أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - جورج حداد - اوروبا تدخل في دورة للزلازل الاجتماعية















المزيد.....

اوروبا تدخل في دورة للزلازل الاجتماعية


جورج حداد

الحوار المتمدن-العدد: 6095 - 2018 / 12 / 26 - 14:40
المحور: العولمة وتطورات العالم المعاصر
    


إعداد: جورج حداد*


هناك الكثير من المراقبين السطحيين الذين "فوجئوا" بالتحركات الاحتجاجية الشعبية الاخيرة في اوروبا، التي ـ حتى الان ـ اتخذت طابعا اكثر عنفا في فرنسا وفي باريس خاصة. وبعض هؤلاء المراقبين يعتقدون ان هذه التحركات ما هي سوى موجة عابرة ذات اهداف سياسية ـ انتخابية لا اكثر ولا اقل.
ولكن هذه الموجة هي اعمق بكثير مما يبدو على السطح. وقد لاحظ المحللون انها تتصف بثلاث مميزات هي:
الاولى ـ انها انطلقت بشكل عفوي مفاجئ بدون الارتباط بأي حدث سياسي بعينه.
والثانية ـ ان الدعوة اليها لم تتم من قبل اي حزب محدد او نقابة محددة او جبهة احزاب او نقابات. وان القائمين بها هم مواطنون من مختلف الاتجاهات والانتماءات السياسية والفكرية، من اليسار واليمين والوسط و"غير المنتمين"، انطلقوا بشكل عفوي للتعبير عن غضبهم.
والثالثة ـ ان القضية المركزية التي جمعت هؤلاء المحتجين هو التعبير عن الغضب ضد التدهور المعيشي بمختلف اشكاله.
كل ذلك يعني ان هذه الموجة ليست تعبيرا عن سياسة اي حزب معين، او عن ازمة سياسية معينة، بل هي تعبير عن ازمة النظام الاقتصادي ـ الاجتماعي ـ السياسي القائم.
وهي ليست ازمة جزئية وعابرة، بل ازمة شاملة ودائمة.
ويمكن التوقف عند النقاط التالية:
ـ1ـ ان النظام الاقتصادي ـ الاجتماعي ـ السياسي الغربي بمجمله يعيش على شفير الهاوية. وهو يستمر في العيش بفضل الاستمرار في نهب شعوب البلدان المستعمرة وشبه المستعمرة السابقة في اسيا وافريقيا واميركا اللاتينية. وكانت بوادر الانهيار ظاهرة للعيان في اواخر القرن الماضي. ولكن انهيار المنظومة السوفياتية اعطى النظام الغربي "جرعة تغذية" جديدة تمثلت في قيام الاحتكارات الرأسمالية العالمية بنهب البلدان الاشتراكية السابقة بشكل وحشي لا سابق له. وتتوجت هذه العملية بتدمير وغزو صربيا في 1999. ولكن نهوض روسيا القومية ـ الاورثوذوكسية بقيادة فلاديمير بوتين وضع حدا لهذه العملية، واعاد الكتلة الغربية الى التخبط بالأزمة الوجودية لنظامها الاقتصادي ـ الاجتماعي ـ السياسي.
ـ2ـ في 2008 انفجرت الازمة المالية ـ الاقتصادية في اميركا، وانعكست بشدة على اوروبا. ولكن اميركا استطاعت الخروج من الازمة المالية الخانقة عن طريق نظامها المالي ذاته الذي يسمح لها بزيادة الدين العام للدولة وطباعة كمية اضافية من الدولارات الورقية بدون تغطية ذهبية، وهي ميزة تتمتع بها اميركا وحدها في النظام المالي العالمي. اما اوروبا، التي انعكست عليها بشدة ازمة 2008، فإنها عالجت الازمة مؤقتا عن طريق القروض الكبرى التي قدمها صندوق النقد الدولي والبنك المركزي الاوروبي والدولة الالمانية الى الدول الاكثر تضررا (وخاصة اليونان واسبانيا) حتى لا تنهار تلك البلدان وينهار خلفها الاقتصاد الاوروبي بمجمله.
ـ3ـ في 2014 وبعد وقوع الانقلاب الفاشستي في اوكرانيا، المعادي للروس ولروسيا، والمدعوم من قبل اميركا، انفجرت الازمة الروسية ـ الاوكرانية، التي انتهت باعادة ضم شبه جزيرة القرم الى الوطن الام روسيا والى انفصال مقاطعتين في جنوب شرق اوكرانيا هما دونيتسك ولوغانسك واعلانهما كـ"جمهوريتين شعبيتين" مستقلتين (غالبية سكان المقاطعتين هي من الروس والناطقين بالروسية). وحاولت اوكرانيا المستحيل لاسترجاعما بالقوة، ولكنها فشلت فشلا ذريعا امام بسالة المتطوعين الشعبيين في "الجمهوريتين".
