أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمود الصباغ - -تحيا الفوضى- من متاريس الكومونة إلى المولان روج















المزيد.....

-تحيا الفوضى- من متاريس الكومونة إلى المولان روج


محمود الصباغ
كاتب ومترجم

(Mahmoud Al Sabbagh)


الحوار المتمدن-العدد: 6131 - 2019 / 1 / 31 - 03:37
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


مشهد 1): عندما كان القرن الثامن عشر على وشك إغلاق سنواته المضطربة -في أوروبا- كان إيمانويل كانط أول من يتحدث عن "الإرهاب" محذراً سنة 1798 من أن مصائر البشر و مظالمهم ستكون على المحك ما لم يتمسكوا بالحكمة و التعقل لتصريف شؤونهم, ثم انتقلت الكلمة من ألمانيا -مهد الفلسفة الأوروبية الحديثة- إلى فرنسا -مهد الثورات الأوروبية الحديثة- وتم تداولها في "الأكاديمية الفرنسية" لكن بمدلول مختلف عما رآه كانط , فكانت تعني"الرعب الثوري" الناتج عن العنف الذي صاحب الثورة الفرنسية*.
بعد نحو مئة عام من صرخة كانط, كانت باريس تموج بالأحداث والصراعات فلا حدود تكاد تفصل بين "المولان روج**" و دار الأوبرا عن أحياء الصفيح الفقيرة التي يتكدس فيها العمال و المهاجرون حيث السل يفتك بالأطفال و السفلس بالرجال و النساء.
أجل كانت الحياة موحشة و مظلمة و ظالمة ( هل عدنا لعبارة كانط ؟).
مشهد 2): في يوم بارد من شباط 1894 غادر شاب باريسي (مولود في برشلونة*** ) يدعى إميل هنري, مسكنه في حي مونمارتر باتجاه سان لازار, ليدلف إلى مقهى تيرمينوس الشعبي الصغير وكان يعج برواده من الموظفين و أصحاب المحال التجارية القريبة و الباعة, كان يشد على جسده معطف ويضغط على شيء ما صغير يخفيه بين الثنايا . لم يفكر كثيرا, أو بمعنى أدق لم يتردد كثيرا للقيام بما أراد فعله و خطط له , فما إن دخل المقهى حتى أشعل سيجاره ثم فتيلة القنبلة التي كانت تحت معطفه و ألقاها وسط المقهى لتنفجر بين الرجال. تؤكد تقارير الشرطة أن سبب الانفجار قنبلة وضعها إميل هنري في علبة معدنية كان يستخدمها أحد العاملين في المقهى لحفظ طعامه. أسفر عن مقتل شخص و جرح نحو عشرين آخرين. ألقي القبض على إميل وحكم عليه بالإعدام بالمقصلة ونفذ الحكم في ربيع العام ذاته في باريس , وأثناء تنفيذ الحكم صرخ إميل بآخر كلماته في هذه الحياة" الشجاعة و الرفاق , تحيا الفوضى ".
"تحيا الفوضى" العبارة التي سيصرخ بها المهاجر الإيطالي كاسيريو وهو يغرس سكينه في صدر الرئيس الفرنسي آنذاك ماري فرانسوا سعدي كارنو**** أثناء زيارته لمدينة ليون في صيف ذات العام.
لم يكن هذا الهجوم هو الأول لإميل فقبل بضعة أشهر قام بتفجير مخفر للشرطة فقتل خمسة اشخاص. لم يقصد إميل هنري قتل شخص محدد او التخلص من هدف يعينه , في الواقع لم يستهدف إميل شخصا محددا بوصفه الدولة أو يمثل الدولة , بل ما كان يرمي إليه إميل هو بث “الرعب" في أوساط البرجوازية "العادية" من خلال العنف العشوائي, كما يقول المؤرخ جون ميريمان وهذا ما جعل عمل إميل أصل الإرهاب الحديث. لم يشعر إميل ,أثناء محاكمته السريعة بالندم , حتى أنه لم يعتذر , عندما وجه له القاضي تهمة قتل الأبرياء , إذ رد عليه إميل بالقول "لا يوجد برجوازيون أبرياء.... وذنبهم ليس بأقل من ذنب الرؤساء و جنرالات الجيش".
ولكن ,هل حقا لا يوجد برجوازيون أبرياء؟
هل كان إميل أكثر إدراكا من الشيوعيين أنفسهم لقول إنجلز الشهير " إن أسوء ما يمكن أن يحدث لرجلٍ يقود حزباً متطرفاً, أن يجد نفسه مضطراً لقلب نظام حكم في لحظة تكون الطبقة التي يمثلها غير مستعدة لتولي السلطة...."؟ أم أنه ليس سوى شخص معتوه متهور عابث غامر بحياته بملء إرادته؟, أم أنه مؤمن حقاً بقضيته إلى أقصى حدود الالتزام المتخيلة مما يجعله يموت في سبيلها؟ ليس بمقدور أحد تقديم جواب في هذا الصدد, حيث يختلف الأفراد في مقاربتهم الخاصة و الشخصية لحكاية إميل هنري، ويزيد الأمر تعقيداً التباين في التقويم النهائي لعمل إميل تبعاً للميول السياسية التي يتمتع بها كل فرد , فاتضاح بشاعة الانقسام والصراع الطبقيين هو حقيقة واقعة و ليس وهماً , ولكن[ دائما هناك و لكن] ما السبيل للتغيير؟ الثورة؟ وماذا لو أكلت الثورة أبنائها , ألم يقل سان جوست (وهو يتحدث عن الثورة الفرنسية) "الثورة لا تنجب سوى الوحوش"؟ . إن شخصا مثل لينين و برغم رفضه للمعنى "البدائي" الذي اكتنف تلك الأعمال الفوضوية ,لكنه استنبط منها "بعدا إيجابيا" بطريقة ما, ففي رؤيته لأعمال العنف التي سادت في روسيا بين 1860 و 1890 يقول “نتبين من ذلك ان العنصر العفوي هو, في العمق, شكل للوعي. فالفتن البدائية تعبر عن ثمة يقظة للوعي. لقد فقد العمال ايمانهم السابق في استمرار النظام الذي كان يكبلهم, وقد بدأوا, ولا اقول بدأوا يدركون بل يشعرون بضرورة المقاومة الجماعية, وقطعوا صلتهم بالخضوع الذليل للسلطات. ومع ذلك, كانت تلك الاعمال تعبيراً عن اليأس والانتقام اكثر مما هي نضال".
