اعمال وارث الكاتبة والمناضلة الكبيرة نوال السعداوي - الجزء الاول


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- الصهيونية العمالية في فلسطين: منهج الاستيطان المحض
- فراس السواح: الموقف الفضيحة
- -أيام العجوز- و الشتاء و-المستقرضات- و-سالف العنزة-
- -متلازمة-شارلي إيبدو: نقد أم شخصنة؟
- في حضرة الانتفاضة الفسطينية الأولى
- علم الآثار الإسلامي وأصل الأمة الإسبانية.
- The Green Mile: المعجزة في غير مكانها وزمانها
- العميل السري /جوزيف كونراد : الفوضى و بروباغاندا الفعل
- هل مازال الدانوب أزرقاً في ليالي فيينّا
- -وحيد القرن- لحظةيوجين يونيسكو القلقة
- The Bridges of Madison County:ضد -الحب الرجعي-؟
- آرامياً تائهاً كان أبي: اللاتاريخ في التاريخ
- الصنايعي The Machinist : تحية إلى ديستويفسكي
- شوكولاة : نكهة اللذة و فائض الألم
- Shutter Island: الجنون كوسيلة لقهر  فوضى هذا العالم
- الأب ثاوذورس داود: الهروب أماماً نحو الماضي
- -تكيف- Adaptation: -أن تكون تشارلي كوفمان-
- ليلى و الذئب:قصة أخرى
- عماد حقي:مرثية الزمن القادم
- الحدود تجاعيد الأرض


المزيد.....




- نواة الأرض تنمو بشكل غير متوازن والعلماء يجهلون السبب
- المشيشي: من الضروري تأجيل كل المعارك السياسية لإنقاذ تونس
- ما هي ملامح الاتفاق النووي الإيراني من مفاوضات فيينا؟
- انتهاء عملية التصويت في الانتخابات الرئاسية الإيرانية وبدء ف ...
- نتنياهو يرفض مغادرة سكن رئيس الحكومة الرسمي وبينيت يمهله أسب ...
- RT تواكب عملية الاقتراع بانتخابات إيران
- باريس: متمسكون بمواصلة الحوار مع موسكو
- الانتخابات الإيرانية.. من الرئيس المقبل؟
- مركز المصالحة الروسي يرصد 34 انتهاكا في إدلب بسوريا
- أردوغان يعلن نجاح اختبار صاروخ محلي مضاد للسفن (فيديو)


المزيد.....

- الإنتخابات الفلسطينية.. إلى أين؟ / فهد سليمان
- قرية إجزم الفلسطينية إبان حرب العام 1948: صياغة تاريخ أنثروب ... / محمود الصباغ
- مواقف الحزب الشيوعي العراقي إزاء القضية الفلسطينية / كاظم حبيب
- ثورة 1936م-1939م مقدمات ونتائج / محمود فنون
- حول القضية الفلسطينية / احمد المغربي
- إسهام فى الموقف الماركسي من دولة الاستعمار الاستيطانى اسرائي ... / سعيد العليمى
- بصدد الصھيونية و الدولة الإسرائيلية: النشأة والتطور / جمال الدين العمارتي
-   كتاب :  عواصف الحرب وعواصف السلام  [1] / غازي الصوراني
- كتاب :الأسطورة والإمبراطورية والدولة اليهودية / غازي الصوراني
- كلام في السياسة / غازي الصوراني


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - القضية الفلسطينية - محمود الصباغ - علم الآثار التوراتي في إسرائيل : حين يغمّس إسرائيل فنكلشتين خارج الصحن