أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبدالرزاق دحنون - رحم الله إيفان شيرفاكوف














المزيد.....

رحم الله إيفان شيرفاكوف


عبدالرزاق دحنون
الحوار المتمدن-العدد: 6021 - 2018 / 10 / 12 - 11:25
المحور: الادب والفن
    


كان يجلس في الصف الثاني من مقاعد الصَّالة يُشاهد إحدى العروض المسرحية المموسقة, وكان يستشعر لذلك سعادة غامرة بل ويعتبر نفسه أسعد مخلوق على وجه الأرض. وفجأة –لا يستطيع الكتاب أن يكفوا عن استعمال كلمة فجأة مادامت الحياة مليئة بالمفارقات والمدهشات - فجأة عطس, والكل يعطس, كل إنسان يعطس, كل إنسان, ما المشكلة في ذلك؟ حتى جدي عثمان دحنون-رحمه الله- كان يعطس في الدقيقة سبع عطسات متتاليات وننتظره حتى ينتهي من عطساته لنقول له: يرحمكم الله يا جدي. ولكن هذا الموظف الروسي البسيط بعد أن عطس أصبح أتعس مخلوق على وجه الأرض. كيف ذلك؟.
كان يجلس يا سادتي في الصف الأول من المسرح أمام موظفنا تماماً أحد الجنرالات في لباس عسكري أنيق حيث كان يخدم في إدارة مدنية هي إدارة الهجرة والجوازات. شاهد وسمع موظفنا صاحب السعادة الجنرال يمسح صلعته وقفاه ويُتمتم بكلمات غامضة غير مفهومة ثمَّ يستأنف العرض المسرحي.
وبدأ عذاب موظفنا, أكل الندم قلبه, نعم, يا لتلك العطسة اللعينة التي تفلَّتت منه وغيَّرت حاله من الفرح إلى الترح. و راح يُطارد الجنرال باعتذاره. طارده في الصالة: إني عطست عليكم لم أقصد أن أُبللكم كما تعلمون يا سيدي. ثمَّ طارده في الاستراحة : لقد عطست عليكم يا صاحب السعادة فاغفر لي, أنتَ تعلم أنني لم أقصد. ثمَّ واصل الاعتذار بتأثير تصاعدي دفع الجنرال إلى ضيق تصاعدي. وعاد موظفنا إلى بيته مهموماً تعباً منهكاً وأخبر زوجته بما حدث فشجَّعته على الذهاب إلى الجنرال حتى لا يظنه رجلاً غير مهذب لا يُحسن التصرف. وفعلاً ذهب في اليوم التالي ليطارد الجنرال باعتذاره وزعق الجنرال: إنك تضحك مني يا سيدي. وأغلق الباب في وجهه. قال في نفسه: أضحك؟ ليس في الأمر ما يُضحك, ألا يفهم وهو جنرال! سوف أكتب له رسالة اعتذار ولن أذهب إليه مرة أخرى, سوف لا أذهب. لم يكتب الرسالة, و ظلَّ يُفكر ويُقلّب الأمر على أوجهه كافة ولكنه لم يستطع كتابة كلمة واحدة. لذلك كان لا بد أن يذهب إلى الجنرال من جديد لاستجلاء كنه هذه العطسة المستعصية على الفهم. وذهب إليه في إدارة الهجرة والجوازات. فصاح الجنرال من قحف رأسه و هو يهتزُّ من الغضب عند رؤيته إيفان شيرفاكوف: اخرج من هُنا. وأخذ موظفنا يُتمتم وهو يرتعد رُعباً: أطلب من سعادتكم المغفرة. وكرر الجنرال وهو يضرب الأرض بقدمه: اخرج. وأحسَّ موظفنا كأن شيئاً قد تهشَّم في داخله وظلَّ يتراجع وهو لا يسمع أو يرى شيئاً, ومشى في الشارع كالسائر في نومه يترنح بحركة آلية حتى وصل إلى المنزل وألقى بنفسه على الأريكة كما هو بمعطفه الجديد ومات.
مات؟ أجل مات. ولكن لماذا؟ ما السبب؟ لقد حيَّر إيفان شيرفاكوف النُقاد بهذا الموت البسيط, فذهبوا مذاهب شتى. واصطنعوا له أسباباً من كل حدب وصوب. تقول لهم: يا سادتي هكذا رسم مؤلف القصَّة أنطون تشيخوف طريق موت موظفنا إيفان شيرفاكوف. ولكن هل مات خوفاً ورعباً من البدلة العسكرية؟ مع أن الجنرال ليس رئيسه. لا أعتقد ذلك. هل تهشمت روحه كآنية من فخار, فمات؟ هل دُهشت الروح فتكسرت؟ هل فقد القدرة على الحياة فمات؟ هل قتله شعوره بالذنب كما ذهب إلى ذلك شاعرنا الجميل نجيب سرور؟ ما هذا الذنب الذي يقتل صاحبه؟ عطس. ومتى كانت العطسة تقتل صاحبها؟ ما السبب الحقيقي لموته؟ هل حبكة القصَّة لا تستقيم إلا بموت هذا الموظف المسكين؟ نعم, هذه هي "الطعنة المخفيَّة" في القصَّة. وإلا كيف برأيكم ستنتهي القصَّة بغير هذا الموت الصاعق البسيط؟ وصل إلى المنزل وألقى بنفسه على الأريكة كما هو بمعطفه الجديد ومات.
موته جعل من هذه القصَّة القصيرة تحفة فنية خالدة. كيف ذلك؟ الموت قدرنا يا سادتي. قدر البشرية على مرِّ العصور, جرحها الذي لا يندمل. كم تعذَّب جلجامش كي يحصل على الخلود فما استطاع إلى ذلك سبيلا, فرفع البشر الفكرة إلى الإله الحيِّ الذي لا يموت.
والشاعر يقول: من لم يمت بالسيف مات بغيره تعددت الاسباب والموت واحد. وها هو أكاكي بطل قصة "المعطف" المشهورة لكاتبها نيقولاي غوغول يموت بسبب معطف:
أكاكي مثل إيفان شيرفاكوف كان موظفاً بسيطاً, وكانت غاية غاياته أن يشتري معطفاً. ويستطيع أكاكي بكثير من الجهد والصبر والمُثابرة والدأب والاصرار أن يُخيط معطفاً جديداً بعد شهور من التقتير والتوفير, فيرتديه ويُحسّ لأول مرة في حياته أنه كائن ذو أهمية. ولأول مرة يُعجب به زملاؤه ورؤساؤه ويُقدرونه. ويُقيم أحد الزملاء له حفلاً احتفالاً بالمعطف الجديد. ولكن أثناء عودة أكاكي من الحفل متأخراً ينقضَّ عليه لصان ويضربانه ويسلبانه المعطف. أعزَّ ما يملك في الوجود. بل الشيء الوحيد الذي يملكه. بل سلباه وجوده. وهكذا يجرجر أكاكي قدميه حزناً وغمَّاً على المعطف. يصل إلى المنزل وعلى الأريكة بلا معطف جديد يموت . فهل مات إيفان شيرفاكوف هو الأخر حزناً وكمداً على نفسه المسلوبة المعذَّبة؟ على قلبه المأكول؟ أم مات لأنه كان موظفاً بسيطاً نقيَّ النفس صافي السريرة. ما رأيكَ أنت يا صاحبي؟ رحم الله إيفان شيرفاكوف وعظَّم الله أجركم.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,009,550,938
- كيف تعرف أن السمك سعيد؟
- الدين النصيحة
- حجارة رجم الزانية سوداء
- مروان بن محمد يمنع لعب الشطرنج في دولته
- خطابٌ إلى الأمةِ الأمريكية
- هامش على سيرة الروائي العراقي علي الشوك
- نصُّ وقصيدة للمفكر العراقي هادي العلوي
- عشرون عاماً على رحيل المفكر العراقي هادي العلوي ...سلامٌ علي ...
- إلى أين نحن ماضون؟
- تغريدات ناجي العلي القاتلة...أخي المواطن من ضربك على خدك الأ ...
- إنَّ الكلامَ معَاقِلُ الأَشْرافِ
- مكتبة -إبلا- في إدلب من أقدم مكتبات العالم
- دفاتر شيوعية
- شفان...في أجمل أغنية عن الزوجة في العالم
- الصورة التي كادت تتسبب في طردي من الحزب الشيوعي
- الصَّحفيَّة دي...شيوعيَّة
- ريجيس دوبريه...خمسون عاماً على كتاب -ثورة في الثورة-
- لينين و الانتفاضة
- الشيوعيون...أصحاب اللّحف المُقَطَّعة
- ساعتان مع الشيوعي النبيل نبيه رشيدات