في الواقع ,ومهما كانت الدوافع و الأسباب, فقد استهدف إميل في عنفه كل من لا يشاركه تأويل لعصره, وكان قد كتب قبيل إعدامه بقليل, رسالة إلى مدير السجن يقول فيها " من قال أن التحررية نزعة لا تنتقد؟, بل من يعتقد ذلك؟ من يعتقد أنها مسألة غير قابلة للنقاش؟ أو أنها مقدسة مثلما يقدس المؤمنون كتبهم؟...لا, الأمر ليس كذلك، فما نطالب به من حرية مطلقة إنما نريدها لتساعدنا على تطوير أفكارنا, و نرتقي بها نحو آفاق جديدة بعيدا عن الأطر الحزبية أو القانونية الضيقة.لا , لسنا مؤمنين ". ويقول في رسالة لأمه " عليك أن لا تصدقي قولهم أن ابنك مجرم , فالمجرمون الحقيقيون هم من يؤيدون ما يعاني منه الجميع ومن يحولون الحياة الى واقع لا يتسع لمن يمتلكون المشاعر ". و لعله بكلماته هذه لا يقصد البرجوازيين فقط ,بقدر ما كانت يسخر من "إيمان" الحلقات الماركسية النشطة حيث كان الصراع على أشده بينهم و بين "الفوضويين" -الذين نبتوا أصلاً من رحم الثورة الفرنسية و عصر الرعب الذي مثلته في مرحلة ما -حول مغزى و غاية كل فريق, ففي حين كان هدف الشيوعيين النهائي-ومازال-هو الاستيلاء على السلطة, لم يعر الفوضويون لهذه المسألة كبير اهتمام, بل كانوا يرون الحل يكمن في إلغاء الدولة و القضاء على الإيديولوجيات بالدرجة الأولى أي "اللاسلطة". لقد انغلق القرن التاسع عشر في فرنسا على موجة من " الإرهاب" كأنها تؤرخ لأفول عصر و الدخول في عصر جديد شعاره " بروباغاندة الفعل " بدل من " بروباغاندة الكلمة". انغلق القرن على رسالة ذات مغزى عميق هدفها " أن تستيقظ الجماهير لكي تدرك واقعها وتثور على البورجوازية الحاكمة التي تمص دم الشعب.. ينبغي أن نقض مضاجع البورجوازيين الأغنياء الذين يتنعمون بأنواع الرفاهية كافة بينما الشعب يتضور جوعاً.."
مشهد 3): ربما ما يوجز مسار و مصير إميل , تلك الحوارية البسيطة في شكلها العميقة في محتواها التي كتبها بيير جوزيف برودون:
-هل أنت جمهوري ؟
- جمهوري؟, نعم؛ لكن هذه الكلمة لا تعني شيئا محددا ً, فهي -كما تعلم- "الشيء العام: res publica"،فالملوك أيضاً جمهوريون.
- إذن, فأنت ديمقراطي.
-كلا.
- ماذا؟!, لا تقل أنك ملكياً ؟
-لا، لست ملكياً
-دستوري إذن ؟
-معاذ الله.
-فأنت أرستقراطي ؟
-إطلاقاً.
-ولكن هل تطمح لحكومة مختلطة؟
-كلا وكلا.
-ماذا تكون إذن ؟
-أنا "أناركي"
................
* من الواضح أن الاستخدام الوظيفي للفظة الإرهاب في ألمانيا و فرنسا يختلف بصورة تكاد تكون متناقضة عن المعنى للدلالة الحالية حيث تشير في وقتنا إلى أن الإرهاب إنما هو استخدام الرعب و الجريمة لتحقيق هدف سياسي ما, و بالتالي اشتماله على "أنواع مختلفة من الإرهاب منها ما هو سري و منها ما هو علني , منها ما هو منظم و رسمي -إرهاب الدلة- و منها ما هو على هيئة منظمات و جمعيات -سرية أو علنية- تسعى للاستيلاء على السلطة و قلب أنظمة الحكم , وهنا يحصل الخلط و التشويه المتعمد بين الإرهاب و المقاومة.
**افتتح كباريه مولان روج "Moulin Rouge" عام 1889 في منطقة بيغال "Pigalle" في باريس وهي منطقة تعرف بأنها "المنطقة الحمراء. ويشتهر بأضوائه الحمراء وبطاحونته المضيئة. ألهم المولان روج العديد من الفنانين لعل أشهرهم "هنري دو تولوز- لوتريك" الذي كان له طاولة محجوزة على الدوام هناك و قد رسم العديد من اللوحات من وحي الكباريه لعل أشهرها : (في الطاحونة الحمراء-امرأتان ترقصان سوية) (1892)، و(في الطاحونة الحمراء-صورة السيد فارنر).وكان لوتريك قد التقى بالراقصة ذات الشعر الأحمر الداكن "جان أفريل" في بداية العام 1890 حيث كانت تقدم رقصاتها في المولان روج فقام برسمها وأفرد لها جانبا مهمّا من مجموعة أعماله التي يصوّر فيها حلبات الرقص وقاعات الموسيقى وحياة النوادي الليلية.( تشبه جان افريل الشخصية التي قدمتها نيكول كيدمان في فيلم المولان روج) .
***التحق والد إميل بالثورة الفرنسية في العام 1848 و لم يكن قد بلغ السادسة عشر من عمره , وكان ممن ساهموا في جلب المقاتلين إبان كومونة باريس 1871, وبعد استعادة الدولة السيطرة على المدينة وجهت للأب تهمة الخيانة العظمى و حكم عليه بالموت فهرب إلى إسبانيا حيث ولد إميل و ترعرع على سرديات الثورة و الاضطهاد و القمع و تكرست مشاعره الرافضة للدولة بعد أن صادرت الحكومة الإسبانية ممتلكات الأسرة بسبب تنبني العائلة للأفكار الفوضوية. مات هنري الأب من جراء تسممه بالزئبق حيث كان يعمل في أحد المصانع و كان عمر إميل آنذاك عشرة أعوام, فعاد إلى باريس ليعيش في كنف عمته التي ألحقته بأفضل مدارس باريس بسبب المال الذي كان يصلها من أقاربها الأثرياء , عاش إميل حياة فقيرة مليئة بالسخط على الأغنياء الذين يطغى عليهم الخداع والذين " صادروا كل شيء وسرقوا أبناء الطبقات الاجتماعية الأخرى، ليس جسدياً ومادياً فحسب بل وروحياً أيضاً.."
***** ماري فرانسوا سعدي كارنو (رئيس الجمهورية الفرنسية (1887-1894)، أسماه والده على اسم الشاعر الفارسي الشيرازي سعدي وكان معروفا دائما بإسمه الثالث، "سعدي".في سنة 1887 صار كارنو الرئيس الرابع للجمهورية الفرنسية الثالثة، وظل في منصبه حتى اغتياله عام 1894. ودفن في مقبرة العظماء بباريس (البانتيون).






