أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعيم إيليا - حقيقة ما جرى في قرية الفردوس















المزيد.....



حقيقة ما جرى في قرية الفردوس


نعيم إيليا

الحوار المتمدن-العدد: 6002 - 2018 / 9 / 23 - 00:00
المحور: الادب والفن
    



Meinem Alexandro – Ribal gewidmet, der mein ganzer Stolz ist.

داهم رجال الأمن بقيادة الملازم أول (تركي كمُّون) رئيس مخفر (دِيلَانِة) يوم أمس السادس من شهر تموز الجاري، وكرَ عصابة مشهورة ما فتئت منذ أعوام تعيث في المنطقة فساداً وإجراماً، فورَ حصولهم على معلومات مؤكدة عن اجتماع أفرادها في قرية الفردوس الحدودية التابعة لمنطقة ديلانة.
وكر العصابة المدهوم منهم، قبو مظلم كالشر، مموَّه كالخبث، حفرته تحت أرض حجرةٍ من حجرات منزل من منازل القرية المذكورة يملكه واحد من أفراد العصابة؛ يدُ الإثم الموغلة في الجريمة المنظمة، المجدّة على مدار أعوام في تهريب الأسلحة والمخدرات، الدائبة على ترويع أهالي منطقة ديلانِه الآمنين.
وبفضل حسن التخطيط وعامل المفاجأة، تحقق لرجال الأمن أن يقبضوا على أفراد العصابة الذين كانوا اجتمعوا داخل ذلك الوكر السري المموّه، وأن يصادروا أسلحتهم الخاصة، وما كان في حوزتهم وقت المداهمة من مخدرات، وأسلحة، وعملات أجنبية صعبة...
وقد أفادت التحقيقات الابتدائية التي دونت من قبل رجال الأمن في محضر الضبط، بأن أفراد العصابة، كانوا اجتمعوا داخل ذلك الوكر السري المموَّه في يوم أمس القائظ – لعلهم اختاروا أن يجتمعوا في هذا اليوم القائظ ظناً منهم أن القيظ سيحول دون قيام رجال الأمن بمهاجمتهم - لوضع خطط وتدابير جديدة تعزز نشاطهم الإجرامي في المنطقة، وتوسّعه ليشمل مناطق أبعد منها، ولأهداف أخرى تم الكشف عنها في موقع الحدث، وجرى تدوينها بتفصيل في محضر الضبط: منها توزيع الأسلاب المنهوبة من سكان المنطقة، والمواد المهربة من البلدان المجاورة، والعملات الأجنبية المزيفة وغير المزيفة على أفراد العصابة للاتجار بها، وتلقي التعليمات والتنبيهات والإرشادات الدورية من رئيسها الأعلى.
وبإلقاء القبض على أفراد العصابة، تعود الحياة في منطقة ديلانة المنكوبة بهم زمناً، إلى مجراها الصافي المترقرق بالطمأنينة والدعة والأمان.
ومما هو جدير بأن يشار إليه في هذا التقرير الإخباري العاجل أن المدعو غضبان أوسكاي رئيس العصابة - وهو مجرم خطير كانت أجهزة الأمن المكلفة بمهمة ملاحقة عتاة المجرمين، تترصده، وتقتفي أثره منذ سنوات - تمكن في وقت المداهمة بحركة ماكرة زئبقية رشيقة من حركاته التي برع فيها وشُهر، من التملُّص من قبضة رجال الأمن إلى حين. وتوارى عن أنظارهم في بيت من بيوت القرية ( تبين من التحقيقات الأولية أنه بيت فلاحة أرملة من ساكني الفردوس. كما تبين أنه البيت الذي ولَّع المجرم فيه النارَ، في اللحظة الأخيرة التي حلك فيها قنوطه من النجاة ) بيد أن رجال الأمن سرعان ما استدلوا على مخبئه، فطوقوه وحاصروه.
ولما هتفوا به أن يستسلم لهم، رفض ابنُ الليل الإذعان لهتافهم به أن يستسلم لهم، وجعل يطلق عليهم النار من بندقيته الآلية بتبسّلٍ، وتحدٍ صفيق، متترِّساً بجدران البيت. وهو الأمر الذي اضطرهم إلى أن يبادلوه إطلاق النار بإطلاق النار.
استغرق الاشتباك بالسلاح مع رئيس العصابة قرابة نصف ساعة، انتهى بإصابة المجرم المطارد المدعو غضبان أوسكاي برصاصة قاتلة في صدغه سددها نحوه بضبط وإحكام، رجالُ الأمن ذوو المراس في القتال؛ صرعته على الفور حتى أنّها لم تدع له أن يتلفَّظ ولو بكلمة ماء.
انظر التفاصيل، والصور...
المصدر: وكالة أنباء ش. م. ل الدولية. من مراسلها الإعلامي الغريب اسْمَنْدَر بو زَهْرَة .

- 1 -
ظهيرة السادس من تموز. والعام مجهول، كسحته مجرفةُ النسيان من تجاويف سجلّ الأيام. تموز في هذه الكورة، لهيبٌ يصِرُّ منه الجندبُ ! تموز ويغلي الماء في الكوز.
سكون كأنه الصدأ يرين على قرية الفردوس. حتى الهواء الخامل الثقيل الذي كان قبل زوال الضحى، يزفر في وهن لفحَ الهجير، قد كفَّ عن الزفير.
وكذلك شجرة التوت؛ الشجرة المعمَّرة اليتيمة التي لا نظير لها من نوعها في مكانها الذي هي كائنة فيه، والتي حناها الهرمُ الضائم على جُول البئر حنياً إذا تأمله الناظر الحاسُّ بتدبّر وافتكار؛ فقد ربما تخضلُّ أهدابُ قلبه من أسى مكمود، فإن أوراقها تلك التي كانت قبل زوال الضحى ترعشها سكرةُ الهواء الثقيل الخامل المحتضر، كان لا بد لها من أن تهمد أيضاً همودَ حيّ طفِئتْ شعلةُ روحه.
كل ما يُرى خارج أدوار قرية الفردوس وما لا يرى، خلا الجنادب وما شاكلها من حشرات أقامت في مقبرة القرية الهاجعة على سفح التل المشهور، وأوطنَتْ ما ترامى من حقولها الجافة الصفراء، وما امتدَّ من أرضها البائرة الحجيرة السوداء، بات مشمولاً بثوب السكون.
ولولا قَطْوٌ نحيل تصوّت به بين فينة وفينة، حناجرُ أطفال ثلاثة اقتعدوا نشزاً قذراً من الأرض، تورّم من اجتماع خمامة البئر بكناسة البيوت، ورجيع الدواب، وسلح العصافير والحمام والدواجن، وبما تساقط من حمولة شجرة التوت، لخال المارُّ بالقرية أنها خالية للتوّ مهجورة.
ثلاثة أطفالٍ! ولن تخطئ العين إن رأتهم عراة، ولن تخطئ أيضاً إن تظنَّتهم خرقوا في السر، طاعةَ أولياء أمرهم في أن يقيلوا داخل بيوتهم في الحجرات الأكثر نأياً عن وهج الشمس المتقد حيث تكون ( إلى حد ما ) درجةُ الحرارة في هذه الحجرات لطيفة مقبولة محتملة؛ وانسلّوا في الخفاء ليلهوا بلعبة يدعونها مائدة الشيطان.
ثلاثة أطفال أنضجت الشمس سحناتهم في مقلاتها على ريث. كأن بينهم وبين النظافة جفوة مستديمة، وتباغضاً عنيداً: أيديهم متسخةٌ بظاهرها خدوش وندوب بعضها غائر، أظافرُهم طويلة انعكس على سطحها لون ما تجمع تحتها من وضر الطعام ونحوه وهو أقرب إلى السواد، أقدامُهم حرَّة لا تقيدها نعال وهي لم تبرأ من الدمامل.
بجوارهم حمار طاعن، قميء، أعفر، بارز العظام، عيناه ومنخراه مأدبة فاخرة للذباب، للقَمَع منه ذي الزرقة خاصةً. قد هرّأ داءٌ عياء جلده في مواضع عدة من هيكله المفكَّك الموشك على الانهيار، وأرهق النعاس رقبته الطويلة؛ فلانت وارتخت حتى كاد خطمه ينشب في الأرض. كان نصفُ هيكله المتأخر المقروح المنتهك من كل دويبة منتنة، خارج دائرة الظل؛ ظلِّ شجرة التوت اليتيمة الهرمة، يسوطه رمَضُ الشمس سوطاناً ليس للرحمة فيه موضع. وحسّ الحمار، مع شدة هذا الرمض وبلائه، ليس يضطرب بما يدل على تأثره به أوهى تأثر.
بجوارهم، فضلاً عن الحمار، كلبةُ الأرملة أم غطاس ( كَرِه ) السوداء، وبضعُ شياهٍ مجزوزة الصوف حليقةٍ للدمع في مآقيها التماع، ربضت على أجنابها بدعة وارتياح. بطونها تنبض نبضاً منتظماً. تجترُّ بتراخٍ ولذة، وكأنما بشعور من الرضى والمنّة، ما رعته في بُكْرة النهار.
- 2 -
من البوابة الغربية لرحبة القرية الداخلية، يخترق السكونَ الراكد فيها، على حين غرة، هديرُ سيارة. بسرعة انتباهة العين، يملأ هدير السيارة رحبةَ القرية الداخلية كما يملأ الغضب نفسَ صاحبه إذا جُنَّ والتهب.
على أن الهدير، وإن يكُ اخترق الرحبة على تلك الحال من الجنون والعصف، أعجزه أن يخترق جدران البيوت، أن ينفذ منها إلى دواخلها لتسمعه آذان الذين هاجروا إليها فراراً من جحيم الظهيرة. والراجح في تفسير ذلك أنّ السكون مع شدة الحر، هما اللذان صدّاه عن اختراق الجدران. فإن الصمت أو السكون مع الحر الشديد، إذا انسدلا على قرية في مثل هذا الوقت، فَعَلا في الصوت ما يفعله فيه حاجزٌ من اللبّاد العازل.
رحبة القرية الداخلية، فراغٌ يكاد يكون مطلقاً، لولا أن احتلت مواقع منه ثلاثةُ أعيان ظاهرة للعيان من قريب ومن بعيد: البئر، وشجرة التوت آنفة الذكر تلك الواقعة في الطرف الشرقي الأقصى من الرحبة على بعد خطوات من مدخل حوش الأرملة أم غطاس، والصخرة المستديرة الضخمة المائلة على حجاج منها، المنقورة، المملَّس سطحها بإزميل نقَّار الرحى البارع فهمي الكسّاب؛ لتكون آلة لعصر العنب. إنها موجوداتٌ كأنها ما احتلت مواقعها الثابتة ضمن هذا الفراغ، إلا لتكون بمنزلة البرهان العيني على انتفاء الإطلاق عن الفراغ، أو تعبيراً رمزياً عن نفور المكان من الفراغ.
ولهذا الفراغ، من حيث إنه شكل هندسي، استطالةٌ. قامت على ضلعيه الممتدين شمالاً وجنوباً، بيوتٌ أقامها الأهالي لسكناهم، وإسطبلات للمواشي، وحظائر للدجاج والبط والإوزّ، ومخازن للمؤن وأدوات الزراعة وموادها، وأهراء للحبوب والبقول والعلف والتبن، وهي جميعاً مبنية من اللّبن، لا يفصل بعضها عن بعض فاصلٌ من فراغ. لها مدخلان: واحد من جهة الشرق، وآخر من جهة الغرب، ضاقا حتى لكأنهما بوابتان للرحبة الداخلية، وذلك حين أنشئ على نقطة النهاية من الضلع الجنوبي بزاوية عمودية قائمة، وعلى نقطة البداية من الضلع الشمالي بزاوية أخرى مماثلة، تنوران مسقوفان.
وإذ كبحت السيارة عجلاتها على مقربة من شجرة التوت الهرمة؛ أثارت عجلاتها غباراً كثيفاً صخِباً - لولا السكون، لانتشر الغبار بلا ريب، وارتفع حتى جاوز أغمية البيوت، وهامة الشجرة الذليلة - تخللته زعقة حادة أجفلت الشياهَ، بل كادت تروعها فتستفزّها من مقيلها الظليل.
أما الحمار الطاعن المريض، فما اختلجت في رقبته، ولا في عظم فقاره، ولا في خاصرتيه، ولا في أذنيه، ولا في ذيله من تلك الزعقة، عضلةٌ واحدة، ولا ارتجفت منه شعرة واحدة. وكذلك كلبة الأرملة أم غطاس (كَرِه)؛ فلأنها صماء، ولأن نومها القهري أرخى جفنيها كالستارة على عينيها، لم يصدر عنها نأمة، ولا ندت عنها حركة واحدة تعبر عن إحساسها بما قد جدَّ في الرحبة. هو النوم أبطل عملَ حاسة الشم لديها، حين أرخى جفنيها على عينيها إرخاء ستارتين سوداوين على نافذتين.
ومثلما هيمن السكون على الضيعة، هيمن في تلك اللحظة على الأطفال الثلاثة. ولكن لثوان خطفت خطف لمعة بين السحاب!
كالتماثيل بدا الأطفال خلال تلك الثواني الخاطفة في حيث كانوا قاعدين. كحرف الألف، صورةُ أعناقهم الضاوية التي تصل ما بين الهامة ونقطة انتصاف العاتق. كفَجْرة الوادي أحداقُهم، وقد اتسعت فأضحت مسيلاً لفضول معتكر، وتوجس أدنى إلى الخوف.
- الدرك !
صرخ واحد من الثلاثة صرخة متوترة محبوسة. ثم بوثبة ديك زَعِقٍ يكون متلبداً بالمزبلة فيستوهل بغتة، أو يفزعه كائن مخيف، وثب الطفل من مكانه. ارتفع بجناحيه، حطَّ على قدميه، انتصب.
ساقا الطفل، مستدقتان كعودين جافين لم يكشط قشرهما البنيُّ المحروق. ساقاه، كأنهما محراكا تنّور في الرقّة، في الضوى. إلى حَقْوه شُدَّ طِمْرُ كتان تغير لونه، وانتثرت فوقه بقع ورقع، خاطته له أمه – إن صدق الظن - بإبرتها على صورة التبّان (شورت).
طفل في السابعة، وربما كان في السادسة، تقمَّص في غمضة عين هيئةَ مهر لم يمض عليه الحول. برشاقةٍ رمَحَ المهر بإحدى ساقيه الفراغَ من خلفه، قبل أن تُرى قدمُه الثانية تعود لتلمس الأرض، وانطلق خبباً لينبئ بما رأى.
كان والده (أسعد توتونجي) في البيت مقيلاً في الحجرة الثانية؛ وهي الحجرة التي تُختار عادة من أهل الدار للراحة ونوم القيلولة في الأوقات التي يعظم فيها أذى القيظ، وتعسف سلطتُه على ساكني القرية ولا سيما في شهري تموز وآب من شهور الصيف. إنها حجرة معتمة رطبة بالقياس إلى حجرة المعيشة ذات الشباكين الواسعين المكشوفة على ضوء النهار من جانبين من جوانبها.
كان والده أسعد يهوِّم رغم ما به من جوع. وكان تخفف من ردائه، وأسند ظهره إلى الجدار، ومدّ رجليه على حصير من القش مصحت ألوانه في انتظار وجبة الغداء.
عند قدميه على الأرض الطينية العارية المنداة برشيش من الماء، انسدح شقيقاه، وكلاهما أكبر منه سناً. وكانا رجعا بصحبة والدهما من حصاد الحمّص المتأخر زرعه، قبيل أن يغدو الحر لهيباً لا يطاق منهكين أشد النهك.
ولأن شقيقيه يستيقظان مع أول صيحة من صيحات الفجر للحصاد؛ استطاع النومُ من غير أن يلقى منهما مقاومة ودفعاً هدمَ قدرتهما على احتمال مشقة انتظار وجبة الغداء حتى ينضج.
انتبه الأب لدخول ابنه. فما أبطأ أن استفسره عن غيابه، وهو يفتعل الغضب:
- أين كنت يا ولد؟
- بابا، الدرك… الدرك !
أجاب الطفل وهو يلهث لهاثاً متقطعاً. فتوعده الأب قائلاً:
- إن رأيتك خارج البيت في مثل هذا الوقت ثانية، فركت أذنك، وأخذتك معي إلى الحصاد، أتفهم هذا الذي أقوله لك أيها العفريت؟ اذهب الآن من وجهي إلى أمك، يلّلا.. غر عني، لا ترني وجهك. وعسى أن تشدك أمك بحبل غليظ إلى أستونة الإسطبل، ولا تفك إسارك حتى يجيء العصر !
غير أن النبأ الذي كان الطفل يحمله على عاتقه، كان أكثر ثقلاً عليه، وأفعل من وعيد أبيه – ولعل ثقل النبأ أن يكون السبب الذي جعل تأثره بوعيد أبيه يتراجع بشكل ملحوظ - مما حمله على أن يكرر ما سبق أن آذنه به، ولكنْ بشيء من التعديل والإضافة، وصدرُه ما برح يعلو ويهبط من لهاثه.
أدرك الطفل بفطرته النقية أن والده بسبب غضبته عليه، إنما لم يعِ ما ألقاه في سمعه وقت دخوله عليه:
- جاء الدرك ليأخذوا البارودة… الدرك يا بابا !
كان الطفل في الأمس سمع جارهم أبا عماد، يحذر والده من حملة تفتيش مرتقبة على السلاح من شرطة البلدة. والده درج على أن يخرج بارودته الانجليزية مرة واحدة من مخبئها كلَّ شهر؛ فينظفها ويدهنها بزيت السلاح، ثم يعيدها ملفوفة بحرص وعناية مبالغ فيها إلى مخبئها في تجويف من الحائط المشترك بين غرفة القيلولة المعتمة وغرفة المؤونة الضيقة؛ صنعه لها دهاؤه المكتسب من ظروف عيشه فلاحاً.
لم يجد الأب صعوبة في أن يقتلع ظهره من الجدار. تنحنح، قوّم جذعه على الحصير، ومد ساقيه أمامه. حركاته وشت باستئثار النبأ باهتمامه:
- الدرك؟ أين رأيت الدرك؟
- في الساحة يا أبي، قرب البئر.
- كم عددهم؟
أجاب الطفل:
- سيارة جيب ملأى.
- سيارة جيب!؟ حسناً، فهمت... لا تخف، لن يعثروا على البارودة، إذا ما فتشوا عنها. أتدري أين توجد البارودة؟
أدار الطفل عنقه النحيل باتجاه الجدار، وأشار بأصبعه إلى المكان الذي يخفي فيه أبوه بارودته:
- هنا توجد البارودة.
- أصبت... هنا توجد البارودة.