المزيد.....




- نجمة عالمية تمنع طفلتها من مشاهدة أفلام -ديزني-
- صدر حديثا للقاصة والشاعرة “مريم كعبي” مجموعتها القصصية الأو ...
- كيت بلانشيت تدافع عن حق أداء أدوار مثلية
- أمام الرواية السعودية لمقتل خاشقجي.. ما خيارات ترامب؟
- وزارة الثقافة والحضور المرتبك / حسين ياسين
- واشنطن بوست تكشف عن تسجيل سيدفع البيت الأبيض لرفض الرواية ال ...
- تناقض الاعتراف السعودي.. الرواية التركية لمقتل خاشقجي
- احذر.. مشاهدة هذا الفيلم قد تفقدك الوعي أو تجعلك تتقيأ
- -Ghost the Musical- Zorlu PSM-de sahnelendi
- القصبي يعترف: الأزمة هزتنا.. والمغردون: جبان وغبي


المزيد.....

- جدلية العلاقة بين المسرح التفاعلي والقضايا المعاصرة / وسام عبد العظيم عباس
- مع قيس الزبيدي : عودة إلى السينما البديلة / جواد بشارة
- النكتة الجنسية والأنساق الثقافية: فضح المستور و انتهاك المحظ ... / أحمد محمد زغب
- أغانٍ إلى حفيدتي الملكة مارجو الديوان / أفنان القاسم
- رواية عروس البحر والشياطين / إيمى الأشقر
- -كولاج- المطربة والرقيب: مشاهد وروايات / أحمد جرادات
- اعترافات أهل القمة / ملهم الملائكة
- رجل مشحون بالندم / محمد عبيدو
- موطئ حلم / صلاح حمه أمين
- تنمية المجتمع من خلال مسرح الهناجر / د. هويدا صالح


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - عبدالرزاق دحنون - رحم الله إيفان شيرفاكوف