حوار مع الكاتب و المفكر الماركسي د.جلبير الأشقر حول مكانة وافاق اليسار و الماركسية في العالم العربي
التحولات في البحرين والمنطقة ودور ومكانة اليسار والقوى التقدمية، حوار مع الكاتب البحريني د. حسن مدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- إسماعيل فهد إسماعيل *: على سبيل الرثاء
- لماذا يقتل -المؤمن-؟
- علم الآثار التوراتي في إسرائيل : حين يغمّس إسرائيل فنكلشتين ...
- الصهيونية العمالية في فلسطين: منهج الاستيطان المحض
- فراس السواح: الموقف الفضيحة
- -أيام العجوز- و الشتاء و-المستقرضات- و-سالف العنزة-
- -متلازمة-شارلي إيبدو: نقد أم شخصنة؟
- في حضرة الانتفاضة الفسطينية الأولى
- علم الآثار الإسلامي وأصل الأمة الإسبانية.
- The Green Mile: المعجزة في غير مكانها وزمانها
- العميل السري /جوزيف كونراد : الفوضى و بروباغاندا الفعل
- هل مازال الدانوب أزرقاً في ليالي فيينّا
- -وحيد القرن- لحظةيوجين يونيسكو القلقة
- The Bridges of Madison County:ضد -الحب الرجعي-؟
- آرامياً تائهاً كان أبي: اللاتاريخ في التاريخ
- الصنايعي The Machinist : تحية إلى ديستويفسكي
- شوكولاة : نكهة اللذة و فائض الألم
- Shutter Island: الجنون كوسيلة لقهر  فوضى هذا العالم
- الأب ثاوذورس داود: الهروب أماماً نحو الماضي
- -تكيف- Adaptation: -أن تكون تشارلي كوفمان-