صادق الأب على قول ابنه، وكأنه لا يعرف أن ابنه يعرف أين توجد البارودة. ثم بعد أن مسح عن وجهه آثار غضبته المفتعلة، أضاف وفي عينيه شعاع من مكر:
- ولكن لو سألك الشرطي كما سألتك الآن، أين توجد البارودة، فهل ستقول له إنها توجد هنا في هذا المكان؟
أجاب الطفل جواباً راغ فيه عن التصريح بالإجابة، ولم يكن في قصده أن يروغ عنه متعمداً:
- فإن لم أقل له إنها توجد هنا في هذا المكان، فماذا أقول له يا أبي؟
- قل له لا يوجد عندنا بارودة.
- ولكنَّا عندنا بارودة، أم علي أن أكذب؟
- كلا! ليس عليك أن تكذب. قل له لدينا بارودة، ولكنك لا تعلم بمكانها.
- ولكني أعلم أين توجد البارودة، أم علي أن أكذب؟
- تكذب؟ لا تكذب. لماذا الكذب يا بني؟ أدري أنك صادق لا تكذب، ولكنك لو قلت له إنك تعرف أين هي ودللتَه على مكانها؛ فسيصادرها الدرك.. سيأخذونها منا، وسيأخذونني أنا أيضاً معهم ليحبسوني في السجن. هل تحب أن يأخذوا البارودة، وأن يحبسوا أباك؟
- كلا…!
رد الطفل بلا تردد، وغالب نهج صدره في هذه اللحظة فغلبه.
- إذن فأنت لا تحب أن يأخذوا البارودة، ولا أن يحبسوا أباك...
- ولكني لن أكذب !
قاطعه الطفل في عناد.
- وأنا لا أحبك أن تكذب. الأطفال ينبغي ألا يكذبوا، مهما تكن عاقبة الصدق عليهم وبيلة. اسمع الآن با بني، وافهم: إن جاء إلينا الدرك، فلا تلبث في الدار، أتسمع؟ اخرج منها على الفور، واذهب العب مع لداتك. فإنك حين لا تكون موجوداً في البيت وقت مجيئهم، فإنهم لن يسألوك أين توجد البارودة، صح؟ أفهمت الآن؟
أطرق الطفل هنيهة متفكراً قبل أن يجيب:
- أجل، فهمت. ولكن الدرك قد يرونني حين قدومهم، وأنا أخرج من الدار، ويسألونني عنها، وأنا على باب الحوش.
- إن سألوك عنها، وأنت على باب الحوش، فقل لهم حينئذ إنك ابن الجيران.
- ولكني لست ابن الجيران، أم علي أن أكذب؟
- كلا، لا تكذب. قل لهم أن يسألوني أنا.
- هل ستقول لهم أين توجد البارودة، لو سألوك؟
- كلا !
- ستكذب؟
- لن أكذب.
- لن تكذب!؟
- لن أكذب، فالدرك لن يسألوني أين توجد البارودة. سيبحثون عنها حال دخولهم دونما سؤال وجواب؛ فأكون أنا عندئذ نجوت من السقوط المهلك في جُبِّ الكذب المكروه.
وفيما كان الطفل يحاول أن يعِبَ كلامَ أبيه، سمع أمه تناديه من غرفة المؤونة بصوت متراخ:
- فاااادي، فَدَوْكَس.. تعال، كفاك لغواً كالكبار.. يللَّا، ساعد أختك. انقل معها لوازم الغداء، ودع أباك ليرتاح.
غرفة المؤونة – وهي تستخدم للطبخ أيضاً - أضيق حجرات البيت مساحة، وإن لم تكن بذاتها ضيقة. في منتصف جدار من جدرها إلى الأسفل، نقْبٌ مكشوف أرخيت عليه خيشة بالية، يتيح للمرء، ولو عظم جرمه، أن ينسلّ منه، أو يتسلل من خلاله إلى الإسطبل. وفي جدار الإسطبل من جهة الشمال - وهو جدار طويل ملتحم بالجدار الجنوبي لمخزن أدوات الزراعة العائدة ملكيته للمختار أبي يوسف المالك الأول للقرية - نَقْبٌ آخر أوسع من الأول، تغطيه خيشة مهترئة كما غطت النقب الأول. ومن هذا النقب يستطيع المرء أن ينسل بخفة ويسر إلى مخزن الأدوات الزراعية، ويخرج منه عبر باب خشبي يترك مفتوحاً على الدوام، إلى الرحبة الداخلية للقرية حيث توجد البئر والشجرة...
كان المختار، لدواعٍ أمنية، ولتسهيل نقل ماء الشرب من البئر على نساء فلاحيه ولا سيما في فصل الشتاء، خطط لبيوت القرية أن تكون ملتصقة ببعضها، متعاضدة متساندة بجدرانها، وأن ينفذ بعضها إلى بعض بالأنقاب.
انتظمت أنفاس الطفل حالما دخل الحجرة حيث أمه وشقيقته البكرية المراهقة (جيلان). قلّبته أمه بنظرة متحرية. فلما رآها تعبس في وجهه، عاجلها برد استباقي إجهاضي، إذ ظن أنها ستصب فوق رأسه جام تقريعها المعهود في مثل هذه الحالات:
- لم أكن ألعب تحت الشمس، أحلف لك...! كنت جالساً تحت ظل الشجرة.
ولكن أمه بدلاً من أن تصب فوق رأسه جام تقريعها، كما كان يتوقع، زجرته زجراً خفيفاً عن الحلف، ثم نبهته بعدها وهي شاردة النظر على النَّقْب. فضرب الطفل إذ ذاك جبهته براحته كما يفعل الكبار عندما ينحون على أنفسهم باللائمة على هفوة السهو أو النسيان. وهتف سعيداً مستثاراً، وهو يندفع نحوه بعوده المهزول:
- سأخرج بدءاً من هذه اللحظة.
بيد أن أخته جيلان عجلت فمنعته عن تنفيذ ما عزم عليه، ردّته من كتفه عن النقب المستور بغير عنف. وضعت في يده طبقاً قشاً حوى خبزاً كانت كسرته، قائلة له:
- ليس قبل أن تأكل وتنام.
ثم أمرته:
- خذ، خذ اذهب بهذا الطبق إلى...
- والدرك؟ ماذا أقول للدرك إذا جاءوا الآن؟
دمدم محتجاً. فردت أمه عليه بلهجة جديرة بالثقة:
- لن يأتي الدرك إلينا قبل أن تأكل وتنام.
عندها اطمأن الطفل، هدأ، لاح في هيئته ما يدل على اقتناعه بما قالته له أمه. وبدأ ينقل ما خفَّ عليه من لوازم وجبة الغداء إلى حجرة القيلولة خالي النفس من التذمر.
أنسي الصغير أمر البارودة أو كاد، حل التفكير في أمر صاحبيه محل البارودة والدرك، حتى تساءل متحسراً، وجارفٌ من حنين يصدمه في ظهره، يدفعه إلى استئناف اللعب مع تِرْبيهِ دفعاً عنيفاً يكاد يعجز عن الثبات له: ترى ماذا يفعلان الآن من بعد أن فارقهما؟ أتراهما واصلا اللعب بغيابه، أم غادرا مثله مكان اللعب إلى بيتيهما؟
ولو كان الطفل فادي درى بأن الحظ إنما واتاه بملازمته للبيت، وبنومه العميق بعد الغداء إلى حلول العصر – وهو الوقت الذي قطعت فيه فاجعةُ الفردوس شريطَ نهايتها - ما كان داخله شيء من التحسر واللهفة بسبب غيابه عن اللعب مع تربيه - فإن تربيه اللذين سيشهدان حدثاً فظيعاً لن يشهده هو، ستطاردهما ذكرى هذا الحدث الفظيع مدى العمر عمرهما، وستقرض قرض الجرذ نياط هنائهما إلى آخر أيامهما.
أما والده أسعد توتونجي، فطفق يفكر أيضاً. طفق يفكر فيما عسى أن يكون الدافع الحقيقي إلى أن يجيء الدرك في هذه الساعة من هذا النهار القائظ. كان أسعد، قبل ذلك، قد استبعد استبعاداً كلياً أن يكون التفتيش عن السلاح علةَ مجيئهم بعكس ما توهم جاره أبو عماد أمس.
إنه ليعلم أن المختار، سدد ديونه للتجار حتى آخر قرش لهم عليه، ويعلم أنه دفع جميع الضرائب السنوية المترتبة عليه لمديرية المال، ويعلم أنه منحهم كما منح غيرهم من رجال الأمن (مكافأته) السنوية مباشرة عقب استلامه حقه من بيع المحاصيل الصيفية، كما يعلم أن لا أحد من أهالي القرية، ارتكب جنحة أو مخالفة قانونية، أو تورط في مشاجرة مع أبناء قريته، أو أبناء القرى المجاورة لها، ويعلم أن لا أحد من الفلاحين أقرانه، تخلف عن دفع الضريبة المتوجبة عليه سنوياً عن كل رأس من رؤوس ماشيته، أو تهرب منها.
إذن، فما عسى أن يكون السبب في قدومهم !؟
وكذلك نائلة زوجه - ولم تكن في أحسن حالاتها مذ استيقظت فجر يومها هذا الذي وصفته أكثر من مرة في سرها بأنه يوم كريه – فإنها، وقد وقعت تحت تأثير النبأ الذي نشره ابنها فادي، طفقت تستعيد بتركيز أقوى تفاصيلَ الحلم الأخير الذي رأته في منامها قبيل استيقاظها من النوم فجراً.
لم تكن نائلة روَت حلمها لابنتها جيلان، ولا لسواها من اللواتي اعتادت أن تروي لهن أحلامها. إن لنائلة منهجاً بخصوص رواية أحلامها تعلقت به أشد التعلق، وثابرت عليه دون انقطاع؛ هو ألا تروي أحلامها إلا إذا كانت أحلامها جميلة تبشر بحصول ما فيه خير لأسرتها خاصة؛ وإلا إذا كان لهذه الأحلام أن تُعبَّر بما يسعدها.
أما أحلامها المختلطة المرعبة التي يمكن أن تُفسَّر بما ينذر بوقوع شرّ، فكانت تتكتَّم عليها خوفاً من أن تتحقق فعلاً.
تضرعت نائلة بقلبها إلى ربها تضرعاً حاراً ألا تتحقق رؤياها. غير أنها رغم حرارة تضرعها، ورغم محاولتها الصادقة إقناع نفسها بأن الحلم مجرد حلم يتبخر عند اليقظة، ظلت قلقة مغتمة عاجزة غير مستطيعة أن تجتثَّ جذور يقينها من أن حدثاً ما أبعد ما يكون عن أن يكون ساراً، سوف يقع لا محالة في غضون هذا النهار البغيض.
وإذ راحت نائلة تفكر في الغاية من قدوم الدرك تفكيراً عميقاً مثل تفكير زوجها أسعد، تضاعف مقدار ما كان يعتمل في صدرها من توجس وقلق وخوف غامض!
إن أخشى ما تخشاه نائلة أن يكون قدوم الدرك إلى القرية في هذا الوقت من هذا النهار علامةً على صدق ما رأته، وإرهاصاً بتحققه.
خطرة سوداء مزعجة كالفُواق، تلج عمق ذاكرتها بلا استئذان، وقت أن رفعت طنجرة البرغل المستوي عن موقد الغاز. طنجرة البرغل تصفر صفير الغليان. ترفعها وفي الحال تفلتها من بين أصابعها الملسوعة رغم خشونتها على الأرض. لا تكترث نائلة بلسع الطنجرة لأصابعها، تطفئ الموقد. وما هي إلا أن تقوم لواجب آخر من واجباتها بعد إطفاء الموقد، حتى تنثال على ذاكرتها بتتابع قهري، صورٌ مريعة مهولة موجعة لوفرة من الجوائح والخطوب، كانت ضربت قريتها الفردوس في مثل هذا الوقت مما خلا من أعوام:
حريق هائل يحصد بمناجل من لهيب جائع حقول الحنطة المستحصدة، وباء يجتاح حظائر دجاج القرية فيفنيه عن آخره، موت بقرتها الحلوب بالتخمة عقب وقوعها ظهراً في غفلة عن الأعين على كومة شعير في البيدر، غرق الفتى سِتْراك الابن الثالث لصهر المختار ديكران غيراغوسيان في النهر الكبير، استشهاد المجند ملحم بن عالي النجار بطلقة طائشة من رفيق سلاحه بحسب ما ورد في البلاغ الرسمي، انتحار الشابة سوسن الحائك ابنة أمينة جارتها في ظروف غامضة ولم يكن مضى على زواجها سوى أشهر ثلاثة، وفاة (كانو) رضيع صديقتها المفضلة عفيفة بلدغة عقرب وهو نائم في مهده، تحطم جمجمة الصغيرة (حلوة) ابنة أختها (نهلا) بسقوطها في البئر، موت (جبار) كلب الصيد النادر الذي كان صاحبُه يوسف ابن المختار يؤثره على قطيع من الماعز يوم نهشته أفعى سامة في رحلة صيد.
وتمر في ذاكرتها صورة الكروم، تتذكر كيف أجفأت عناقيد العنب في مثل هذا الوقت من عامين عندما أصابها مَنٌّ قاتل ما نجع فيه دواء مبيد، كما تتذكر يوم الطاحونة أو شرَّ الطاحونة وكان وقع في بداية شهر تموز في يوم كان ساكناً حاراً كهذا اليوم بين رجال قريتها الفردوس ورجال قرية (بيلاف) الواقعة على تخم قريتها الجنوبي، وأوشك النزاع المحتدم العسير يومها أن ينتهي إلى أن يسحب الرجال من القريتين أسلحتهم من مخابئها، لولا تداركت الشرَّ المستعر حكمةُ المختار أبي يوسف في اللحظة الحاسمة الفاصلة المانعة من وقوع فاجعة مهولة.
في كل مرة حين يشتد القيظ، ويبلغ في شدته حداً قريباً من السكون المطلق، يحدث هنا في قرية الفردوس ما لا يتمناه المرء حتى لعدوه أحياناً. لكأن سكون النهار القائظ في صيف تموز، وقد صعد مؤشّرُه إلى منتهى أمره، يحتِّم انفجارَه في القرية كاللغم الموقوت، أو يحتم - بتعبير ألطف - أن ينتج حدثاً ليس كتلك الأحداث التي تتواتر في حياة القرية على صورتها الاعتيادية المألوفة المتساوقة.
غير أن نائلة لم يراودها لحظة واحدة أن جميع هذه الدواهي التي تحققت – في ظنها - إثر رؤيتها لأحلامها الكابوسية تلك المرهصة بالتحقق في اليقظة، إنما تحققت رغم أنها لم تروِها لأحد. إن اعتقادها بفكرة أن الأحلام الكابوسية المخيفة، لا مفر لها من أن تتحقق إن رُويت، ليس مما يمكن أن ينتقض عندها بمثل هذه الوقائع المتحققة مهما تكثر. ولو حدث أن راودها ذلك، فأغلب الظن أن ذلك لن يقلقل صخرة اعتقادها. فما تعتقده نائلة، هو حقيقةٌ لا يمارى فيها، ولو كذبتها الوقائع الحاصلة. شأنها في هذا شأن أكثر الذين يرسخ اعتقادهم في قلوبهم أو عقولهم رسوخاً يمسي معه نقض اعتقادهم أمراً مستحيلاً أو قريباً جداً من الاستحالة. وقد تكون الألفة يخالطها الوفاء علة ذلك، هذا إذا ما استبعدت المنفعة والخوف من الطريف الجديد المباين. فما برح المرء يألف معتقداته وأفكاره كما يألف منزله وعاداته وأشياءه الخاصة إلى حد أنه قد يرفض أعنف الرفض أن يبتر وشيجته بها؛ حتى لو تبين له خطؤها وبطلانها ولا عقلانيتها، وحتى لو تلمَّس ضررها المؤكد بالفعل على حياته الروحية والمادية.
أما جيلان المراهقة ذات الخمسة عشر ربيعاً، فكانت، بخلاف أمها وأبيها وأخيها الصغير، سارحة بأفكارها وخيالاتها في مرعى ناء كل النأي عن الهجير والسكون والدرك، بعيدٍ كل البعد عما لا شأن له أو اتصال بأمر قيلولتها لدى صديقتها المقربة آينور.
منذ الصباح، بل منذ الفجر وجيلان في حركة دائبة. إنها لتجدُّ، على عادتها، في مساعدة أمها بتدبير أعمال المنزل. ولكنها اليوم تبالغ في الجد، كما لو إنها كانت تشفق من أن يعنّ لأمها أن تحبط رغبتها في القيلولة لدى صديقتها آينور، إن هي تراخت عن مساعدتها أو قصرت.
وجيلان، وإن لم يُنوَّه باسمها أنها من جميلات القرية، وهي وإن لم تكن تلقى تودداً خاصاً ناعماً إلا من قلة قليلة جداً من الشبان، ربما لم يزد عددهم - إلا فيما ندر - على الأربعة، ليست في الحقيقة من اللواتي تنقصهن عناصر الجاذبية ومحمولاتها: فلها قوام لدن المعاطف، وعينان في حلاوة العسل وسيعتان تبسمان عن طيبة وبراءة ومرح، وفي أهدابها وَطَفٌ، ولها ثغر إن شبّه فبحبَّة عنقودٍ نضج، وخدان يزينهما أسلٌ لطيف مصطبغان بحمرة العافية. فَنْواءُ تلعاء، بيد أن أنفها خذلها خذلاناً مؤسفاً.
أنف جيلان الذي ورثته عن عمتها – ولعل في هذا الموروث، إن صح، ما يفسر حقيقة شعورها المجرد من الود شيئاً تجاه عمتها - نفر نفْراً غليظاً عن حق التآلف مع تقاطيع وجهها الأخرى المطابقة لتقاطيع وجه أمها التي لم يعوزها التناسق كما أعوز تقاطيعها هي. إن أنفها المتمرد على معايير التآلف والتناسق المستحبة، هو الذي أنقص، على الأرجح، من تمام ملاحتها حتى صح القول فيها: "لولا أنفها، لكانت جيلان عِدَّاً لتربها جميلاتِ ضيعتها وندّاً لهن“.
كان أنفها في نظرها قبيحاً. وكان قبحه يقدح في صدرها انفعالات عنيفة مؤذية ضارة من غضب وخجل وتبرم واستياء، تتضافر جميعاً لتهدم ثقتها بنفسها في كل حين تنظر فيه صورةَ وجهها في المرآة، وفي كل مرة يجيء فيها ذكرٌ للأنوف وأوصافها في مجلس تحضره من مجالس القرية. وما أكثر ما كان يأتي ذكر الأنوف بمحاسنها ومقابحها في مجالس قريتها! إن الأنف في الفردوس، مقياس من مقاييس الجمال والقبح. إنه الملْمَح الأول في وجوه النساء خاصة. ولم يعد لغز هذا المقياس مجهولاً مذ تمكنت السيدة (رِفْقَة توران) زوج المختار ببساطة وعفوية من الإجابة إجابة صحيحة عن السؤال الذي كان مطروحاً على عقول المهتمات والمهتمين بهذه المسألة، والذي لم يكن حتى ذلك الحين حظي منهن ومنهم بجواب صحيح مقنع: „لماذا ينصرف اهتمام الفردوسيين كلَّ هذا الانصراف إلى معاينة أنوف النساء خاصة؟"
حيث قالت في الجواب عنه في إحدى سهرات الشتاء المنصرم: „ ما كثر وزاد هو كالتراب، وما ندر إنما هو كالتبر" فجاء قولها ليكون المفتاح لما استغلق من أمر ذلك اللغز.
