أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالرزاق دحنون - كلمة حق عند سلطان جائر














المزيد.....

كلمة حق عند سلطان جائر


عبدالرزاق دحنون
الحوار المتمدن-العدد: 6030 - 2018 / 10 / 21 - 12:43
المحور: مواضيع وابحاث سياسية
    


(عندي: إن قضاء شهر في جزيرة مهجورة مع طبيب بيطري أفضل من قضائه مع رئيس جمهورية)
الكاتب البريطاني سومرست موم
1
على دكَّة مرتفعة وسط الخباء العظيم تربع تيمور لنك حيث فُرشت أرض الخيمة بسجاد عجمي فاخر, انتشرت دنان الخمر في أرجاء الخباء الفسيح, في الخلف جلس أهل الموسيقى مع آلاتهم, عند قدمي السلطان جلست الحاشية والبطانة, كان أدناهم إلى السلطان الشاعر المشهور كرماني. التفت تيمور لنك إلى الشاعر قائلاً:
- بكم تشتريني يا كرماني لو عرضت للبيع غداً في بازار مدينة سمرقند؟
أجاب الشاعر:
-بخمسة وعشرين ديناراً يا حضرة السلطان.
دهش تيمور لنك , ثم ابتسم قائلاً:
- حزامي وحده يساوي أكثر من هذه القيمة.
أجاب الشاعر:
- إنما كنت أفكر بحزامك وحده, لأنك أنت نفسك لا تساوي ديناراً واحداً.
2
الحكاية بهذا التفصيل تحمل دلالات مغيبة بين السطور لأنني أتصور أن السلطان يمارس سلوكاً عنيفاً يصل إلى حد الغضب المستعر, بل يمارس الانتقام والتصفية الدموية الفعلية حين يتجرأ أحدهم على هيبة الدولة وسطوتها ممثلة بحضرة السلطان, فيكفيه في حالة الشاعر كرماني أن ينادي يا جلاد حتى يطير رأس الشاعر في الهواء. والسؤال هنا متى تبدي السلطة تسامحاً مُعلناً مع خطاب انتقادي يصل حد السخرية المرة كما في حالة الشاعر؟ وهل المثقف -ممثلاً بالشاعر- استعمل هذا النوع من الخطاب المستتر بالغفلة كي يخرج برأسه سالماً من محنة ألمت به؟ أم أن الأمر برمته كان ملحة في مجلس سمر السلطان؟
3
مهما كان الأمر فنحن لا يمكننا غض الطرف عن دلالة هذه الحكاية التاريخية دون النظر إليها من خلال الدور المنوط بالمثقف. ولا مانع عندي أن يتخذ المثقف في محنة كهذه دور المهرج ويستعمل هذا النوع من الخطاب المستتر بالغفلة و الذي يهمس به من وراء ظهر السلطان وهذه الحيلة تعود بنا إلى الحديث النبوي : أعظم الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر. و لخطورة الحديث نثبت سنده, فقد أخرجه أحمد في المسند وابن عساكر في تاريخ دمشق والنسائي والترمذي في السنن والخطيب في تاريخ بغداد. ورواياته تتفاوت في العبارة وتلتقي في المضمون. والحديث هنا لا يحدد سمت الكلمة ولبوسها. هل هي لينة أم غليظة؟ والمثل يقول: البس لكل عيشة لبوسها, والقرآن يخاطب النبي بآية هي في لفظها ومضمونها من ألطف ما سمع البشر على مر العصور "ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك". كان النبي لين العريكة كالعشب يميل مع الريح إن هبَّت. وهي خطوة ضرورية في تمكين مفهوم النبوة.
4
المثقف يرسم استراتيجية دفاعية مراوغة ناعمة منسوجة من خيوط حرير لا ينقطع, وعلى الرغم من ملمسها الناعم الرقيق تأتي أُكلها, وهذا هو المقصود من كلمة حق في الحديث. فهل أمعن الشاعر في تجريد السلطان من هيبته والتورط في فضاءاته الموحشة وهو ما يجعل الحضور داخلها مجازفة خطيرة قد يترتب عليها في كثير من الأحيان نتائج وخيمة تصل حد التصفية الفعلية مادياً ومعنوياً؟ على حد تعبير الدكتورة هالة أحمد فؤاد, أم أن الشاعر هنا يتمثل قول أفلاطون الذي نقله أبو حيان التوحيدي في كتابه الخطير مثالب الوزيرين "من يصحب السلطان فلا يجزع من قسوته وبطشه, كما لا يجزع الغواص من ملوحة البحر" على أي حال, مهما كانت دلالة هذه الحكاية فإنها تطرح علاقة ملتبسة مليئة بالتناقض ما بين المثقف والسلطان. والذي لا يكف -أي المثقف- عن مراوغة السلطة بشتى الوسائل مستجدياً عطفها ورضاها مضمراً احتقارها, جهلها وحماقتها.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,044,736,271
- خطابٌ مفتوح إلى الأمين العام لهيئة الأمم المتحدة
- قناديل ماركس
- قضية الجورنالجي الشيخ علي يوسف يوم 25 تموز 1904
- كنز الأموال بين الانجيل و القرآن
- رحم الله إيفان شيرفاكوف
- كيف تعرف أن السمك سعيد؟
- الدين النصيحة
- حجارة رجم الزانية سوداء
- مروان بن محمد يمنع لعب الشطرنج في دولته
- خطابٌ إلى الأمةِ الأمريكية
- هامش على سيرة الروائي العراقي علي الشوك
- نصُّ وقصيدة للمفكر العراقي هادي العلوي
- عشرون عاماً على رحيل المفكر العراقي هادي العلوي ...سلامٌ علي ...
- إلى أين نحن ماضون؟
- تغريدات ناجي العلي القاتلة...أخي المواطن من ضربك على خدك الأ ...
- إنَّ الكلامَ معَاقِلُ الأَشْرافِ
- مكتبة -إبلا- في إدلب من أقدم مكتبات العالم
- دفاتر شيوعية
- شفان...في أجمل أغنية عن الزوجة في العالم
- الصورة التي كادت تتسبب في طردي من الحزب الشيوعي