المزيد.....




- قطر: النائب العام يأمر بالقبض على وزير المالية
- هل تلقيتم لقاح كورونا؟ إليكم الأنشطة التي يمكن ممارستها بأما ...
- تركيا تتصدر ومصر تتراجع والسعودية الثالثة.. أكبر 10 قوات جوي ...
- افتتاح أعلى مسبح لا متناهي في العالم بدبي وهذا هو ارتفاعه
- فرنسا تمنح الجنسية لأكثر من 2000 موظف أجنبي لمساهمتهم في مجا ...
- إسرائيل: يائير لابيد...من نجم تلفزيوني إلى معارض يسعى للإطاح ...
- قطر: النائب العام يأمر بالقبض على وزير المالية
- تركيا تتصدر ومصر تتراجع والسعودية الثالثة.. أكبر 10 قوات جوي ...
- البابا فرنسيس يندد بالقومية -العدوانية-
- زاخاروفا تعلّق على عبارة زيلينسكي -الروس في كل مكان-


المزيد.....

- مخاطر الإستراتيجية الأمريكية بآسيا - الجزء الثاني من ثلاثة أ ... / الطاهر المعز
- في مواجهة المجهول .. الوباء والنظام العالمي / اغناسيو رامونيت / ترجمة رشيد غويلب
- سيمون فايل بين تحليل الاضطهاد وتحرير المجتمع / زهير الخويلدي
- سوريا: مستودع التناقضات الإقليمية والعالمية / سمير حسن
- إقتراح بحزمة من الحوافز الدولية لدفع عملية السلام الإسرائيلى ... / عبدالجواد سيد
- مقالات ودراسات ومحاضرات في الفكر والسياسة والاقتصاد والمجتمع ... / غازي الصوراني
- استفحال الأزمة في تونس/ جائحة كورونا وجائحة التّرويكا / الطايع الهراغي
- مزيفو التاريخ (المذكرة التاريخية لعام 1948) – الجزء 2 / ترجم ... / جوزيف ستالين
- ستّ مجموعات شِعرية- الجزء الأول / مبارك وساط
- مسودات مدينة / عبداللطيف الحسيني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - محمود الصباغ - -تحيا الفوضى- من متاريس الكومونة إلى المولان روج