وإذا كان قولها في تفسير اللغز، هذا الذي ذهب بين الناس وذاع، لم يتجاوز في دلالته السطحية حدود البديهيات المدركة من الجميع - كما هو واضح من ظاهر لفظه - فإنه بما فيه من إشارة ذكية نافذة إلى العلاقة الضمنية العميقة التي تربط ما بين الأنف من جهة، والتراب والتبر من جهة ثانية، ليس أحط درجةً وقدراً من أي استكشاف من تلك الاستكشافات التي تنتزع الإعجاب من سكان القرية.
إن السيدة رفقة توران، تشير بقولها الآنف إلى أن عدد (المصابات) بقبح الأنف في الفردوس أكثر بكثير من عدد اللواتي لسن مصابات به؛ فتكون الكثرة على هذا، وقد زادت عن حدها، ممقوتة بإزاء الندرة، على الرغم من أن الكثير ربما كان أجل نفعاً من القليل النادر من جهة الاستعمال والاحتياج إليه في تصريف شؤون الحياة المادية. فالتراب، مثلاً، أنفع من الذهب في استعمالاته بالإضافة إلى الإنسان. والأنف الكبير الأقنى الذي تتدلى أرنبته نحو الأسفل، أنفع لصاحبه من الأنف القصير المرفوع المنشمر الذي يتأمل السماء. إن فضل الأنف الكبير الأقنى على صاحبه يتجلى في أنه يحول دون تسرّب الغبار والرمل الدقيق والهباب إلى رئتيه، أو يقلل من تسربه إليها بلفظ أدق. ولكن هذه الوظيفة النافعة التي للأنف الكبير الهابط المتدلي، والتي لا يضاهئه فيها الأنف الصغير المرفوع، لا تروق في حواس أكثر الناس وفي قلوبهم وأذواقهم، على صفة الجمال التي للأنف الصغير المنشمر، رغم أن الجمال صفة، فإن كانت تمتع الذائقة والحس والقلب، فإنها في الاستعمال المادي غير حائزة على ما تحوز به في القلوب والأذواق والحواس.
ستقيل جيلان اليوم بعد الغداء للمرة الثالثة مع آينور وأخيها زاهي في غرفتهما الخاصة المستقلة. غرفة آينور وأخيها زاهي رطبة (نسبياً) باردة حديثة البناء، لمّا يمضِ على عمرانها أسبوع واحد بعد. عمرها والدهما الفلاح غضبان أوسكاي؛ لتكون غرفة نوم لهما وحدهما، من بعد أن ضاقت بأبنائه الخمسة الغرفةُ الثانية من الدار المخصصة لنوم أبنائه أولئك الخمسة مجتمعين.
وجيلان لا تفكر اليوم بأمر قيلولتها مع زاهي وآينور في غرفتهما الجديدة، هل هي أهنأ من القيلولة في الغرفة التي كانت تقيل فيها داخل بيتها. كلا! وإنما هي تتوق إلى القيلولة فيها لغرض آخر بعيد عما سبق. وتوقها اليوم إلى القيلولة فيها عارم! إنها اليوم تتوق توقاً مثيراً ملحاحاً إلى القيلولة في غرفتهما الجديدة؛ لا لأنها تميّز بتلك الصفات المحبوبة، وتحلّى بتلك المزايا اللطيفة المغرية، كما قد يُظن؛ بل لأنها تتوق، في الحقيقة، إلى تكرير تجربة البارحة، إلى استعادتها.
طعم تجربة البارحة عالق بحواس جيلان كنشو الطيب. ما برحت جيلان تسحنه في ذهنها دون ملال، مذ علق ذلك العطر النشوان بحواسها في قيلولة الأمس. تسحنه في ذهابها وإيابها، تسحنه في قعودها وقيامها... تسحنه بشغف عجيب دؤوب كما تسحن رحى فهمي الكساب حبات القمح الذهبية.
تجربة البارحة ما فتئت أصداؤها المنسوجة من لذة بكر تترجع في دمها المتدفق بحرارة.
نهار البارحة، وقت القيلولة، بعد الظهيرة، بعد الغداء، استلقى زاهي – وزاهي فتى أصغر منها سناً، أصغر بعام وثلاثة أشهر بحساب أمها، وبعامين في حساب أمه - خلف ظهرها محاذياً لها بجسده الممتد على ظهره بلا اعوجاج على بعد يسير منها ما جاوز المترين. وجيلان مستلقية على جنبها الأيمن بخط مائل. نصفها السفلي منحرف باتجاه آينور حتى لتكاد قدماها أن تمسَّا قدميها، ونصفها الأعلى منحرف مائل إليه. وجهها إلى وجه آينور. تحادثها حديثاً رتيباً متقطعاً بلسان متعثر رخو سرى فيه خدر النعاس. وظلت جيلان تحادث آينور حتى جاء النوم آينورَ خاطفاً.
وفيما هي مثقلة الجفن بالنعاس والخمول تنتظر أن يأتيها النوم أيضاً ليخطفها كما خطف آينور؛ أحست حركة خفيفة تبدر من خلفها، حركة تهس خلف ظهرها. ورغم النعاس فإنها ما إن مرّت ثوان على صدورها من خلفها، حتى توترت منها حواسها.
يا للغرابة! ما الذي يوتر حواسها بغتة؟ أحركة أضعف من الهمس تصدر عن زاهي؟! ولكن زاهي ما توترت يوماً حواسُها من حركاته. زاهي ما توترت من حركاته حتى الأخيرة تلك التي لم تكن تخفي رغبته المجنونة في مداعبة أكثر الأجزاء حساسية في جسدها كلما جمعتهما خلوة!
حواسها توترت وكفى! توترت من هسيس حركة خلفها وانية. بدأ التوتر بدايته ثم اشتد. وإنه ليوشك الآن لشدته أن يتمزق، أن يتقطع. حواسها الآن مرهفة. والرهف يبتر تركيب جملة الصمت، يُحدث ثغرة فيها. والثغرة معبر إلى السر المستكن في باطن حركة الفتى زاهي.
ينزاح عن وعيها جيلان غطاء النعاس. حواس الصبية المراهقة، تهب تنفض عنها حمولة الإرهاق والخدر. حواسها، جميع حواسها تفزّ لاستقبال حركته دفعة واحدة، لكأنها كانت على موعد مضروب مع هسيس حركته، منتظرة إياها بصبر نافد، حتى إذا لاحت لحواسها المستوفزة المتوثبة، اندفعت كعصفة ريح إلى معانقة السر المستوطن في قلب تلك الحركة القادمة إليها بعد انتظار.
زاهي يتململ في ضجعته خلف ظهرها بحذر لص غلبته شهوة السطو على ممتلكات جاره. تندُّ عنه أحّة ذليلة، أحة مكبولة ذليلة. ولكنها أحّة تستبطن على ضعفها وذلها، نيّةً مبيّتة حارة كجمرة. زاهي غلام فتيّ. زاهي ذكرٌ، وحواس الأنثى المراهقة النشطة المستوفزة، تنفذ بالفطرة دون عوائق إلى ما تستبطنه حركات الذكر، ولو موّهها بألف مموِّه، وغطاها بأسمك الأردية.
زاهي يتقلب. ينقلب على جنبه مرة، ينقلب على جنبه ثانية، ينقلب ثالثة. مع الثالثة تضمحل المسافة العازلة الفاصلة بينهما، تزول. ينهار السور الوهمي الحاجز القائم بينهما. جيلان ترى حركته بحدسها، ترصدها بحواسها الداخلية لا بعينيها. كما تسمع بحدسها أيضاً أجيج صدره لا بأذنيها. صدره يوشك أن يمسّ أعلى ظهرها، يتشهى أن يلتحم به، بل هو الآن قد مسّ ظهرها، والتحم به. صهد أنفاسه يلفح عنقها. أنفاسه تتخلَّل جديلةَ شعرها المعقودة خلف رأسها بإهمال، كأنها أنامل من حرير. أنفاسه تنساب في أذنها بعد أن تلفح منها العنق وتناب في الجديلة لينة كالريش.
ثم تستلقي راحته على فخذها المكتنز المغطى بفستانها الرقيق بوجل مرتعش، بحذر مرتجف. تتهيب راحته ردة فعل منها مناوئة.
ولكن راحته حين اطمأنت، كما أمل، إلى أنها لن تلقى من جيلان مناوأة، بدأت تفعل فعلها المنوط بها غريزةً. وإذا كل خلية في جسد جيلان المراهقة، تنشط من عقالها، تتحرر من إسارها وتنطلق تعبّ في كأس لذة سرية فوارة. جسد المراهقة جيلان يستحم برغوة شهوة جنونية، ولكن صامتة من الحياء وبداءة البدء، بكماء ساكنة لم تختبر مثيلاً لها جيلان من قبل.
غير أنها بعد أن شهدت وقوع الأحداث الرهيبة المدمرة، سينهشها ندم ضارٍ، وسيجثم فوق روحها عبء ثقيل من شعور بالذنب.
فلم تزل جيلان بعد الأحداث المروعة الأليمة، تعتقد أنها ارتكبت إثماً منكراً فظيعاً حين استسلمت دون مقاومة وصد، لتلك اللذة التي أباحها لها الشيطان على حين غرة، لتلك الخطيئة القاتلة التي ارتكبتها يوم سمحت لنفسها، أن تتمرغ في حمأة الغواية تمرغ خنزيرة!
ولم تزل أيضاً تعتقد أن خطيئتها، كانت سبب المحنة التي نزلت بقرية الفردوس، وعصفت ريحها بها. وقد عانت من ذلك معاناة مرهقة استمرت حتى السنة التي تزوجت فيها وأنجبت طفلها الأول.
تطهرت جيلان في هذه السنة من عقابيل حمى اعتقادها، من لذعة الندم، من حرقة الشعور بالذنب، وهي سنة زواجها من رجل من الفردوس يدعى (مُرات تشيتشك). وكان ذلك في السنة الثانية من عمر هجرتها إلى الحقانية.
كان مرات زوجها – وهو الذي إليه تعزو جيلان الفضل في شفائها من آثار عقدة الأنف المنهكة، مع أن شفاءها في الحقيقة يجب أن يعزا إلى الحقانية المدينة التي يندر فيها أن يُدثَّ أنف بعيب يفدحه - سبقها إلى الهجرة من الفردوس إلى الحقانية. وكانت هجرته إليها حدثت بعد انقضاء سبعة أشهر على وقوع أحداث الفردوس المؤسفة؛ أي قبل أن يفرج عن والده كنعان تشيتشك إفراجاً اضطرارياً وذلك من بعد أن بات في سجن المدينة، يتأرجح بين الموت والحياة إثر إصابته بداء ذي عُقّال، لن يمهله بعد الإفراج عنه أكثر من شهر وبضعة أيام.

- 3 -
دقِرت سيارة الجيب الحكومية، تقيأت من جوفها المتخم بالقيظ ودقائق غبار الطريق ورائحة الوقود؛ خمسة رجال بزي الدرك الرسمي، ورجلاً سادساً بزي يختلف عن زيهم.
كان الخامس المختلف عنهم بزيّه، يرتدي قميصاً فاتح الزرقة له كمّان قصيران ارتفعا فوق المرفقين ارتفاعاً بيّناً أظهر عضلاته، وبنطالاً أسود، يوافق لون حذائه، رقيق القماش علكته ركبتاه وفخذاه من خلفه. بنطاله، وإن يكن رقيقاً، فإن سواده ليرسم في العين شعوراً ممتلئاً بثقل القيظ وحدته بدلاً من أن يخفف قليلاً من الشعور بثقله وحدته، كما ينبغي لثوب مثله رقيق أن يتولى ذلك في يوم جهنمي كهذا اليوم.
وهذا السادس متوسط القامة، يملأ هيكلُه ثوبه، مفلطح الرأس مثل فلطحة رؤوس النوابغ في معاهد العلم. شعره خرنوبي مرجل، وله عثنون مدبب موصول بشاربين كثّين. يقي عينيه من أشعة الشمس بنظارة خضراء، أضفت عليه مزيداً من الغموض، ويحمل سجلاً سميكاً بغلاف أسود وشَّته حروف مذهبة. تتدلى من عنقه آلة صغيرة الحجم، لعلها كاميرا، آلة تصوير، تتذبذب على بطنه كلما تحرك ولو حركة تافهة. ولا جرم أنه سيلوح لمن يرقب الجماعة عن بعد بزيه وهيئته وشاكلته وسجلّه وآلة تصويره، علامةً فارقة مميزة. ولا جرم أنه سيستجرُّ إلى ذهن الناظر المراقب خلسة أسئلة متوقعة الاستجرار بالبداهة: من هذا الرجل؟ من عساه يكون؟ وما علة وجوده بين هذه الجماعة المسلحة؟
واتجه شرطيٌّ منهم حال أن لفظته السيارة بخطو عسكري فسيح نحو مقدمها. كان العرقُ يبلل جبينه، وعند إبطيه صار العرق، وقد جف، إلى خطين مقوسين من ملح أبيض.
رفع الشرطي غطاء السيارة. وقبل أن يتم رفعه، ارتد إلى الوراء بحركة عنيفة كي يتفادى دفقة البخار الحارق؛ فسقطت كمّته على الأرض من عنف تلك الحركة؛ وبانت صلعته العرقى. ولو كان هذا الشرطي حاملاً سلاحه على كتفه في تلك اللحظة؛ لسقط سلاحه أيضاً على الأرض بلا مراء.
أسرع إلى الانحناء، والتقط الكمة. تمتم سراً لعنات ساخطة لن تخلو – أغلب الظن - من الإقذاع. ثم التفت، ما إن استقام بهيكله المبني بإحكام، إلى الجهة التي توجد فيها البئر، صارخاً في الطفلين اللذين كانا تشبثا بموضعهما تحت فيء الشجرة مأخوذَين بالمشهد المتحرك أمام ناظريهما:
-هِييي، أنتما...، أتسمعانّي؟ هيا، أسرعا فاملآ جردلاً من ماء البئر، وائتياني به حالاً. يلّلا، ماذا تنتظران؟
وطاف الضابط قائد الجماعة ذو الكتافيتين الخضراوين المرصعتين بنجمتين ذهبيتي اللون، ببصره في الرحبة ذات الاستطالة، والتي بدت له محصنة: نظر الأكواخَ، والزرائب، والأهراء، والبيوت الطينية المتلاصقة المتمطّية على نسقين طويلين متوازيين، كما نظر أفرشة النوم المغطاة بالبسط المطوية على العرازيل والسرر الخشبية فوق الأسطحة، أو على الأرض. وكانت نظرته إليها نظرةَ من لم تقع عينه يوماً على أمثالها.
ضابط شاب! بين الثلاثين ( ربما ) والسادسة والعشرين. قامته مرتفعة قد لاقت بها بزَّتُه الحسنة التفصيل. متين الألواح، غليظ قسمات الوجه، حتى ليتولد لغلظها في عين الناظر إليه أول مرة، شعورٌ بأن الضابط يود على نحو من الأنحاء أن يقتص منه كما لو أن الناظر أكل رغيفه ولم يبق له منه ولا كسرة. حاسر الرأس، مقصوص الشعر أسوده، له شارب رفيع مشذب من أطرافه، لم يمنحه ميزة خاصة رغم العناية الملحوظة به. على جنبه الأيمن استرخى مسدس بغلاف جلدي بني اللون. في يمينه عصا من الخيزران، جعل يضرب بها كعب حذائه الملمع بالدهان حديثاً ضرباً خفيفاً موقعاً موزوناً مذ ترجل عن كرسي القيادة في السيارة؛ ووطئت قدماه الأرض الغبراء. والضرب بها على هذا النحو الموقَّع، عادةٌ فيه تتكرر كلما واجه موقفاً، أو وضعاً، يولّد إثارة في حواسه أو في مشاعره.
بدا الضابط الشاب غير عابئ بشواظ الشمس المحرقة. أرخى ثقله على رجله اليمنى، ثم خاطب الرجل الغريب إلى جانبه متسائلاً:
- ترى ما الذي رآه الناس في هذه القرية، حتى صحَّ عندهم أن يطلقوا عليها اسم الفردوس؟
- لعلها الشجرة !
علَّق الرجل الغريب على تساؤل الضابط. وهو يومئ بحركة من رأسه إلى شجرة التوت. انبعثت من طريقة نبره لحروف كلماته نغمة من مرح عابث.
- الشجرة !؟
أظهر الضابط تعجبه، ثم قال كالمستدرك المصحِّح:
- ولكنها شجرة توت!
- من يدري؟ لعلها كانت فيما مضى شجرة تفاح!
وكتكت الرجل الغريب في الضحك، انخرط فيه بقوة انخراط طفل بكّاء في البكاء، حال أن أنهى عبارته. ولا شك في أنه أحسها على جانب عريض من الفكاهة.
أما الضابط فكان جاداً في تفكيره وكلامه، ولذلك فإنه لم يفهم سبب إغراب صاحبه المرافق له في الضحك. ولأنه لم يفهم سبب إغرابه في الضحك، نشأ في داخله استنكار من تلك الكتكتة، من إفراط الرجل الغريب في الضحك.
ما الذي دعا صاحبه إلى أن يضحك بمثل هذه الإفراط في الضحك وليس فيما قاله ما يضحك؟ أتراه خُيّل إليه أن في قوله نكتة؟ ولكن أين النكتة؟ وفكر الضابط، قال في نفسه: "وحتى لو كان في قوله نكتة، فهل تستدعي هذه النكتة أن يغرق معها في ضحك مقزز صاخب إلى حد المجون؟".
لا يمكن استبعاد أن الضابط في أعماقه، استاء من تصرف الغريب أيما استياء، حين عدّ، بسبب سوء الفهم، ضحكةَ صاحبه الصاخبة الطويلة الماجنة استهانة منه بما في شخصيته – وهو الضابط - من المهابة. وهذا أمر يمس كبرياءه. بيد أن الضابط رغم ذلك آثر ألا يفصح عن استيائه خشية أن يجرح شعور هذا الرجلِ الغريب الذي لم يسبق له أن التقى به قبل اليوم، والذي ما إن التقى به اليوم، حتى عدّه شخصاً يمكن الوثوق به والإفادة من ذكائه وخبرته، والذي – فضلاً عن ذلك - كلما أحدّ إليه النظر، خال أنه يراه ولا يراه. فهمس لنفسه بكلام حكيم يردع نفسه عن الظن المجحف، ويخفف من وقع دلالات ضحكته عليها: "إن ضبط النفس في موقف كهذا الموقف حكمةٌ يمليها عليه ذكاؤه العملي قبل أن تمليه عليه اللباقةُ؛ إذن فمن الخير له أن يوادّ الرجل الغريب ولو نفاقاً.. من الخير له أن يتجاهل السموج والبرودة الجليدية فيما افترض صاحبه أنه نكتة تفجر الضحك والمرح“.