المزيد.....




- رئيس هيئة النزاهة السابق حسن الياسريُّ يدحض ادعاءات انتمائه ...
- اعتداءات باريس الدامية: أين وصلت التحقيقات؟
- ترامب ينتقد ماكرون على -شعبيته الضعيفة- واقتراحه إنشاء جيش أ ...
- سيول الأردن الجارفة تذكر الأميرة هيا برحيل والدتها الملكة ع ...
- شاهد: شباب يتنكرون بزي حافلة ليتمكنوا من عبور جسر محظور على ...
- هل سخر الجيش الفرنسي من ترامب؟
- صدام بين نائبة كويتية ووزيرة مصرية
- إرشادات جديدة لتجنب أمراض القلب.. ولا تأثيرا إيجابيا لأوميغا ...
- امنيات بالشفاء للرفيق الدكتور كاظم حبيب
- محللون إسرائيليون: التصعيد العسكري على غزة بلا أهداف


المزيد.....

- الحوار المستحيل / سعود سالم
- النظرية الثورية عند كارل ماركس / عبد السلام أديب
- اللامركزية المالية / أحمد إبريهي علي
- سقوط الوهم / بير رستم
- المنظومة التعليمية فى مصر التحديات والبدائل / كريمة الحفناوى
- نظرة على الأوضاع الاقتصادية في الضفة والقطاع (1-2) / غازي الصوراني
- كيف ساهم -اليسار الجديد- بصعود -اليمين-؟ / فرانسيس فوكوياما
- مدخل في الاقتصاد السياسي للعراق الدولة الريعية من المركزية ا ... / مظهر محمد صالح
- الحكم الصالح وإدارة الدولة / جاسم محمد دايش
- صلوات سياسية ونصوص متنوعة الكتاب / أفنان القاسم


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - مواضيع وابحاث سياسية - عبدالرزاق دحنون - كلمة حق عند سلطان جائر