وردا على هذا الفشل للسياسة الغربية المعادية لروسيا وللروس، عمدت اميركا الى سياسة فرض العقوبات الاقتصادية ضد روسيا. وقبل ان يتعافى الاقتصاد الاوروبي من الازمة المالية لعام 2008 اضطرت الدول الاوروبية مكرهة على السير كالتابع خلف اميركا ومجاراتها في سياسة العقوبات ضد روسيا. ولا شك ان روسيا تأثرت جزئيا بالعقوبات الا ان وضعها العام كان "يا جبل ما يهزك ريح". وقد ردت روسيا بتدابير جوابية، خصوصا على صعيد استيراد المواد الغذائية والمنتجات الزراعية مما اصاب الاقتصادات الاوروبية باضرار كبيرة اكبر بما لا يقاس من الاضرار التي اصابت الاقتصاد الروسي.
ـ4ـ وبعد مجيء ترامب الى البيت الابيض انسحب من "الاتفاق النووي" مع ايران واعاد فرض العقوبات الاقتصادية ضد ايران. وبالرغم من معارضة الحكومات الاوروبية للانسحاب من "الاتفاق النووي" الا ان الشركات الاوروبية الكبرى اضطرت الى مقاطعة ايران حتى لا تتعرض هي ذاتها للعقوبات الاميركية. والخاسر الاكبر في هذه العملية كان ايضا اوروبا والاقتصاد الاوروبي.
ـ5ـ بفعل هذه العوامل جميعا فإن الاقتصاد الاوروبي العام، ولا سيما القطاعات الانتاجية الصناعية والزراعية، بدأ في الانكماش والتقهقر، ولم تعد تنفع معه جميع العلاجات المالية المؤقتة.
والان تعمل الشرائح السياسية الاوروبية الحاكمة لمعالجة الازمة التي يشتد خناقها على الدول والشعوب الاوروبية.
وهذه الشرائح السياسية، بمختلف اتجاهاتها اليمينية والوسطية واليسارية، المحافظة والليبيرالية، انما هي تمثل مباشرة او غير مباشرة، الطبقة الرأسمالية الاحتكارية صاحبة السلطة الفعلية. ولهذا فإن الاجراءات الاصلاحية التي تقوم بها الشرائح السياسة الموجودة في الحكم، لمواجهة الازمة المالية ـ الاقتصادية، تحرص على ان لا تمس مصالح الطبقة الرأسمالية الاحتكارية، بل ان تصونها وتدافع عنها. وهذا ما يفسر السياسة الغبية، اللااجتماعية واللاانسانية، التي تنتهجها الشرائح السياسية الحاكمة لمواجهة الازمة، والموجهة بشكل عام ضد الجماهير الشعبية الواسعة وتتمحور حول زيادة الضرائب على الاستهلاك الشعبي، وتخفيض الاجور والمعاشات التقاعدية، وتقليص الميزانيات المخصصة للخدمات كالصحة والتعليم والبنية التحتية، والتوجه نحو خصخصة القطاع العام كالاستشفاء والاتصالات والمواصلات العامة والمياه والكهرباء الخ.
وكنتيجة منطقية لهذه السياسة اللاانسانية واللاوطنية، جاء اليوم الذي طفح فيه كيل الغضب الشعبي فانفجر بشكل عفوي وتلقائي بدون اعداد لا من حزب ولا من نقابة.
وبدأ الانفجار الشعبي في العاصمة الفرنسية باريس، ثم عم المدن الفرنسية الاخرى، ثم انتقل الى بلدان اوروبية اخرى كبلجيكا والنمسا واسبانيا واليونان وصربيا. ولكن اعنف الاحتجاجات جرت حتى الان في باريس. وبلغ عدد القتلى في فرنسا منذ اندلاع الاحداث 7 اشخاص هم ضحايا الرأسمالية المتوحشة. وفي احد ايام الاحتجاجات بلغ عدد رجال الشرطة والدرك اكثر من 90 الفا، وانزلت السلطات المصفحات لقمع المتظاهرين، وبلغ عدد الجرحى اكثر من 750 جريحا وعدد المعتقلين اكثر من 2000 معتقل في يوم واحد.
وليس هناك حتى الان اي اجراء يرضي الجماهير الغاضبة ويهدئ غضبها، بل ان السلطات تفكر في كيفية "تحسين" الاساليب القمعية وتفكيك صفوف الجماهير الغاضبة عن طريق الوعود الكاذبة والتضليل.
ان الطبقة الرأسمالية الاحتكارية الاوروبية والشرائح السياسية التي تمثلها هي عاجزة عن حل الازمة المالية ـ الاقتصادية التي تعانيها. وقد دخلت اوروبا في دورة زلازل اجتماعية ـ سياسية. ولا احد يستطيع التنبؤ كيف ستتطور الاحداث في القارة العجوز بعد الان.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
*كاتب لبناني مستقل