إن تصرف الرجل الغريب، ردئ ممجوج بلا ريب. ولكن مع ذلك عليه ألا يبالي بسوء تصرفه، وإنما عليه أن يبالي بالفكرة التي تخلل كلامه أو نكتته المفترضة عن تحول شجرة التفاح إلى توتة.
وإذا به يقول برصانة:
- ما دمنا لم نر قط في الطبيعة شجرة توت تتحول إلى شجرة تفاح، فليس من المعقول أن نزعم، ولو افتراضاً، أن ذلك ممكن الحدوث اللهم إلا في حالة التطعيم الصناعي من قبل علماء الأحياء، فإنها ممكنة التحول: من - إلى.
فقال الرجل الغريب وقد عقل ضحكته:
- الطبيعة لا تعرف المستحيل.
تساءل الضابط في شك.
- أحقاً؟
- أجل!
رد الغريبُ، وقد انزاح الجد عن سحنائه، ثم سأله فجأة:
- أكنت تفكر بطبيعة هذه القرية؟
- أجل، لكأن هندسة عمرانها نصّ من مخطوط قديم.
- نصٌّ يوجب التفسير.
هزّ الضابط رأسه موافقاً، ثم عاد فمسح القرية بنظرة ثانية منه شاملة ربما استغرقت ما يزيد على عشر ثوان ثم قال:
- بيوتها الطينية الرثة، مضادة لنيران الشمس، جالبة للدفء في الشتاء. أما تلاصقها، فما أيسر تفسيره على معاني الدفاع والحماية والشعور بالأمان التي هي بعض شرائط النزوع إلى البقاء، وقد تكون تعبيراً حسياً عملياً عما خبره أهل القرية فيما مضى من تاريخهم، وعما عانوه من غارات أعدائهم.
- قرية يسكنها التاريخ!
- وهي غارقة في السكون.
ولاحت على فم الغريب في هذه اللحظة ابتسامة ذات مغزى غامض:
- كأنها الفردوس. تذكرني هذه القرية بفردوس آدم وحواء، تذكرني بحكايتهما العجيبة.
- حكاية مملة !
امتعض الغريب، قال معترضاً:
- ولكنها مع ذلك ممتعة حافلة بالرموز والعبر.
- أإمتاع في حكاية ليس للعقل فيها مطرح؟!
- وأي شأن للعقل في الحكايات؟ لو يكون في الحكايات للعقل شأن، فإن الحكايات حينئذ، لن تكون حكايات. وإنما المتعة في تعبيرها الرمزي عن انتصار الحركة على السكون.
- انتصار آدم وحواء على السكون؟! ألم يكونا مذ خلقهما ربهما يتحركان، يأكلان، يشربان، يمشيان، يعدوان، يتكلمان، ينامان، يقطفان الفاكهة؟
- كلا، في البدء كان السكون يغشي حياتهما في فردوسهما.
كرر الضابط قوله السابق:
- كانا يأكلان ويشربان ويسيران ويقطفان الفاكهة ويتحدثان... أليس في كل هذا دليل على الحركة؟
- بلى، إن كنت تقصد بالحركة الوظائف التي يؤديها الجسد محكوماً بنظامه الآلي.
- فما تقصد بالحركة؟
- أقصد كل ما هو نقيض للسكون في الحياة: الرتابة، رتابة العيش، الركود، الجمود، البلادة. ولا أحب أن أطيل... تخيّل! لو أن خالقهما، لم ينفث في حياتهما الحركةَ، بطردهما من الفردوس، أفما كانا مكثا إلى الأبد في فردوسهما الساكن كماء آسن، مخلِدَين إلى لذة دائمة أبدية بلا تنغيص؟ بلى! ولكن ما اللذة الأبدية الدائمة بلا تنغيص؟ أهي شيء آخر غير لذةٍ ليس لها من اللذة إلا الاسم.. أهي شيء آخر غير لذةٍ خاوية خواء تاماً من المعنى؟ ولك أن تقول مثل هذا في كل ما لا نقيض له. إن ما لا نقيض له يستحيل وجوده أصلاً. فإذا افتُرض وجوده أو حضوره؛ فلن يكون، باعتبار هذا الافتراض، إلا ساكناً ملازماً لحالة واحدة لا تتغير. ولكن هل للسكون من معنى؟
- وأين البأس في أن يمكثا أبداً على حال واحدة من اللذة أو السعادة؟ لو كانا مكثا على تلك الحال الواحدة الثابتة، أفما كان مكثهما عليها، خيراً لهما من المكث على حال من الحركة الجالبة للعناء، والوعثاء، والشظف، والشقاء، والألم؟
- كلا. وإنما الخير كل الخير في المعنى الذي تنطوي عليه الحركة، ولا ينطوي عليه السكون.
- إن صدق قولك.. إن كان الشر مثلاً أو الألم كما ترى حركة ذات معنى خيّر، فأين معنى الخير، في كل ما هو شر مؤلم كالعناء، والشظف، والمرض… الخ
- للشر معنى الخير في قلب الحركة. ولو لم يكن للشر هذا المعنى، فإننا حينئذ لا مفر لنا من مواجهة هذا السؤال: "ما الذي ألهم الخالقَ خالقَ آدم وحواء، أن يبرأ إبليسَ الشرير ليكون شخصية رئيسة في الحكاية منوطاً بها تحريك آدم وحواء بالغواية المثيرة الشريرة؟". أوتظن أن خالقهما – وهو المؤلف الحاذق – أخطأ حين خلق شخصية إبليس؟
- ربما.
- كلا ! لو لم يوجد إبليس في الحكاية، لكانت الحكاية سخيفة المعنى، ساقطة، مهلهلة الحبكة. وقد أدرك المؤلف المبدع هذه الحقيقة. وإذ أدركها، تحتم عليه أن يخلق في حكايته شخصيةَ إبليس ليكون مصدراً لتحريك حياة مخلوقيه. إنه إنما بخلق هذه الشخصية الضرورية اللازمة، نجح في إنقاذ حكايته من برثن موت فني كان محتوماً لولا أن أوجد لها تلك الشخصية.. وإنما بإيجاد هذه الشخصية، استطاع المبدع أن يحرر عيش أبطال حكايته من الرتابة، من الجمود، من السكون، من اللا معنى.
قال الضابط بلهجة ساخرة:
- إذن فهما مدينان لأبليس بنعمة الحركة.
- تماماً كما ستدين لك قرية الفردوس بنعمة الحركة بعد ساعات من الآن. ألست هنا كي توقد شرارة حركة تقلب أركان السكون في القرية رأساً على عقب؟
تجهم وجه الضابط، قال بشيء من الغيظ:
- عمّ تتكلم؟ أوَتراني جئت إلى القرية لأقلبها رأساً على عقب؟ تتكلم وكأنك تجهل مهمتي، كأنك لا تعرف الغايةَ من مقدمي!
وانفرجت أسارير الرجل الغريب انفراجاً واسعاً امتلأ بالتسامح والمرح، قال:
- تعبر ذاكرتي الآن - وأنا أسمع كلامك هذا - أصداء من حكايات جدتي. كانت جدتي في طفولتنا تروي لنا حكايات مشوقة لذيذة. في مرة – وربما في مرات – روت لنا في حكاية من حكاياها عن فتى رضيّ الخلق شجاع، يتلقى مساعدة كريمة سخية من كائن يتصف بالحكمة، ويمتلك قدرات فائقة عجيبة. وقد تمثلت مساعدته للفتى داخل الحكاية بصورة شَعْرةٍ ينتشها الكائن المقتدر من ذقن الحكيم، إذا أحرقها الفتى - وهو في مأزق عصيب انزلق إليه سهواً أو بغباء أو بفعل قوى شريرة، أو ظروف لعينة - جاءته نجدة فورية من ذاك الكائن ذي الحكمة والمقدرة، وانتشلته من مأزقه في غمضة عين. هيء، هيء، هيء…
- أتضحك ثانية؟ ما الذي يضحكك؟
سأله الضابط، ولكنه الآن وقد فهم الباعث له على الضحك، خلت نفسه مما وسوست له من ظنون في بدء حديثهما.
- خذ، إليك شعرة من ذقني، احرقها إن وجدت نفسك في مأزق عصيب، وستراني كالضوء أسرع إلى نجدتك!
- أتنوي الذهاب بالفعل؟
- أنا ذاهب.
- أيجب أن تذهب؟
- يجب أن أذهب.
- فأخبرني قبل أن تذهب: كيف هو؟ أهو حقاً، كما قد قيل لي: بخيلٌ أبيضُ من سربال الطباخ؟
- من؟ مختار القرية!؟
- أجل.
- أتصدق أنه كذلك، كما قد قيل لك؟
- إن لم يكن كذلك، فكيف تفسر لي عدم خروجه إلى استقبالي؟ ألا ترى أنه تأخر عنه؟
- تأخره في الخروج إلى استقبالك، له سبب آخر بعيد عما يدور في خلدك، ولسوف تقف عليه عاجلاً.
- إذن فهو ليس بالصفات التي نسبت إليه.
- اطمئن! أبو يوسف نديّ الكف. لن يدعك ورجالك تقفلون جائعين، هذا لن يحدث أبداً !
قال الغريب ذلك وهو يبتسم في خبث رجلٍ عِفْر. ثم لم يلبث أن أتبع قوله بسؤاله:
- أهو الذي أخبرك أنه أبيض من سربال الطبّاخ؟
- ...
صمت الضابط، لم يجب، فانتهز الرجل الغريب الفرصة ليواصل كلامه بتدفق في هذه المرة، وبحماسة:
- أهو سلفك؟ إنه سلفك بلا شك. ليس غير سلفك من يقول ذلك.. أعرف سلفك حق معرفته. أعرف لفظه بحقيقته ومجازه، أعرف تعبيره المشين بالكناية " أبيض من سربال الطباخ " هذا الذي لا يصدر إلا عن ضمير قذر فاسد ميّت كضميره يرمي الناس بالبخل، ولو جادوا عليه بكل ما يملكون، أعرف رأيه المعوج في الناس، أعرف خبث طويته وقبح جبلته وسوء نواياه، أعرف ما كان يضطرم في طياته من شهوات. كان سلفك نهماً في كل شيء، متلهفاً إلى امتلاك كل شيء دفعة واحدة، رغيباً بكل شيء، شهوانياً لا يعفّ حتى عن القاصرات.
- أيعيبه أنه كانت فيه كل هذه الصفات والميول؟
- كلا ! فمثل هذه الصفات، في اعتقادي، ضرام الحركة، وقودُها. وأنا نصير الحركة، كما تعلم، خصمٌ عنيد للسكون. ولست أعيب عليه شيئاً من ذلك لسبب آخر، هو أنني كنت أنتفع من عيوبه - هذا إن شاء امرؤ أن يسمي هذه الصفات والميول والمذاهب عيوباً - كما كان هو ينتفع أيضاً بعيوبي. فكيف، والحال هذه، أعيب عليه أو عليك شيئاً منها؟
- ألا يسوءك حقاً أن أنهج نهجه؟
- لا، لا يسوءني ذلك ألبتة. احذُ حذوه، ولا تخشَ أن تلقى مني معارضة ولو هينة غير جدية.
- ولكني اليوم لست لشيء مما كان سلفي يتلهف إليه.
- أدري. إنك اليوم لِتوطئة السبيل إلى ما كان سلفك يتلهف إليه. والتوطئة حركة ستنتج تغيرات حافلة بالمعاني.
- من أنت!؟ حتى الذي في السرائر، لا يخفى عنك. ليتك ترافقني حتى انقضاء مهمتي!
- لا بد من ذهابي
قال الضابط معاتباً:
- وتحجب عني سرّ ذهابك!؟
- لا يفيدك أن تعرف سر ذهابي.
سأله:
- متى نلتقي، إن ذهبتَ؟
- قريباً.
- متى؟
- قبل غياب الشمس.
- ألعلك تتوقع أنني سأحتاج إلى معونتك اليوم قبل غياب الشمس؟
- لا أتوقع، بل أنا على يقين من ذلك. الضباط لا غنى لهم عن معونتي. إنهم يحتاجون إليها في كل حين.
وقبل أن يخطو الرجل الغريب خطوته الأخيرة، بعد أن ولَّاه ظهرَه، وينطلق بعيداً عنه، لفت انتباهَه إلى بوابتي الرحبة الضيقتين قائلاً:
- ما أسهل إغلاق هاتين البوابتين في بضع دقائق بساتر صلب يعوق السيارة عن الخروج من الساحة. أتراك فهمت قصدي؟
- أنا من يفهم قصدك. هل ساورك شك في فهمي له؟ كأنك نسيت أنني عسكري؟
- كلا، لا يساورني شك في فهمك قصدي. ولكنَّ فهمك قصدي من هذا الذي ألمحتُ إليه، لا يغنيك وحده عن أمور أخرى لا بد لك من فهمها لإنجاز مهمتك اليوم بنجاح.
- أحجية أخرى من أحجياتك! ما الذي عليّ أن أفهمه زيادة على ذلك كي يتحقق لي أن أنجز مهمتي بنجاح؟
- أذكرك بأن المختار أبا يوسف، شيخ مجرّب ضرسته الحياة، وهو…
قاطعه الضابط في ضجر:
- قد علمت ذلك عنه.
- إذاً فأضف إلى علمك أنه حليم، وأن للحِلْم عنده تخْمَاً مثل كل المعاني المفردة المشابهة له؛ أي للحلم. وأنت ما تزال فيك حماسة المستجدِّ ذي الغرارة والتهوّر.
- عدت لتلهو معي بالطلاسم والألغاز.
- بل أحذرك من أن تنطفئ جذوة حماستك وتذهب غرارتك ويعتدل تهورك؛ فتنكص عن تجاوز تخم حلمه رحمة به وإشفاقاً.
- وماذا يمكن أن يصيبني من شر، لو تحقق ما تحذرني منه؟
- أخفقتْ مهمتُك؛ فغلب السكون بإخفاقك فيها، وظل مخيماً على القرية. وإن كنت تحلم بالترقية، فلربما خسرت الترقية.
ولم يتح الغريبُ للضابط أن يرد أو يعقِّب على كلامه بشيء، أسرع فختمه قائلاً بلهجة حاسمة رشح منها تهكم لطيف فكه:
- ربما تجد نفسك في مأزق كمأزق الفتى الطيب الشجاع في حكاية جدتي، وحينئذ لن تنسى أن تحرق الشعرة، أليس كذلك؟ إياك أن تنسى، احرق الشعرة في اللحظة التي يحين أوان حرقها، لا تتلكأ !
وتحركت يد الضابط عفو إرادته، تحركت حركة لا شعورية. رفع ذراعه الأيسر المسبل على جنبه، ثم أدخل يده في جيب سترته، وجعل يتحسس بها ما بداخل جيبه مريداً أن يتثبَّت من وجود قداحته فيه، بينما كان الغريب يبتعد عن أنظاره ملتفاً بلعاب الشمس، ويبتعد حتى ابتلعه فراغ عميق لا نهاية لعمقه امتد خارج بوابة الساحة الشرقية على شكل كوة وجودية مستديرة واسعة من ضياء مبهر حاسر للعين.
كان ثلاثة من رجاله لجأوا إلى ظل أقرب سقيفة من دور القرية الكثيرة متفادين لهيب الشمس خوفاً من أن يذوّب اللهيب جماجمَهم، رغم أن جماجمهم لم تكن عارية مكشوفة، متعجبين من صبر الضابط - وهو حاسر الرأس - على محادثة الرجل الغريب تحت وقدة مخاط الشيطان، ما عدا الدركي الرابع الذي سقطت كمّتُه أثناء رفعه غطاء السيارة، فإنه كان مفارقاً لزملائه واقفاً إلى جانب الضابط والرجلِ الغريب؛ يصغي إلى حديثهما بانتباه وتركيز؛ مما مكّنه من أن يتلقف بعض معان طفت على سطح حديثهما ويفهمها. بيد أن ذهنه قصر عن إدراك المعنى الكلي الراسب في قاع حديثهما الزاخر.
ولا أحد يدري لماذا لم يُدهِشِ الدركيَّ ورفاقَه، ويستثر اهتمامَه واهتمامهم، ذهابُ الرجل الغريب في عزّ الظهيرة، واختفاؤه عن أنظارهم على ذلك النحو اللا مألوف إلا من السحرة وأرباب المعجزات.
كلبةُ أم غطاس (كَرِه) الصماء وحدها بدت مهتمة بمغادرة الرجل الغريب للجماعة. ذبابةٌ مشاكسة جائعة وقحة، أيقظت الكلبةَ لحظة أن مرّ الرجل الغريب بقرب شجرة التوت الهرمة مرور الطيف متوجهاً نحو بوابة الساحة الشرقية، فوقعت عينها عليه مصادفة. وفي الحال اتخذت الكلبة هيئة الدفاع الشرسة، وأطلقت عليه من شدقها الواسع المبتل بلعابها نباحاً تحذيرياً متقطعاً دون أن تخطو خطوة واحدة إلى الأمام تبعدها عن مكانها، عن خطِّ دفاعها الأول. ولكن نباحها لم يطل أن سكن حال أن غاب الرجل عن عينيها؛ فعادت الكلبة الصماء السوداء لتغفو من جديد في مرقدها الظليل.
أما الطفلان، فتسمرا بقرب السيارة، يوصوصان مثل جروين جمّد الفضولُ حركتهما، في حالة تماثل حالتهما عند أول ظهور للسيارة في الساحة، ولكن في وضعية الوقوف.
كان أحدهما وضع الجردل الفارغ الذي أخذه من حوش الأرملة أم هاني بأمر من الشرطي، إلى الأرض بجانبه بعد أن ناء حملُه به. وكان الآخر، وقد أراح ذراعه على كتفي الطفل حاملِ الجردل، معتمداً عليه بوزنه الخفيف في وضع من يتجنب السقوط، حتى أصدر الضابط، وهو بادي الامتعاض، الأمرَ للشرطي الرابع الذي كان ينصت إلى حديثه مع الغريب بانتباه، أن يطرق الباب على المختار. لقد بات غير محتمل أن ينتظر خروج المختار إليه. جال في ظنه أن المختار، لا يخرج إليه إلا إذا نبهه إلى وجوده بالطَّرْق على بابه.
يد الشرطي الرابع قابضة على حمالة بندقيته، وكان أخرج بندقيته من السيارة عقب أن اختفى الغريب، وعلقها على كتفه. بطفرة رشيقة مدروسة من رجله اليمنى، تلتها خطوات موزونة منضبطة، نفذ الشرطي هذا أمرَ الضابط. وبرشاقته الموزونة تلك توجه نحو الهدف المومى إليه. ولأن له قِدماً في الخدمة بهذه المنطقة وزياراتٍ كثيرة لقرية الفردوس؛ لم يحتج لأن يسترشد الطفلين في العثور على بيت المختار أبي يوسف.

- 4 -
لو كان تسنّى للضابط، أن يرسم في مخيلته صورة لهيئة المختار الخارجية، وهو ما يحدث عادة في مخيلة كل إنسان يكون على موعد أو على غير موعد بلقاء إنسان آخر لم يسبق له أن التقى به أو رآه من قبل، لرسمها - على الأرجح - وقد ظهر فيها المختار متين البناء، طويل القامة، مُدْمَج الآراب، مهيب الطلعة. لكنه إذ لم يتسنَّ له في غمرة انشغاله بمحادثة الرجل الغريب، أن يرسم له تلك الصورة في مخيلته، فإنه لم يفاجأ به إذ رآه شيخاً طاعناً - الطعن باعتبار الزمان والمكان - تجاوز مرحلة الكهولة، وقارب أن يتهدم، نحيف البنية، صغير الجثة، له شارب ناصع البياض، إلا أن ما تهدل من شاربه على شفته العليا وكاد يغطيها، كان من كثرة التدخين أصفر صفرة قاتمة مالت إلى السواد. طرفا شاربيه ارتفعا إلى الأعلى افتخاراً، جرياً على عادة أبناء جيله الذين كان ذلك في تصورهم رمزاً من رموز الرجولة كما هو معروف. يرتدي جلباباً نظيفاً ناصع البياض كشاربه، ويغطي رأسه بكوفية في دقة نسج الإبريسم وملاسته، غطت هامته، وانسدلت على كتفيه من غير أن يضبطها عقالٌ، بيضاء أيضاً كشاربه وجلبابه.
ولم يكن ظهور المختار بكوفية بلا عقال في أول لقاء له بالضابط الجديد، مما يقرّه دون تحفظ واحتراز، الذوقُ وآداب السلوك المرعية. ولكن المختار - وهو الملتزم بآداب السلوك - كان له في هذه المرة ما يبرر ظهوره بكوفية بلا عقال، في نظره على الأقل. فإنه حين بلغه نبأ قدوم الدرك، وهو في الغرفة الداخلية مع حفدائه يشاركهم في بعض لهوهم، لم يجد متسعاً من الوقت للبحث عن عقاله الأسود الضائع عنه؛ كي يثبِّت به كوفيته فوق رأسه. كانت حفيدته الصغرى المشاغبة (لوجي) في عبثها به أخفته تحت حشية من الحشايا. وإنه لمن حسن حظه أن حكاية العقال، لم تلفت انتباه الضابط على الإطلاق. والأهم من ذلك أن هيئة المختار، بنيته الخارجية المرئية، لم تولّد لدى الضابط انطباعاً عنه بالزراية والاستصغار. وهو أمر كان محتمل الحدوث بل مرجحاً إلى أبعد حد، لو لم تكن الحالة التي شملت لقاءَه بالمختار استثنائية.
للضابط فراسته، وله حواسه. وبفراسته وحواسه، أدرك حقيقةَ المختار. ورغم أن المختار لم يكن ممن تخبر عن مجهوله مَرآتُه، فإنه أدركها من غير جهد، وفي سرعة قياسية! أدركها حال أن مدَّ إليه المختار يده ليصافحه بتلك الحركة المتزنة الوقور النادرة، وبتلك الابتسامة الهادئة الموشحة بمعاني الرجولة. ولشد ما سرَّه أن أدرك حقيقته بتلك السرعة وبذلك اليسر.
ولكنه حين ومض في ذهنه الفضول لمعرفة الباعث على سروره أن أدرك حقيقة المختار بتلك السرعة وذلك اليسر؛ لم يهتد في الحال إلى معرفته أو تحديده. إن أمر سروره من إدراكه حقيقة المختار بتلك السرعة وذياك اليسر، سيكون أمراً من الأمور التي لن تتكشّف للضابط علتُه قبل مجيء اليوم الذي سيبحث فيه عن علته بحثاً متأنياً. وهو يوم لن يأتي إلا بعد أن تمرَّ بضعة أعوام على وقوع أحداث قرية الفردوس.
ها شيخ رزين يقف بإزائه الآن، شيخٌ عاقل رصين، شيخ مظهره يناقض جوهره، ولكنْ مناقضة إيجابية لا سلبية.
وإذ حضر الضابطَ رأيُ صاحبه الرجل الغريب في مزايا المختار النفسية الداخلية بتلك السانحة، صدّق على قوله بصمتٍ وكتمان.
يدُ المختار، رغم تقدمه في العمر، ورغم ضآلة تجاليده، صلبةٌ متحجرة جاسئة تشبه يد عامل في مقلع لقطع الحجارة أو حداد. ضغط الضابط عليها ضغطاً رفيقاً. ثم ضغط عليها بعد ذلك ضغطاً أشد وأقوى، فرأى شعاعاً من الحزم ينبثق من عينيه الكليلتين؛ ولألاءَ ذكاء وحكمة يضيء ثنيات جبهته العريضة الصفراء المقرمدة؛ فتملكه الإعجاب به. وزاد إعجابه به حين سمعه يعتذر إليه عن تأخره في القيام إلى استقباله بكياسة، معللاً تأخره عن استقباله باضطراره إلى الانتقال مع أفراد أسرته إلى الحجرات الداخلية بحلول الظهيرة الساطع حرها.
كان ترحيب المختار بالضابط وبرجاله عقب الاعتذار جميلاً، حلو المذاق، استطابته نفوس الدرك جميعاً. لقد رحب المختار بهم بلغة متخيَّرة الألفاظ، عميقة النبر، بلا ضجيج، بلغة خلصت من الانفعالات المرتبكة المستكرهة التي تثيرها عادة الزياراتُ المفاجئة المريبة للدرك، وموظفي الحكومة.
ولم يطل بالمختار أن قاد ضيوفه قوداً أنيقاً إلى المضافة حجرةِ الاستقبال. وهي حجرة فارهة فسيحة مزودة بالفرش والوسائد والطنافس والبسط والحصائر، ولها رائحة خاصة بها تميزها عن غيرها من حجرات الدار تفوح منها على الدوام في كل فصول السنة وأوقات النهار. إنها رائحة التراب المبلل.
وما كاد المختار يستقر في مجلسه بجانب الضابط على دَوْشَكٍ وثير محشوّ بالقطن، حتى جاءه ولده الثاني إبراهيم بعقاله الأسود الضائع عنه. فتناوله وأحكم وضعه على رأسه ثم سوّى كوفيته، وانتظر قليلاً ريثما ينتهي ولده من التسليم على ضيوفه مصافحةً باليد؛ ليأمره بمنطقه المعروف - وهو المنطق الذي اختص به الأجواد بالفطرة من أمثاله عن سواهم من الذين يتكلفون الجود رياء؛ منطق مركب من خصلتين لا تفارقانه على الدوام هما العفوية والصدق - أن يذبح خروفاً ودِكاً سميناً على شرف الضابط الجديد.
ولكن الشرطي المتقدم في الخدمة، تمكن من اللحاق به، وهو على عتبة باب الإسطبل الكبير لما يلجه بعد، واقترح عليه أن يذبح ديكين هنديين، وثلاث دجاجات للغداء وبس، عوضاً عن الخروف الذي رأى الشرطي أنه من الأفضل والأليق بالمناسبة أن يُقدَّم هدية للضابط الجديد رئيسِه.
ولكي يقطع الشرطي الطريق على أي اعتراض يمكن أن يصدر عن إبراهيم الابن الأوسط للمختار ضد اقتراحه، أكد له بابتسامة العارف، وبلهجة الذكي المخادع، أن لحم الدجاج الأبيض في فيح هذا النهار، أمْرَأُ، أسهل هضماً من لحم الخروف المسمّن.
وتقبل ابراهيم اقتراح الدركي على علاته، على الرغم من مخالفته لأمر والده، بطيبة خاطر. لم يبدر من إبراهيم اعتراض عليه، ولو في صورة ملاحظة عابرة.
إنه لمن الطبيعي أن يتقبل إبراهيم اقتراحه دون اعتراض ودون إبداء ملاحظة ما.. وأنى له أن يعترض عليه، وهو ابن المختار؛ الابن الذي نشأ على خلق ينهى عن رفض أي طلبٍ أو رغبة لضيف من ضيفانه؟
غير أن الشرطي، مع ذلك، رجع إلى المضافة مزهواً بسداد اقتراحه ووجاهته زهوَ المنتصر على خصم معارض مناوئ، فرحاً مسروراً من أنه ضرب، على حد تفكيره، عصفورين بحجر واحد: فهو – واستثنى نفسه من الانتفاع - قد نفع الضابط قائدَه من جانب، وقلَّص في تصوره وحسابه، حجمَ الإسراف لصالح بيت المختار من جانب آخر.
ومهما يكن من الأمر – كذا عالج الدركيُّ المسألة في ذهنه - فإن بينه وبين المختار وأبنائه، خبزاً وملحاً وصداقة، وإن تكن صداقةً من نوع مغاير، من نوع مختلف تماماً عن الصداقة الشائع مدلولها بين عامة الناس، والمتمثلة في سلوك الأفراد من أهل المروءات الجميلة، والتقاليد المتبعة الحسنة.

- 5 -
كانت الأم (رِفْقَة توران) زوج المختار البالغة من العمر ما لا يقل عن ثمانية وخمسين عاماً، توزع على كنَّتيها توجيهاتها ونصائحها المستخلصة من خبرتها الطويلة في فن الطهو بلغة خالية من أي دلالة تفيد السيطرة والتحكم؛ وهي جالسة على كرسي خشبي صغير عند باب المطبخ من دون أن تسند ظهرها إليه أو إلى الحائط، تقشر البصل وتفرمه بالسكين. وقطتها السوداء (لولي) مستلقية على جنبها خلف كرسيها غير عابئة برائحة البصل، بخلاف سيدتها التي كانت بين الحين والآخر تمسح بخرقة إلى جانبها ما يسيل من أنفها المحتقن.
إن الأم رفقة مذ أصابها الداء في ركبتها اليمنى، باتت شبه عاجزة عن النهوض لأعمال الطبخ التي أمست شاقة. وقد ساءت حالها في المدة الأخيرة، حتى صارت كلما وقفت عليها ومشت، حلّ بها ألمٌ ثاقب فأقعدها عن المشي. ولكنها قلما تشكو.
الزمنُ ! إن كانت الأشياء لا توجد إلا بوجوده، ولا تتحول إلا بتأثيره وفعله، فهو إذاً ليس مبدع الجمال المتجسد ومونِعُه وحسب، بل هو مزويه وقاتله. من السخف أن يعتقد المرء أن الزمن لا ينخر الجمالَ بتقادم السنين حتى يذويه ويميته. ولكن الزمن قد يرأف أحياناً، على ندرة، بالجمال فيؤجل إذواءه وإماتته بالنخر، أو ربما أنسي إذواءه وإماتته به، أو ربما أحب أن يأتي معجزة بتأجيل إذوائه وإماتته. وبحسب هذا التقدير أو الرأي، مع أخذ أفاعيل الزمن من الرأفة والنسيان والإعجاز بعين الاعتبار، فإنه لن يكون مستغرباً أن تُوصَف الأم رفقة بالحسن والجمال، وهي في خريف عمرها.
إنها امرأة جميلة الطلعة حقاً! لم ينقص الزمن من جمالها إلا إلا قليلاً، لم يخبُ ضوء حسنها بتقادم السنين، ولا خبا أو نقص بما تقاسيه مؤخراً من آلام مبرحة في ركبتها اليمنى عند الوقوف عليها طويلاً، أو السير بها مسافة يشق عليها احتمالها. جمالها ما يزال ينشر في عين ناظرها أرجاً طيب العَرْف. لو يلمحها غريب ليست له بها معرفة سابقة، وهي تقف أو تجلس أو تمشي إلى جانب زوجها المختار أبي يوسف؛ فإنه لن يتمالك أن يتعجب مما بين صورتيهما من الافتراق والتنافر والتضاد. ولا غرو إن هو لم يصدق أنهما زوجان إلا بعد أن توضع بين يديه أدلة الإثبات.
بقدر ما يتصف المختار به من دمامة الخلقة، تتصف هي (رفقة) بجمال الخلقة. والجمال للمرأة في كل مراحل العمر - ومن هنا الاهتمام بهذه الصفة لدى الأم رفقة - منحة مجانية من أمها الطبيعة. وهي رغم مجانيتها، لا تقدّر بثمن كالولد البرّ، والزوج الصالح.
ولم يكن هذا التضاد في أي يوم من الأيام نُغْصةً في قلبها، ولا باعثاً على الاشمئزاز من زوجها في فراشها، ولا باعثاً على خيانته في أحلام يقظتها، مثلما هو حال عدد من اللواتي يرغمهن الحرمانُ من أزواج تتوفر فيهم خصال الجسد التي يتعشَّقنها، إلى خيانة أزواجهن في أحلام يقظتهن أو نومهن.
كانت الأم رفقة راضية عن زوجها بل سعيدة به وفخورة. ما ندمت قط على زواجها منه. هي التي بملء إرادتها اختارت أن تتزوجه. لم يرغمها أحد على أن تقترن به، ولا حتى زيّن لها الاقتران به، فكيف لا تكون حبيَّة به فخورة رضية سعيدة؟
رفقة الشابة التي كانت صورتها البديعة الممخوطة من أنف إلهة من آلهات الزمن الغابر، تغترق أنظارَ الرجال من كل حدب وعمر، فتسحرهم بفتنتها، وتجتذب قلوبهم إليها عنوة وتلهيها عن كل منظر بهيج، ردّت على الذين دهشهم اختيارُها، وعلى الذين تأسفوا أسفاً صادقاً عميقاً، والذين أنكروا عليها أن تدفن جمالها البارع المسكر في أحضان الدمامة: „ رجولة المختار وأخلاقه وثراؤه خير لي من جمال لا يرد عن أبنائي الذين سأنجبهم وعني غِيَر الدهر وغوائله" .
ومن غير استدعاء، أقبلت الأرملة أمُّ غطَّاس لإعداد حلوى الزلابية والخبز المرقوق على الصاج. أم غطاس – والحق يقال - أبرع نساء القرية في صناعتهما. وهي مفعمة بالنشاط، جمة الحركة، لا شيء في دنياها يسليها عن هموم عيشها، ووحدتها، وفراق ابنها غطاس وبعدها عن أحفادها، ويمتعها في الوقت ذاته، أكثر من تقديم خدماتها مجاناً، دون مقابل، لكل من يحتاج إليها. وهي إذ تعرض أو تقدم خدماتها لمن يحتاج إليها، لا يهمها إطلاقاً من يكون هذا المحتاج، ولا أين يكون.
إنه لمن النادر جداً ألا تُرى أم غطاس حاضرة بنشاطها وبراعتها وخبرتها وبجهدها المبذول بسخاء؛ في ولائم الأعراس، وولائم الوفيات، وولائم المناسبات الدينية، وفي المآدب الكبيرة التي تقام في الفردوس، أو تقام في سواها من القرى في بعض الأحايين.
مات عنها زوجها بمرض مجهول، وهي بعد في العشرين، ولها منه ابنها الوحيد غطاس، ومع ذلك فإنها رفضت عروض الزواج من بعده على دأب أكثر أرامل ديلانة اللواتي أنجبن أطفالاً من أزواج ماتوا عنهن، وهن في ريعان عمرهن، واللواتي يرين في العزوف عن الزواج بعد الترمل فضيلة تتمثل في الوفاء للزوج المرحوم، وإنكار الذات من أجل الولد.
في السنة التي شهدت مجيء عالم الآثار ( ل ) من الحقَّانيّة للتنقيب عن آثار التاريخ القديمة الدفينة في تل الفردوس، كان ابنها غطاس بلغ الحلم، وشبّ عن الطوق. وإذ ظهرت فيه، رغم أمّيّته، مخايلُ الذكاء والفراسة في التنقيب؛ أعجب به عالم الآثار إعجاباً سيعبر عنه عملياً بأن يعرض عليه في اليوم الذي انتهت فيه عمليات الحفر في التل، أن يرافقه في أعماله، وأن يقيم بالقرب منه إقامة دائمة في الحقانية، فما أعرض غطاس بوجهه عن العرض السخي المقدم له.. وافق عليه دون تردد، دون تفكير، بل عدَّ العرضَ ضربة حظ لا يجود الزمان بها على إنسيّ من أمثاله إلا مرة واحدة في العمر.
وكان غطاس ابن الأرملة نبيهة أوك – على ما جاء في سجل الأيام الخاص بالفردوس - أوّلَ من هجر قريته إلى الحقانية. هجرها قبل أن يلمّ الخطب بالفردوس، في وقت لم تكن فيه فكرة الهجرة عن الفردوس إلى الحقانية، تخطر في بال أحد من أهاليها.
لم تعترض الأرملة على قرار ابنها اعتراضاً جدياً، ولا على زواجه من ابنة أخت عالم الآثار (...) فيما بعد. بيد أنها دفعت عنها بعناد وصلابة محاولاته المتكررة التي كانت ترمي إلى إقناعها بهجرة القرية، واللحاق به حيث استقر، وغضُر عيشه.
وما برحت الأم ترفض محاولات ابنها المتكررة جميعاً، حتى يئس منها، فكف عنها. كانت إذا فكرت بالبعد عن تربة زوجها، هالها التفكير بذلك. وكانت إذا فكرت بإخراج عظامه من قبره، لتحملها معها إلى حيث يريد لها ابنها أن تقيم - كان غطاس اقترح عليها فكرة إخراج عظام والده من قبره، ونقلها إلى الحقانية؛ وهو اقتراح كان يأمل منه أن يسقط المانع من قبول أمه لفكرة الهجرة عن الفردوس – أخذتها الوهلة، شلها الرعب..
أن ترى أم غطاس زوجها رِمّة، من بعد أن كان ممتلئاً بالحياة، فذلك ليس مما تطيقه أعصابها، ولا مما يستوعبه عقلها.
وهي تجتاز الساحة من دارها إلى دار المختار، رأت سطلَها ملقى إلى جانب السيارة مقلوباً على جنبه بإهمال. كان الطفلان يغادران مكانهما ليتبعا الدرك من بعيد تاركين السطل خلفهما.
زعقت الأرملة بهما غاضبة:
- أعيدا الجردل إلى مكانه أيها الكسولان، أعيداه أيها العاقان! ولكن الطفلين لم يحفلا بزعيقها الغاضب، تجاهلا طلبها الآمر بإعادة السطل إلى مكانه، وكأنهما لا شأن لهما به ألبتة، أو كأنهما لم يسمعا ما طلبته منهما. فلم تجد الأرملة حينئذ بداً من إعادته بيدها إلى مكانه في الزاوية المخصصة له من فناء دارها، وهي تتهدد الطفلين بعقوبة لن تنزلها بهما أبداً، بعقوبةٍ ستنسى أنها نطقت بها، فور أن قفلت راجعة واتجهت نحو دار المختار لعرض وتقديم خدماتها.