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,391,158,761
- التنظيم والممارسة الثورية
- روسيا تشدد قبضتها حول اوكرانيا
- ما العمل؟
- اميركا تغامر بأمن البلدان الاوروبية
- من ارسل فرج الله الحلو للموت؟ ومن قتله؟ ولماذا؟
- الاقتصاد العالمي يتراجع بسبب الحرب التجارية
- الحكومة الاوكرانية تغامر باستفزاز روسيا
- صربيا وكوسوفو: النار تحت الرماد
- لنتحدّد قبل ام نتوحّد!
- حول مفهوم الطليعة (الجزء الثاني)
- انحدار الاقتصاد الاوروبي
- برغم المدفوعات الهائلة للحروب اميركا تفقد تفوقها
- العقوبات ضد روسيا تأتي بنتائج عكسية
- الانتخابات النصفية تعمق الانقسامات في اميركا
- تفعيل العلاقات الاقتصادية والعسكرية بين روسيا وكوبا
- الاقتصاد الاوروبي يتأخر بفعل العقوبات الاميركية ضد روسيا وال ...
- دبلوماسية الغاز: انابيبب الغاز الروسي ستشمل قريبا كل اوروبا
- الاتحاد الاوروبي يتضرر من العقوبات الاميركية ضد روسيا
- بعد نجاح تجربة سوريا... هل تتدخل روسيا عسكريا في ليبيا؟
- الحرب التجارية الاميركية ضد الصين ...الى الفشل


المزيد.....




- هل تنجح مبادرة السراج في إعادة السلام لليبيا؟
- إسقاط طائرة أميركية.. رسائل من طهران تعيد التوتر للمنطقة
- التحالف العربي يعلن ضرب أهدافا للحوثيين في الحديدة تتضمن قوا ...
- البنتاغون يصدر صورة لمسار رحلة الطائرة المسيرة قبل أن تسقطها ...
- التحالف العربي يعلن قصفه أهدافا عسكرية للحوثيين شمال الحديدة ...
- المعارضة السودانية تتسلم مبادرة من إثيوبيا لحل الخلاف على ال ...
- دفعة مالية قطرية لـ 60 ألف عائلة في غزة
- السعودية.. حراك في واشنطن ولندن
- وسائل إعلام: إسرائيل متوجسة من عدم رد واشنطن على إيران
- إصابة مراسل -رابتلي- برصاصة مطاطية أثناء تغطيته الاحتجاجات ف ...


المزيد.....

- ما ورد في صحاح مسيلمة / صالح جبار خلفاوي
- أحاديث العولمة (2) .. “مجدي عبدالهادي” : الدعاوى الليبرالية ... / مجدى عبد الهادى
- أسلحة كاتمة لحروب ناعمة أو كيف يقع الشخص في عبودية الروح / ميشال يمّين
- الصراع حول العولمة..تناقضات التقدم والرجعية في توسّع رأس الم ... / مجدى عبد الهادى
- البريكاريات الطبقة المسحوقة في حقبة الليبرالية الجديدة / سعيد مضيه
- البعد الاجتماعي للعولمة و تاثيراتها على الاسرة الجزائرية / مهدي مكاوي
- مفهوم الامبريالية من عصر الاستعمار العسكري الى العولمة / دكتور الهادي التيمومي
- الاقتصاد السياسي للملابس المستعملة / مصطفى مجدي الجمال
- ثقافة العولمة و عولمة الثقافة / سمير امين و برهان غليون
- كتاب اقتصاد الأزمات: في الاقتصاد السياسي لرأس المال المُعولم ... / حسن عطا الرضيع


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العولمة وتطورات العالم المعاصر - جورج حداد - اوروبا تدخل في دورة للزلازل الاجتماعية