وأوكلت نائلة بقية شغل بيتها لابنتها جيلان التي كان خيالها يزداد أواره كلما أحست بدنوِّ وقت القيلولة، وخرجت من بيتها إلى بيت المختار مغالبة مزاجها المكتئب السوداوي؛ كي تساعد خالتها رفقة وكنّتَي خالتها في إعداد طعام الغداء للضيوف، ولا سيما أنها كانت على علم مسبق منذ الصباح بأن ابنة خالتها (غَنِيَّة) زوجة ديكران غيراغوسيان، غائبة في زيارة أختها (حَبِيْبَة) في قرية (أرْكَح) القصية بمرافقة بناتها الثلاث.
وانحدرت الشمس عن سمتها ببطء. ورفعت في المضافة صحاف الطعام وأطباقه فارغة ممسوحة ملمعة كما لو أنها مجلوة بالصابون والماء الحار. فأما ما تخلف عن الطاعمين من عظام، فصار من نصيب الكلاب التي أيقظ جوعَها فوحان رائحة الطعام المثيرة للقَرَم.
بعد الغداء، بعد غسل الأيدي من سلأ الدهن اللامع المتقطر منها، تفكّه الطاعمون. تناولوا باكورة فاكهة الصيف عنباً أحمر ضارباً إلى السواد يدعونه السابق (ويلفظونه في دارجتهم امْسَبَّق؛ لأنه يسبق في النضج كلّ أصناف العنب الموجودة في منطقتهم) جيء به من كَرْم المختار أبي يوسف، وبطيخاً أصفر من حقل صهره ديكران زوج ابنته الكبرى غَنِيّة. ثم قُدّمت لهم الزلابية، حلوى الأرملة أم غطاس المشهورة ذات الصيت، فتناولوها كما تناولوا السابق والأصفر بشهية عظيمة مفتوحة كبوابة ساحة القرية الغربية سُرَّت منها الأرملة أيما سرور حين أُخبرت بها؛ بل هاج في نفسها من ذلك الخبر اعتدادٌ وفخر دام أثرهما الحلو المنعش في أعطافها نحو ساعة وأزيد.
ولما فرغوا من تناول الحلوى، أقبلوا على الشاي يحتسونه من أقداح صغيرة من البلور المذهب، فضجت المضافة من إيقاعات حسوهم الصاخبة. وشرعوا مع حسوهم أقداح الشاي، في التدخين، حتى غدا جوُّ المضافة من الدخان الذي تمجّه أفواههم وأنوفهم الشبيهة (ببواري) مدافئ الحطب والجلّة؛ سماءً خَمَلت سحائبُها البيض الرمادية.

- 6 -
نوافذ المضافة مشرعة، بابها مفتوح على سعته، لكنّ الهواء ما زال يلفه السكون.
كان المختار في هذا الوقت قلقاً متوتراً، يجيش ذهنه بالسؤال الذي سبق أن جاش به ذهنُ أسعد توتونجي وزوجته نائلة من قبله. كان يتساءل في سرّه كما كانا قد تساءلا، وكما قد يكون تساءل غيرهما من أهل الضيعة من أولئك الذين علموا بقدوم الدرك إليها: „ ترى ما عسى أن يكون مختفياً وراء الزيارة المفاجئة للضابط الجديد في ظل القيظ؟".
ولأن آداب الضيافة لا تبيح للمختار أن يسأل ضيفه عن دواعي زيارته؛ كان عليه أن يحتمل مضاضة الصبر، أن ينتظر بصبر ثقيل كالرصاص إلى أن يخطر للضابط الإسفار عن غايته من زيارته المفاجئة له. هذا فوق احتماله عناء ملاطفة ضيوفه ومشقة مؤانستهم في وديقة نهارٍ لولا مرارة قواه الباقية وصمودها المتفاني؛ لألمّ به العجز عن احتمالها، وقهره النوم.
بيد أن تفكير المختار بمقدم الدرك، لن يلبث مع مرور الوقت أن تنكسر حدته، ثم لن يلبث بعد انكسار حدته أن يتلاشى تمام التلاشي، وكأنه لم يكن له حضور سابق في ذهنه.
والحق أن ذهن المختار ما عاف السؤالَ عن أسباب مجيء الدرك، إلا لأنه تبين له أن تفكيره في أسباب مجيئهم، لن تتمخض عنه نتيجة. إن النتيجة (علة قدوم الدرك) لن يأتي بها ذهنه أو يستدل عليها، مهما يسترسل في التفكير، وإنما يأتي بها تصريح من الضابط. فلماذا يتعين عليه إذاً أن يكد ذهنه بالتفكير فيما لا يمكن لتفكيره أن يتوصل منه إلى نتيجة ؟
ولكن نعاساً خدراً لذيذاً يحس به الآن، نعاساً ينساب في شرايينه رقراقاً كجدول من سلاف.. ينساب ببطء، يتهادى بخمول عذب مستهدفاً أن يبلغ مصبَّه في بحيرة ذهنه. يتوق المختار مع إحساسه بانسياب الخدر في عروقه، توقاً عرماً إلى نوم بلا قاع. ولكن كيف ينام، وفي النوم إزدراء بوجود الضيوف، وإهمال لواجب الضيافة؟
لا بد له من مصارعة النوم، لا بد له من أن يستميت في الحيلولة دون بلوغ الخدر مصبَّه من ذهنه. إن خدر النعاس مؤثر في الحواس. الخدر يعكر صفاء الحواس إلى حد أنها قد تضحي وهي لا ترى الأشياء على حقيقتها، كما هي، ولا تسمع الأصوات كما تحدث في الواقع الذي تشهده وتحتك به مباشرة.
أما الضابط الشاب، فبخلافه هو ! الضابط متنبّه يقظ رغم الحر وكظاظة الطعام. ذهن الضابط، يعمل بحيوية، وحواسه تعمل بحيوية أيضاً مثلما يعمل ذهنه. بل جماعة شخصه كلها تعمل بحيوية ونشاط. تعمل عمل آلة مصممة على أن تدور وتدور بلا توقف، بلا كلول.
ها هو الضابط يذاكره في مَثَل سائر معروف. وهو يصغي إليه بانتباه. يسمع الضابطَ يذاكره في المثل السائر. صوت الضابط وهو يذاكره في المثل كالصدى يأتي من واد سحيق تحت خط الأفق البعيد. صوته يلمس سمعه، وإن كان قادماً كالصدى من بعيد. وإنه لمفهوم مدرك المعاني واضح الألفاظ رائق لا يشوبه غموض.
إن أُذن المختار لا تخطئ: الضابط يذاكره في مثل سائر، وهو يصغي إليه كما يجب أن يُصغى إلى كلام ضيف محترم، بعينين جفناهما عاندا رغبةَ النوم في أن يرخيهما على عينيه!
يذكر له الضابط الآن ولجماعة الحاضرين في المجلس أنه كان في فترة التأهيل لدورة الضباط كثير الإعجاب بالمثل السائر المعروف ( كن عصامياً ولا تكن عظامياً ) ومتأثراً به تأثراً ملك وعيه. فلا يضبط المختار نفسه، وهو يسمع ذلك من الضابط، من أن يكلم نفسه متحيراً: „ أي مناسبة جرّت الضابط إلى تذكّر هذا المثل، وجرته إلى أن يعالجه في حضوره وحضور هذا الجمع؟ وأي غاية له من تذكره ومعالجته الآن في هذه اللحظة؟
أتراه يمهد بسرد المثل ومعالجته، لأن يقصَّ عليه بإسهاب جالب للنعاس حكايةَ اجتهاده ومواهبه الشخصية؟ أم تراه يلمّح، وحسب، إلى أن ما آل إليه حاله من الترقّي والسمو، إنما يرجع الفضل فيه إليه هو، إليه هو وحده نافياً بذلك أن يكون لآبائه أي إسهام في هذا الفضل.
ولكن لماذا؟
لماذا يلمّح الضابط بعصاميته منكراً بالتالي فضل آبائه عليه؟ ألعل آباءه، خاملو الذكر ذوو غمض؟ ألعلهم كذلك؟ فإن كانوا كذلك حقاً خاملي الذكر ذوي غمضٍ، فما الداعي إلى التنويه بخمول ذكرهم؟
غريب أمر هذا الضابط، إنه لغريب غرابة تجحظ لها العين! أما هو، أما أبو يوسف، فلا يصح على أية حال من الأحوال أن ينكر فضل أبيه عليه. ومن أبوه؟ كيف كان أبوه؟ أكان أبوه من أهل الحسب والجاه والعلم والمقامات والنسب يا هل ترى؟ أبداً ! كان أبوه حذّاء إسكافياً صانع نعال...“
وندت عن المختار المستسلم قهراً لإغفاءته اليقظى، إذ بلغ هذا العطفة من حديثه الداخلي، حركةٌ خرقاء. ارتفعت ذراعه غصب إرادته أمامه، امتدت على استقامتها لتشير إلى صورة لوالده صغيرة عتيقة هرى الزمن سوادَ لونها وبياضه؛ يحيط بها إطار خشبي أسود لم يبلَ بعد، معلقة على الجدار المقابل في منتصفه تماماً:
- هذه صورة والدي.
هتف المختار، هكذا هتف المختار : "هذه صورة والدي!!“.
ولو أن أبا يوسف المختار، وقد استيقظ وعيه من إغفاءته في اللحظة التي هتف فيها هتفته تلك، كان ماراً بمنزل من منازل القرية في ظهيرة يوم ينتعل المرء فيه ظلَّه، فصبت ربة ذاك البيت على رأسه سهواً من النافذة سطلَ ماء حار قذر مما تُشطف به آنية الطعام؛ لكان ذلك أخف وقعاً، بما لا يقاس، على حواسه ومشاعره من هذا الذي هتف به.
حركة صائتة بليدة أفلتت منه عنوة تحت تأثير الوسن على مرأى من هذا الجمع المتنبه، رغم كل شيء، لكل حركة تبدر منه، ونأمة تصدر عنه... حركة بليدة مخجلة فضحت وسَنَه في محضر الأضياف.
يا للنكد!
كيف له، وهو من هو، أن يقع أسيراً، ولو في حمارّة القيظ ، في قبضة الوسن !؟
حاول المختار المسكين مضطرباً مرتبكاً حييّاً أن يواري آثار حركته المفاجئة المخجلة المنكدة، إلا أنه لم يفلح في مواراتها. أفلح، وحسبُ، في انتشال ذهنه المجهد من هاوية الخدر، واسترداد ما كان قد تبدد من طاقته وحيويته في زحام الحر والتعب.
على أن الضابط كان رؤوفاً به – على عكس رجاله الذين جعلوا يتهامسون فيما بينهم بخبث الأبالسة – تجنب الضابط أن يكون فظاً معه فيشعره بأنه يكترث بحركته البليدة، ويأخذ ما يمكن أن يقطر منها من دلالات على محمل الجد. جامله الضابط، بل ساعده في إزالة ما اعتراه من ارتباك وحياء بأسلوب كيّس مهذب ناعم ليس في طبعه، وليس مما يلجأ إلى استخدامه عادة في مثل هذه المواقف التي تحرج أصحابها أمامه.
جعل الضابط يتأمل الصورة التي أشار إليها المختار بحركته تلك الخرقاء، بنظرةٍ منه حاول أن تخلف انطباعاً لدى المختار بأنها نظرة متفحصة مهتمة، ثم وجّه سبابته نحوها، معلقاً عليها بقوله:
- في هيئة الوالد – رحمة الله عليه! - ما يدل على أنه كان من أشراط الناس وأجوادهم.
فتنحنح المختار، ثم شكره وهو يلملم أجزاءه المفككة ويعدل جلسته:
- هذا لطف منك، وحسن ذوق!
استغل الضابط السانحة. التفت إلى الدركي الذي عن يمينه، وأمره أن يحضر له حقيبة أوراقه المتروكة داخل السيارة. أعطاه مفتاح تشغيل السيارة طالباً منه أن يخرجها من الساحة، ويركنها خلف التنور الغربي على جانب الطريق إلى المدينة.
حتى إذا فرغ الضابط من ذلك، عاد إلى المختار يحادثه. وكان صوتٌ في أغواره يهمس له بلؤم: "بدأت الآن مهمتُك".
وجاءه الشرطي بالحقيبة، فتناولها، استل منها ورقة نفضها أمام عيني المختار، وسأل:
- أتقرأ؟
- لا أقرأ.
أجاب المختار وأظهر أسفه.
- لا بأس! أقرأُها لك.
فقال المختار بشيء من الاستهانة:
- لا داعي للقراءة.
ولكنه عجل فأضاف مستفسراً:
- ماذا كُتب فيها؟ قد يكفيني أن أعلم ما فيها بإيجاز.
فطوى الضابط الورقة، وأجاب:
- هذا أمرٌ من رئيس البلدية مضى عليه قرابة عامين يحظّر بناء البيوت في قرى المنطقة من دون ترخيص.
- أعرفه. أطلعني عليه طيّبُ الذكر سلفُك.
- إذن فأنت مطلع عليه، تعرفه.
- نعم أنا مطلع عليه وأعرفه!
صادق المختار على كلام الضابط. فسأله الضابط:
- ألديك نسخة عنه؟
- لا، لا توجد لدي نسخة عنه. لم يعطني أحد نسخة عنه.
تغير وجه الضابط في الوقت، كما تغيرت نبرته:
- حسناً، فما دمت مطلعاً عليه، فكيف سمحت بأن يُبنى في قريتك بيتٌ من غير ترخيص؟
أجاب المختار بانفعال:
- بيت!؟ من هذا الذي بنى بيتاً في قريتي من غير ترخيص؟
- أحق أنك لا تعرفه؟
- لا أعرف رجلاً من قريتي بنى بيتاً دون ترخيص.
أخرج الضابط ورقة ثانية مطوية من جيبه. لوح بالورقة أمامه وهي مطوية ثم قال:
- والمدعو غضبان أوسكاي، ألا تعرفه؟
- غضبان أوسكاي؟!
- إي، غضبان أوسكاي. ألا تعرفه يا أبا يوسف؟
- ما أعرف سواه. ولكن ابن عبد الكريم أوسكاي لم يبنِ بيتاً بلا ترخيص.
- التقرير لا يكذب، وعيناي أيضاً لا تكذبان.
- ألا يمكن أن يكون ثمة خطأ ما في التقرير كتشابه الأسماء مثلاً؟
- رأيت البيت بعينيَّ يا أبا يوسف! بعينيَّ هاتين رأيته وأنا أجول بالسيارة حول القرية جولة تفتيشية قبل أن أطرق عليك الباب. هل أكذب عينيَّ؟
- معاذ الله! ولكن ما هذا الذي أسمعه!؟ أمن المعقول أن يكون غضبان أوسكاي بنى بيتاً في زمن لا يتجاوز مقداره الساعة تقريباً، وهو زمن وجودي في بيتي مذ دخلته بحلول الظهيرة؟ أهو جنيٌّ ليكون له أن يبنيه في ساعة أو في اثنتين؟
- لا وقت لدي للمزاح يا مختار. قم بنا لأريك البيت الجديد الذي بناه المدعو غضبان أوسكاي من غير ترخيص.
ونهضا، ونهض الجمع معهما بتثاقل ولكن بجلبة وصخب. التقط الضابط خيزرانته، ثم تابع كلامه:
- إن العين حكم بيننا.
فصدَّق المختار على قوله فيما يشبه التحدي:
- وهي أصدق الحكام.
وما لبث أن أضاف متسائلاً في صيغة أراد بها التوكيد:
- أليست العين أصدق خبراً من الأذن؟
فودَّ الضابط إذ ذاك لو يعرِّض به، حين أغفى ذهنه تلك الإغفاءة المنحوسة. ودّ لو يقول له على وجه السخرية: „ النعاس في محضر الجلاس، وإن لم يصاحبه إطباق الجفن، قد يحلِّق بصاحبه بعيداً عنهم، وقد يخبر عن أمور فيه مذمومة“.

- 7 -
خرق الجمعُ الخارج من المضافة جانباً من ثوب السكون الذي كانت قرية الفردوس تتلفلف به مذ حلّت الظهيرة. أما القيظ فظل كالقدر يفيح.
توقف الجمع أمام دار غضبان أوسكاي، ما عدا شرطياً أُمِر بلزوم جانب السيارة، فلزمه في وضعية استعداد غير منضبط لأمر مجهول إلا منه ومن الضابط.
تنبه كلب غضبان لهم، إذ هم على بوابة الحوش. كلبُ غضبان شرس ضخم أغبر، هبّ هبة الثائر في وجه الضابط ورجاله؛ فزجره الضابط بخيزرانته، غير أن الكلب لم يزدجر. ازداد الكلب شراسة مع هشّ الضابط عليه بخيزرانته. اشتد نباحه قوة، كشر عن أنيابه متحفزاً للوثوب والانقضاض. فانحنى ديكران صهر المختار إلى الأرض، تناول حجراً ثم تقدم بجرأة عابسة من الكلب. كان هياج الكلب سدّ البوابة، حتى لم يعد في وسع أحد منهم العبور منه إلى الحوش. رفع ديكران يده عليه بالحجر، وصرخ فيه صرخة داوية!
روعت الصرخة الكلب، زعزعت شراسته، وألقت الجبن بين أوبار ذيله. فإذا به يتنحّى عن البوابة ذليلاً، ويقفل عائداً إلى زاويته متعثراً بذيله المطوي بين فخذي قائمتيه الخلفيتين المرتبكتين مصدراً أنة نحيلة شاكية ممطوطة.
أشار الضابط إلى الغرفة الجديدة الملحقة بالدار بنبرة المنتصر في مباراة تحدٍ:
- أرأيت؟ فقل لي الآن يا مختار، أليس هذا الذي تراه بيتاً حديث العمران؟
فاستدرك المختار عليه:
- لا، لا أرى بيتاً. أرى غرفة. هذه غرفة وليست بيتاً.
- أليست الغرفة بيتاً يا أبا يوسف؟
- الغرفة غرفة، والبيت بيت.
- إذن فأنت لا ترى فرقاً بين الغرفة والبيت. حسنٌ، فما دمتَ لا ترى فرقاً بينهما، فدعني أسألك: أليس للغرفة أربعة جدر وسطح مسقوف؟
- بلى.
- أليس يمكن أن يستقل بسكناها فرد واحد أو أسرة صغيرة؟
- بلى، هذا ممكن. ولكنها مع ذلك ليست بيتاً.
- إن لم تكن بيتاً، فكيف يكون البيت؟
أجاب المختار:
- البيت بناء مؤلف من أكثر من غرفة واحدة، ويكون مستقلاً بذاته.
- طيب، فماذا لو أني بنيت غرفة واحدة، وأقمت فيها؟ ألا تكون الغرفة بيتاً لي؟
- بلى، قد تكون بيتاً لك.
- إذن فالغرفة بيت!
- في الحالة التي يكون لها أربعة جدر، وتكون مستقلة بذاتها عن البيت.
كرر المختار برهانه على صحة تعريفه للبيت، فرد عليه الضابط بتكرير سؤاله:
- أليس للغرفة هذه التي أمامنا أربعة جُدُر؟
- كلا، للغرفة هذه ثلاثة جدر.
- ثلاثة جدر؟! أتوجد غرفة بثلاثة جدر يا مختار؟ لا، أنت تهزل.
- جدارها الرابع، هو جدار من جدران البيت القديم.
وأشار المختار إلى الجدار بمد ساعده وبصره نحوه.
- هي في النهاية على جدران أربعة. ما حاصل جمع الواحد والثلاثة يا مختار؟
- الجدار الرابع ليس جداراً من جدر الغرفة الجديدة ليجمع إليها. إنه جدار البيت القديم؛ البيت الذي بناه والده عبد الكريم. أضف إلى ذلك أن ابن عبد الكريم أوسكاي لم يبنِ الغرفة لتكون بيتاً مستقلاً، وإنما بناها لتكون غرفة ملحقة ببيته مسّت إليها حاجته.
- هي بيت على كل حال، ألا تقرُّ بأنها بيت؟
- أقر أنها بيت حين تستكمل الشروط الضرورية المكونة للبيت.
فوجم الضابط، وراح يفكر، حتى إذا خال أنه اهتدى إلى فكرة يُتوسَّم فيها القطع كالبرهان، شرع يصبَّها في قالب لفظي سعى أن يكون متيناً:
- إن كنت تنكر أن تكون الغرفة بيتاً، فعليك أن تنكر أيضاً أن تكون جميع بيوتكم المتلاصقة المتشاركة في جدرانها بيوتاً. أتسمع؟ (المتشاركة في جدرانها). هل هذا واضح لك؟
ورمق نظرَه إلى المختار. كان في نظره إليه تشفّ، كان فيه جلال معنى الانتصار، كما كان فيه تحرّ عن تأثير قوة منطقه في المختار، وعلامة انتظار منه أن يعلن عقلُ المختار استسلامه لقوة برهانه بلا شرط ولا تردد.
لكن المختار لم يعجزه بقليل من الروية، أن يستكشف ثغرة في منطق الضابط. استكشف المختار أن الضابط لا يفرق بين الغرفة والبيت على الرغم من أن بينهما فرقاً واضحاً لا يخطئه العقل، ولا تخطئه العين، فقال في نفسه والشك يخامره في نية الضابط: "ما معنى هذا؟ أيكون الضابط ليس يريد عمداً أن يفرق بينهما؟ أتكون في نفس الضابط غاية ما من تعمده ألا يفرق بينهما، وهو يجهلها؟"
ولم يستغرق في شكه. أزاحه جانباً عن ذهنه، وانبرى إلى الاعتراض على كلام الضابط عاضاً على مخارج حروفه بطريقة غريبة، كادت تنتزع ضحكة مسموعة من الشرطي الذي كان واقفاً على مقربة منه:
- أجل، قد يصح أن تكون الغرفة بيتاً وفق الاعتبار الذي نوهتَ بذكره. ولكن إن تكن غرفة غضبان بيتاً حقاً، فلماذا نسميها غرفة؟
وفهم الضابط ما في عبارة المختار الاعتراضية من مغزى؛ فتقبضت أساريره، وهو يرد عليه بجفاء وحسم:
- لا أحب الخوض في مثل هذا اللون من الفلسفة يا مختار. ثم إن الشيء قد يكون له أكثر من اسم واحد على مبدأ الترادف، هل أضرب لك أمثلة على ذلك؟
عند هذا أيقن المختار أن لا فائدة ترتجى من استخدام المنطق، مهما يكن سديداً، في إقناع شرطي مكلف بتنفيذ قرار من سلطة عليا.
كان بود المختار أن يغلب عقلُه، أن ينجح في عبور الثغرة التي استكشفها في منطق الضابط إلى مجال أبعد من الثغرة يتيح له من ذاك البعد أن يقوض منطق الضابط تقويضاً كلياً. إذ بتقويض منطقه وحسب، إنما يتهيأ له الشرطُ الضروري للحيلولة دون تطبيق الإجراء الحكومي (قرار البلدية) على غرفة الفلاح غضبان أوسكاي. وبالحيلولة دون ذلك إنما سيكون له أن يدرأ عن قريته طامّاً يرى أنه حادث لا محالة؛ إن لم يتداركه في الحال!
ولكن ما كان يودُّه، تبين له أنه خائب محال أن يتحقق. فكان أن هاجمه من هذا الوَدّ الخائب المستحيل، شعورٌ بأنه مغلوب على أمره مهزوم ومقهور... شعور محبط استطاع أن يحيره حتى لم يجد غير أن يتمتم مغتماً في قنوط:
- فما العمل إذاً؟
فتبسم الضابط ابتسام الخاتل، وقال بنبرة رذَّ منها معنى أحسّه المختار تملّقَ منتصرٍ ظافر مشوباً بغير قليل من العبث:
- أنت يا مختار، رجل له رأي نافذ، وغور بعيد. أنت رجل لم أر فيه غميزة…
ولكن الضابط ما عتم أن قطع كلامه، فلم يتمه! آثر الا يمضي فيه إلى نهايته. وهو - في حقيقة الأمر - ما قطعه إلا لأنه وجد فيه انحرافاً عن القصد، وإلا لأنه – بلفظ آخر - وجد الخروج منه إلى الفكرة التي أراد أن يصكُّ بها جبهة المختار أمراً عسير المنال.
لو كان واصل كلامه على ذلك النسق من المديح الجميل، فلربما تأدّى به إلى نتيجة مزاجها الرفق واللين. وهي نتيجة تطيح بنصيحة الرجل الغريب له تلك التي تحذره من مغبة الوقوع في أسر شهامة المختار وحصافته. فإنه لو يسقط في أسر شهامته وحصافته؛ فلا مناص له حينئذ من أن يلين له قلبه. وهو إن لان له قلبه، فقد يوافقه رأيَه. وإن وافقه رأيَه، حبطت مهمته، وذهب جهده في تنفيذها عبثاً أو سدى.
ولذلك عدل عما سلف منه قبل أن يبلغ المراد منه، وانقض على المختار بسؤال خبيث ماكر، وفي ظنه أن المختار في جوابه عنه سيتلجلج ويبهت:
- وكيف ترى أنت أن يكون العمل؟
ولكن ظن الضابط لم يكن في محله. أخطأ الضابط إذ ظن أن سؤاله الماكر، سيبهّت المختارَ. ولو كان درى أن المختار سيستمد من سؤاله بارقة أمل تحيي منطقه الذي مات في ساحة جهاده في سبيل أن يلوي الضابطَ عن إرادة تطبيق قرار البلدية على غرفة غضبان أوسكاي، ما كان ألقاه عليه.
أمسك المختار بطرف من كوفيته تدلى على صدره، ورماه خلفه بنزق، قبل أن يجيب سؤال الضابط بلفظ جريء صريح لا مواربة فيه، وشعاع من التفاؤل يقتحم ظلمة قنوطه المدلهمة:
- أرى أن يُعدَّ البناء الجديد غرفة ملحقة بالدار لا بيتاً.
رشقه الضابط بنظرة كأنها حجر، ثم قال في غلظة تخللها وعيد مبطن:
- رأيك هذا يبطل العمل بتنفيذ القانون. أوَلا تدري يا مختار، أن رأيك هذا مضاد للقانون؟
- أيَّ قانون تقصد؟ أتقصد قرار رئيس البلدية؟
- كلامي واضح. ورأيك مضاد للقانون.
قال الضابط ذلك بثقة مفرطة، متشبثاً بحكمه على رأي المختار بأنه مضاد للقانون.
فتوثب المختار لتفنيد نظرة الضابط إلى رأيه أنه رأي مضاد للقانون. ولأن المختار لا يمكن أن يجتاز عليه أن حكم الضابط على رأيه بأنه مضاد للقانون، فداحة جسيمة، فداحة باهظة، وعواقبه وخيمة!... وهو لن يكون، في أكثر حالاته براءة، إلا تهمة يخوفه الضابط من نتائجها قبل أن يلبّسه إياها؛ كي يتحقق له بذلك أن يخمد حركته الاعتراضية التي تنشد حلاً معقولاً. المختار واسع الخبرة، ليس غبياً لا يفهم حركات الضابط، وأفكاره، ونواياه، فكر: إن الضابط ينصب له فخاً مؤملاً أن يقع فيه، كي يبتزّه. ومن يدري!؟ فلربما أقدم على ذلك كي يستمتع برؤيته معتقلاً في جوف زنزانه:
- لستُ ضد القانون. القانون واجب التنفيذ. هو عندي فوق كل شيء. إنه الحق لا يمارى فيه. وإنما أفكر بالقرار الذي تنوي تطبيقه، أفكر فيه هل سيكون من العدل تطبيقه في الحال على صنيع غضبان أوسكاي؟
هكذا شرح المختار موقفه، هكذا شرح للضابط رأيه شرحاً لا يقبل تأويلاً يلحق به ضرراً بأي صورة من صور الضرر.
- ماذا تعني بعدالة تطبيقه؟
سأل الضابط متحفزاً، فأجاب المختار، كما لو أن رده كان معداً في ذهنه مسبقاً:
- حين يكون القرار منطبقاً بلا زيادة ولا نقصان على ما وضع له في الأصل، يكون عدلاً. ويكون عدلاً حين تكون نتائجه بعد التطبيق حميدة طيبة الأثر بعيدة عن أن تكون وخيمة جسيمة، ويكون عدلاً بالإضافة إلى ذلك، حين يسمح لنا بالتفكير في تأجيل تطبيقه في الحال عندما يتبين أن تطبيقه الفوري العاجل، ستكون عواقبه وخيمة جسيمة.
استفزّ كلامُ المختار قريحة الضابط، حمله على أن يتمادى في توكيد صحة موقفه ورأيه، وأغراه بأن يهدم موقف ورأي المختار بلا شفقة. ولكي يحقق غايتيه، كان عليه أن يستخدم منطقاً لا يقل في فاعليته عن منطق محام مدرب، زلق اللسان، قوي العارضة:
- القرار في محله يا مختار. هل أذكّرك به؟ إن كل بناء يرفع من دون ترخيص من البلدية، هو بناء مشمول بحكم القرار الصادر عنها، هو بناءٌ ينطبق عليه هذا القرار. هذا جوهر القضية فتذكر. والمدعو غضبان أوسكاي، بيّت بيتاً، رفع بناء دون ترخيص. إذن فالقرار يشمل البناء المرفوع من قبل المدعو غضبان أوسكاي، وإذن فالقرار في محله؛ أي هو مطابق لما وضع له في الأصل.
- أهو حقاً في محله؟
تساءل المختار في ارتياب. وإذ رأى الضابط أمارات الريبة تتخايل على زاويتي فم المختار، عبس له وسأله بنبر اشتم فيه المختار رائحة اتهام جديد:
- هل وجدت خَرْصاً فيما أقول يا مختار ؟
جرض المختار بريقه عند ذاك، وتساءل في ضيق:
- ألا يتعين على المرء أن يفكر قليلاً بما بين القرار والقانون من مباينة؟
- ليس بين الاثنين مباينة. فعلام التفكير؟ القرار والقانون لفظان يرادف كل منهما الآخر. إنهما على معنى واحد. ومعناهما الواحد هو العدل. إن كليهما عدل يا مختار. ولأن كليهما عدل، فهما واحد.
لم يرُقْ كلامُ الضابط لعقل يوسف الابن الأول للمختار، فطن يوسف إلى أن خللاً من جهة ما يشين كلامه. وما يدري إلا وذاكرته تجبذه جبذاً إلى حدث وقع له في شبابه الغض جسَّد منطقاً له ملتوياً مختلاً داني الشبه من منطق هذا الضابط.
تذكر يوسف أنه قابل مصادفة في يوم من أيام ربيعٍ أزهرَ فتاة – هي شاكِه، وستصبح زوجته فيما بعد - من قرية (أَرْبَا). كانت الفتاة عند أول لقائه بها، ترتقي المرتفع في طريقها عصراً إلى البيت، إثر أن فرغت من حلْب أغنامها في المرعى القريب من العين، حاملة على كتفها إناء مليئاً يالحليب، وكان هو في الوقت ذاته منحدراً من القرية في طريق عودته إلى قريته بعد انتهاء زيارته لأحد معارفه فيها.
كانت الفتاة جميلة جمالاً خارقاً آسراً حارقاً، حتى ليعجز عن مقاومة سحر جمالها وأسره، نظرُ القَحْب المتهدم من الشيوخ. فالتزق بصر يوسف بها، فما يقدر على أن يقتلعه منها. والحق أنه حاول ثلاث مرات على التوالي أن يقتلعه، إلا أنه أخفق في المرات الثلاث.
ضاقت الفتاة بنظره الملتصق بها كالثوب المنقوع! سألته، بل انتهرته في غضب ظاهر: „ لماذا تنظر إلي؟" وكان المعنى الذي أرادته الفتاة من سؤالها ذاك هو: "لماذا تنظر إلي هذه النظرة الشهوانية الجريئة الوقحة الأكول أيها الفتى؟" فأجابها يوسف جواباً خيل إليه أنه سوف يفحمها به: „ أليست العين للنظر؟"
ولكن الفتاة الساحرة الفاتنة سرعان ما صعقته برد ملجم، قالت له وعلى ثغرها العذب طيف ابتسامة اختلط فيها التهكم بالإشفاق وبالاستعلاء: "بلى، هو ذاك أيها الفتى. العين للنظر. ولكنها ليست لمثل هذا النظر من عينيك الفاغرتين كفم طفل جائع".
وبدلاً من أن يغتاظ يوسف أو يخجل وهو يصغي إلى جوابها الذكي البارع المسكت، رَبَا إعجابُه بها وعظم، وزاد تعلقه بها شدة وإحكاماً.
وصار يوسف منذ ذلك اللقاء بها، يتردد على قريتها (أرْبَا) ويخطب ودَّها حتى مالت إليه وأحبته بإخلاص؛ فتزوجها. والغريب أنه لم يستكشف وجه الشبه بينها وبين أمه الجميلة رفقة توران، إلا في وقت متأخر.
ولما كان يوسف لم يألف أن يشارك في حديث هو من شأن والده، عقَّب على كلام الضابط بصوت خذلته الجهورة، قال في شبه همس:
- لو كان قرار البلدية والقانون شيئاً واحداً، فلماذا لا يوجد قرار منع البناء في غير منطقتنا ديلانة؟
لكن تساؤله، قصر عن أن يبلغ أذن الضابط، كما قصر عن بلوغ أذن أبيه. ولذلك مضى المختار يخاطب الضابط:
- ولكن العدل ينبغي أن يكون كالسهل لا كدرة فيه ولا مدرة.
فقال الضابط:
- كأني بك يا مختار ترى قانون البلدية وقد نقص عدله، أو أن ظلمه أوسعُ من عدله! فإن كنت ترى هذا، فليس يعجزني أن أثبت لك خطأ رؤيتك هذه بقولي: "حتى ظلم القانون عدل“.
- ظلم القانون عدل!؟
- أجل!
- كيف؟
- لن تجد عويصاً في الفكرة إن تدبرتها بالعقل. إن ظلم القانون لا يقع إلا على الظالم. وفي وقوع ظلمه على الظالم عدل. هذه حقيقة معروفة متداولة منذ أقدم العصور. فينتج من ذلك ضرورةً أن القانون عدل، وإن عدله قريح كالماء صرفاً لا ظلم فيه على الإطلاق. هذا من فلسفة القانون يا مختار. وأنا عادة لا أتكلم على القانون من حيث إن له فلسفة، ما لم تحوجني إلى ذلك الضرورة القصوى مثلما أحوجتني الآن.
- وماذا عن نتائج تطبيق القانون؟ ألا ينبغي التفكير بنتائج تطبيقه إن لم يتوجب علينا التفكير في ما بين القرار والقانون من مباينة وافتراق؟
- أنا لا أفكر إلا بتطبيق القرار، بتنفيذه. إن تنفيذ القرار أو القانون، هو ما يجب علي أن أفكر به، وأسعى إليه. ليس من شأني البتة أن أفكر (بنتائج) تطبيق القوانين. فوا عجباً! ما شأني أنا بالنتائج؟
واستروح الضابط هنا. تناول بيده طاسة مترعة بالماء قدمها له غلام في عينيه جحوظ، شاحب الوجه، يغمز في مشيته من رجله اليمنى، كان ابن المختار أمره بجلبها، ثم رفعها إلى فمه وعبّ فيها مبرّداً انفعاله.
حار المختار إزاء منطق الضابط. إن الضابط متعلم. ربما يكون قرأ شيئاً في كتب الحكمة. فإذا صدق ظنه، فكيف لرجل بسيط أمي مثله لا يقرأ، أن يقنع رجلاً مثله قرأ كتب الحكمة؟"
وعاوده شعوره السابق بالهزيمة والفشل، وقد انضاف إليه شعور ثان بتفاهة القدر والدونية لا يقل عن سابقه حزّاً وقتامة. تلمس جبينه. كان عرق الجهد يتصبب منه، وصدره ضيقاً ضيقاً شديداً. أحس التعب يرشح من منافذ جلده تحت كسائه، مع العرق الراشح منها، رشح قطر من الدنّ.
إنه لعلى يقين من أن الغرفة ليست البيت. إن اعتقاده بأن ثمة اختلافاً بين الغرفة والبيت، هو الصواب بعينه، هو الحق الأبلج على عكس اعتقاد الضابط. فلو إنه كان نجح في إقناع الضابط بصواب اعتقاده، إذن لضمن حلاً للمشكلة سليماً من العواقب الكريهة. ولكن هيهات النجاح في إقناع هذا الضابط.! لا أمل له البتة. إن أمله صفر في قيمته العددية - إن جاز أن يمنح الأمل قيمةً عددية - إنه أمل إبليس في الفردوس.
ومما ضاعف أسفه وعمق يأسه، ألا يرى الضابط يفكر كما يفكر هو في تسوية المشكلة، ألّا يراه يبحث كما يبحث هو عما له أن يستأصل شرّها المتوقع من أصوله!
إن النتائج التي ستسفر عنها لا محالة تداعيات المشكلة التي يعلم بخبرته أنها لن تكون إلا مهولة مروعة، لا تستقطب مع الأسف عناية الضابط واهتمامه.
وعاد ليسترجع ما سبق له أن فكر فيه، متسائلاً: ترى ما الذي يحول دون أن يوليها الضابطُ عنايته واهتمامه؟ أهو التواطؤ مع الشيطان؟ أيكون الضابط متواطئاً مع شيطانه الضَّمْر على نيّة تفجير المشكلة، بدلاً من السعي إلى نزع فتيلها؟
وإذا هو يعترض على الضابط من جديد:
- إن كان هذا القانون عدلاً، كما تصفه، وهو عند التطبيق لا يميز بين الغرفة والبيت، فكيف يصح أن يتحدث المرء بعد هذا عن عدله؟
وكعادته حين يسمع ما لا يطيب له من معترضيه، قطب الضابطُ تقطيب العبوس، وقد شرع في تضعيف رأي المختار، بعد أن جفف بأشاجع كفه شاربَه الصغير الرفيع، وشفتيه الغليظتين:
- في اعتراضك تكرار لرأي منك لست أستملحه. لماذا التكرار؟ إن اعتراضك خال بالجملة من المعنى، وأنت تعلم هذا حق العلم. إنك لتعترض سبيلي في كل حين بفكرة التفريق بين البيت والغرفة، وكأنك لا تدري أنه لا يُجتبى من التفريق بينهما أيُّ فائدة. قل لي بالله يا مختار: ما معنى أن يكون فرق ما بين الغرفة والبيت في الواقع؟ ثم قل لي بعد ذلك: من أين استوردت فكرة أن فرقاً يوجد بينهما في الواقع؟ هه، فرق!؟ يا لها من فكرة بديعة هذه " الفرق بينهما في الواقع " ! ألا يدهشك كما يدهشني، أنك لا ترى البيت والغرفة سيَّين، وهما سيان في الواقع وفي الحقيقة؟ حسناً، إن كان ذلك لا يدهشك، فإني أسألك: ما البيت؟
كان المختار وهو يصغي إلى ما يقوله، كأنه يصغي إلى خطبة قميئة لمغالطي قميء. هذا النزوع الطاغي في خطبته إلى الغلبة ولو بلفظ مخادع، يخرج السامع عن طوره. ولكنه تذرع بضبط النفس، ردّ:
- البيت بيت. إنه معروف. وما كان معروفاً فهو مكتفٍ بذاته، غنيّ عن أن يسأل المرء عن حقيقته وهي معلومة بالبداهة.
- إذن فهو بناء. وما هي الغرفة؟ إنها بناء أيضاً. أوليست بناء؟ أم إنك تخال البيت بناء من صنع بنّاء من الإنس، وتخال الغرفةَ كهفاً من صنع الطبيعة؟
فاحتج المختار كابساً أعصابه:
- الغرفة بناء والبيت بناء مثلها. كلام واضح لا عفر فيه. أوَتحسبني أجهل أن كليهما بناء؟ ولكن أن يكون كلاهما بناءً ليس هو المطلوب منا أن نراعيه كأنه البرهان، ليس هو المعوَّل عليه في القضية، ليس...
قاطعه الضابط:
- ما دمت لا ترى فرقاً بين الغرفة والبيت، فما حجتك علي؟ علام تعترض؟
- أعترض على جمعك بين البيت والغرفة، أعترض على فرضك حكماً واحداً عليهما.
رمقه الضابط بنظرة استهجان تسلل إليها شيء من الغضب:
- إن اعتراضك لا يعدو كونه اعتراضاً فارغاً. إن هو في حقيقة الأمر إلا صورة لحجة بائخة أشد البوخ. وأعجب منك، منك أنت على الأخص، كيف تتمسك باعتراض في صورة حجة بائخة!؟ يا مختار، إننا نضيع الوقت بلا فائدة في جدال لا طائل تحته. كفى! وأخبرني: أين المدعو غضبان أوسكاي؟
وإذ ارتفع منسوب غضبه، هزّ خيزرانته، كدأبه كلما أحس بأن في موقفه حرجاً. أخذ يضرب بها كعب حذائه ضرباً سريعاً متلاحقاً رفيقاً، وهو يتلفت حوله تلفّتَ الباحث عن رجل بعينه طال بحثه عنه بين جمع من أهالي القرية، لم يكن عدده ربا بعد، تجمهر قدام بوابة حوش غضبان أوسكاي، وأحاط بالمختار والدرك من ثلاث جهات.
أخبر شاب من الجمع، كان قريباً من المختار، يرتدي جلباباً رمادياً نظيفاً طويلاً بلغ كاحليه، في وجهه حفر الجدري ثقوباً سوداء، قال:
- العم غضبان نائم.
- أهو نائم حقاً؟ أوَأنت متأكد من أنه نائم؟
- لو لم يكن نائماً يا عمي، لخرج مستطلعاً أسباب التجمهر على باب داره.
- فاذهب إليه يا بني، أيقظه واستعجله في الحضور.
أمره المختار، وكان استطاع حتى تلك اللحظة بإرادة من فولاذ أن يكظم على غيظه الذي حشاه به الضابط ولا سيما في رده الأخير، أمره المختار بذلك وهو ينفض يديه ويقلبهما كالمتحير الذي أسقط في يده؛ فأطاع الشاب أمْرَ المختار إليه، وكان زولاً فانطلق لتحقيق ما أمر به بخفة ورشاقة، والأبصار من خلفه تتبعه وهي غير خاوية من المعاني.

- 8 -
انقضَّ جدار السكون. انهار آخرُ جدر السكون كما ينهار جدار لسدّ متآكل. تدفقت الحركة كأنها السيل. غمر السيل بلججه المصطخبة قرية الفردوس.
ضجيج يتعالى من كل حدب كالعجيج. وسؤال حائر على الشفاه: أضجيج في الفردوس في نهار من أنهر تموز الساكنة من قيظ شديد؟
ما شهدت الفردوس ضجيجاً كهذا الضجيج في يوم كهذا اليوم من شهر تموز إلا فيما مضى من الحادثات النائبات الطارئات!؟
على ولاءٍ تقاطر الناس من منازلهم إلى مكان الحدث، ما خلا الطاعنين في السن، والعاجزين، والمرضى، والصغار ممن استغرقهم نوم القيلولة. وكان الطفل فادي – لحسن حظه - واحداً من هؤلاء الغارقين المستغرقين في نوم القيلولة.
تعاقب الناس جماعاتٍ وأفراداً، كباراً وصغاراً، رجالاً ونساء. التأموا قطعاً توزعت على أنحاء متفرقة متقاربة أو متباعدة قرب موقع الحدث أمام السور الطيني لحوش دار غضبان أوسكاي. تظلل أذهانهم سحبٌ دكن من الترقب. وكانت ضمائر جماعة قليلة منهم، وقف أفرادها على مسعى الدرك ونيتهم، تودّ لو تمّ لها الحصول على إجابات عن الأسئلة الجائلة فيها الحائرة حيرة ألغاز الوجود: " ما الحكاية؟ ما هذا الذي يجري أمام أبصارهم؟ ولماذا يجري؟
أما الشمس، فرغم أنها انحدرت قليلاً من ذروتها، فكانت لم تزل وارفة الضوء والوقيد.
امتدت يد المختار، وكانت ترتعش من حمى إنفعال مقهور مسحوق، إلى معصم الضابط، مسّته في إشارة منه إلى رغبته في محادثته على انفراد. انتحى بالضابط مكاناً معزولاً نأى عن أن يتيح لآذان الجمهرة المحدقة بهما من ثلاث جهات، أن تلتقط ما يدور فيه من حديث بينهما، ولو أرهفت إليهما السمع إرهافاً.
وجهُ المختار منقلب كأنه ليس وجهه. شوه حقيقته ما اضطرب فيه وزلزل من حيرة، وعجز، ويأس، ونقمة مكبوته، وأمسى حتى لينكره أقرب الناس إليه. مشاعر مستبدة فاقعة، لم يكن لعين المراقب أي مراقب، عن قرب أو عن بعد، إلا أن تلحظ أن مشاعره المحتدمة هذه، هي التي تتحكم بحركات جوارحه الخارجية، وتقاطيع وجهه المنقلب، وتلهو بها كما يلهو طفل بدمية.
بصوت جشَّشته بحّة، أسرّ المختار إلى الضابط ما في نفسه من علم مسبق بما ينذر بهبوب عاصفة، إن لم يُتدارك:
- غضبان لن ينفّذ الأمر.
- الأمر قانون يا مختار.
- غضبان لن ينفذ أمر القانون!
- أوَتجزم؟
- أعرف غضباناً كما أعرف نفسي. هذا رجل فيه خُنزوانة وكبْر قد ورثهما عن أخواله. ثلاثة من أخواله قتلهم شغفُهم بالعنتريات الرعناء، ورابع كاد يقتل امرأته لأنها لم تكن تجاريه في نطق كلمة (سمكة). امرأته المسكينة كانت دأبت على أن تلفظ كلمة سمكة هكذا كما يلفظها أبناء قريتها: (سَمْكِه) لا كما يلفظها هو وسكان منطقتنا هكذا: (سَمَكِه). ولما أبى عليها إلا أن تلفظها كما يلفظها هو، ولم تستطع هي أن تلفظها كما أراد لها أن تلفظها، لعلع عظماً من عظامها.
- القانون لا يأبه بخنزوانته، ولا يعتد بمورّثاته.
- فإن أبى أن يصدع بحق القانون عليه؟
- جدعت أرنبته، وأرغمته على أن يذعن للقانون بقوة القانون.. لن أقلع عنه حتى أنتزع خنزوانته كما تنتزع دويبةٌ ماصة للدماء من ضرع بقرة، وأسحقها سحقاً تحت قدمي.
- مستحيل!
- القانون لا يعرف المستحيل.
- هل لي باقتراح !؟
- اقترح وليكن اقتراحك كما ينبغي أن يكون يا مختار، وإلا فلا تقترح.
- بلّغه أمرَ القانون أو القرار، اتلُ عليه نصَّه، ثم أمهله أسبوعاً، استأنِ به وأنا ضمينه. سأتولّج أمره بلين وكياسة وإدهان. لن أفشل في إقناعه. ثق بما أقوله لك.
- أأمنح فلاحاً بصمجياً أنوَك باغياً مستهتراً بالقانون، مهلةً في تطبيق القانون!؟ يا للعار! إنك يا مختار، توتّر أعصابي، إنك تهيجها بمنطقك الرخو الركيك.
من حقائق الطبيعة، أن للبركان صلةً وثقى بالزلزال. فالبركان ينفجر على أثر الزلزال، هذه حقيقة واقعية لا تفسح مجالاً إلا لليقين. إذن فلا بركان من غير أن يسبقه زلزال. وهكذا كان إذ انفجر بركان المختار عقب الزلزال الذي مادَ طويلاً في كبده والتطم. إن هذا الذي نطق به الضابط في آخر قوله، ما كان إلا زلزالاً ! وهو لم يزلزل مشاعر المختار وحسب، وإنما زلزل معها كرامته أيضاً في سويدائها.
هذا الضابط يتجمهر عليه، يحقّره إذ يتجمهر على ابن أوسكاي ويحقره. الضابط يزلزل كرامته. فأنى له بعد هذا أن يحول دون انفجار بركانه؟
لا، ليس في وسعه أن يحول دون انفجاره. لقد أضحت الحيلولة دون انفجاره فوق طاقته، أضحت مستحيلة!
وكان دوي انفجار بركانه هائلاً بالإضافة إلى ما عرف عنه من رزانة وجلد ووقار، حتى إن دويّه ليبلغ أسماع أفراد من المجموعة البشرية المتمركزة في النقطة الأبعد من النقطة التي تجمعت فيها المجموعة الأقرب إليهما:
- ما هذا منك بحُرٍّ، ما هذا بجميل. كلامك يقتحم الكرام، يذلهم! وإنك فوق ذلك لتتصدّى لكل خير ومسعى نبيل.
وتوقع الذين سمعوا دويَّ انفجار المختار في وجه الضابط، أن يقابله الضابط بانفجار مماثل له في الدويّ. بيد أن الضابط قابل دويّ انفجاره بابتسامة ثعلب فاز مكراً بغنيمة. ولو كان بين الجمع من يسبر أحوال النفوس، لما شقّ عليه أن يستنبط الحقيقة التي كانت ابتسامته تنطوي عليها. لكان استطاع أن يستنبط منها استحسانَه لبركان المختار المنفجر.
شعور مريح طيب انداح داخل الضابط وانبسط. إنه الآن مسرور محبور ! أحبره أن تحقق له أن سيطر على كيان المختار سيطرة تامة. سره أن يراه مبلساً، قد فتلت ذؤابته، وتحطم رأيه إذ هو ينفجر أمامه هكذا كالبركان.
وإذا بذاكرته تخرج له من جوفها ثمرة طيبة؛ مبدأً من مبادئ فن القتال تعلمه في سنته الأولى بكلية الشرطة „ سيطر على الجبال وإلا خسرت الأودية „ أخرجته له الذاكرة قبل أن ينطق المختار، وكيانه ما يزال مرتجاً من الزلزلة والبركان من رأسه إلى أخمصيه، عبارتَه التي سيحفظها الزمن في سجله الذي خصّ به قريةَ الفردوس: "وإنما أردت أن أجنِّبك ورطة يعسر الخروج منها، ولكنك تأبى بعناد وصلف إلا أن تقذف نفسك في جحيمها المظلم بملء رغبتك واختيارك“ وهي العبارة التي سينعتها يوسف ابنُه فيما بعد بقوله: ( إنها عبارة تحكي عبارات الأنبياء ).
ولشدّ ما رغب المختار في تلك اللحظة التي نطق فيها بعبارته التاريخية (نبوءته) أن يصقع الضابط بإهانة تفتح في كرامته جرحاً نازفاً حتى الممات! لكم ودَّ لو بصق في وجهه بصقته النارية المحرقة الكاوية: " ما أنت إلا رجل إبليس، هِجْرِس لئيم، عِفْر خبيث، طامر بن طامر، غيهب بين الرجال بليد …" ! ولكنّ حسن ضريبته، وصفاء طبيعته، عصماه من الوقوع في فخ الرغبة الطائشة الرعناء، والأمنية السفيهة الحمقاء.
وكان أنه لما تمكن من التحكم بأوصاله المرتعدة، أشاح بوجهه عن الضابط، ثم أدار له ظهره وانصرف عنه إلى داره بهرولة عصف بها هياج ولهوجة تمثلا في حركة حاشية كوفيته المرفرفة وراءه كالبيرق، وفي حركة ساقيه اللتين تكادان تفقدان توازنهما، وكذلك في حركة ذراعيه المختلة.
وعندما مرّ بدار إسرائيل بولوت، ارتطمت قدمه بقُرْمةٍ يابسة، فأوشك أن يسقط منكفئاً على وجهه.
لحق به صهره ديكران وابنه يوسف. ولكنه انتهرهما بغلظة وقسوة، ما إن أحس بوجودهما عن يمينه وعن يساره، وأمرهما أن يدعاه يستريح، ويرجعا إلى المكان الذي كانا فيه.
صرخ يوسف:
- قف، ما هذا الذي دهاك؟!
- اسكت…
زجره والده بقسوة وعنف. وكأنما نسي يوسف أنه يخاطب والده المحترم الذي يجله ويهابه، فأمعن في تقريع والده على سلوكه المعيب، قائلاً:
- عيب! عيب أن تسلك مسلك الأطفال!
أما صهره ديكران فجعل يرجوه أن يهدأ. وكان رجاؤه مبللاً بلوم وجزع:
- عُدَّ إلى العَشرة يا عمي، ولا تبهدلنا أمام الدرك! ، عد إلى ضيوفك، إنهم، مهما يكن من أمرهم، ضيوفُك.
- فاض بي الإناء، فاض. ابتعدا عني، اتركاني... ليتني أموت قبل أن أشهد هول ما سيحدث.
صاح متوجعاً يائساً وهو لا يني يغذُّ في سيره زَلْجاً. ولكنه ما اجتاز المسافة القصيرة التي بين دار عزيز توران خال يوسف، ودار مكزون عينتابي - وهي مسافة تقاس بقفزة قطة - حتى جذب إليه على نحو مباغت عنان ساقيه؛ فاستجابت قدماه للجذب.
سوّى المختار ظهره، أرخى ذراعيه على جنبيه، ثم حدجهما بعينين احتقن فيهما معنى غامض رهيب، وأوعز إليهما قائلاً:
- اذهبا، الجما حماقةَ غضبان وغباءه. اكسرا خنزوانته بشتى ما في حوزتكما من الممكنات قبل أن يقتلع الشيطان وتد خيمتنا، ويفوت الأوان. حاولا ذلك، حاولاه، وإن كنت أنا، لا أعقد رجاء بعد على نجاح محاولتكما.
كان فيه وهو يخاطبهما في هذه اللحظة مهابة مرشد مزمع على الرحيل، وكانت كلمات إيعازه، كلمات فخمة جزلة مهيبة رغم هياجه وألمه وقنوطه.
- نلجم حماقة ابن أوسكاي؟!
وتبادل الاثنان نظرات قلقة متسائلة متشككة. كلاهما لم يفهم شيئاً من أمر حماقة غضبان وغبائه وخنزوانته.. كلاهما لم يفهم لماذا يجب عليهما أن يلجما حماقة غضبان أوسكاي، ولماذا يجب أن يكسرا عود كبريائه وعنجهيته الغليظ. غمض عليهما المعنى في وَعْز المختار.
فلما قالا له في ذلك مستوضحين، ضرب قدمه بالأرض بغضب وحنق، ولوّح لهما بذراعه زاجراً إياهما عن محادثته ومتابعة السير معه. كان ذلك رفضاً قاطعاً منه أن يوضح لهما ما غمض عليهما. ربما لأنه أغضبه أنهما لم يفهما مراده. - هكذا ظنّا - ولكنه هو في قرارة نفسه كان قد بات من العبث لديه أن يفعل ذلك؛ أي أن يوضح لهما الأمر الذي طلبا منه أن يوضحه لهما، وقد استيقن من حدوث ما لا بد من حدوثه، مهما تحُلْ دون حدوثه الحوائلُ. إنه القدر، في وهمه واعتقاده، وهل ثمّة ملجأ أو مفرّ من القدر؟ هيهات!
وتهامس أهل القرية الذين كانوا يراقبون حركة الأحداث الجارية أمامهم، وقد غلبهم حب الاستطلاع، وغمرتهم حالة مؤقتة من الدهشة والاستغراب مع الفضول: " ما الذي دهى المختارَ!؟ ما باله تحوّل فجأة من الوقار إلى نقيضه؟ ".
وتنهدت الأرملة أم غطاس دون أن يصحب تنهدَها شعور منها قابل للتعيين. كانت واقفة على ساقيها العاريتين حتى الركبة في وسط مجموعة من النساء. لا يبين عليها أثر يشي بأنها متعبة، رغم الجهد الذي سكبته في بيت المختار إكراماً لضيوفه، فلما فاهت بقولها:
- لكأننا في حلم.
سقط قولها في أذن نائلة التي كان التعب نال منها بخلاف الأرملة، فأغمضت عينيها، وتمتمت بضراعة متهيبة:
- نجّنا من الشرير، ولا تدخلنا في التجربة!

- 9 -
تلا الضابط من ورقة استلها من الحقيبة التي كان يحملها شرطي وقف إلى جانبه، البيانات التي تحدد بدقة شخصية غضبان أوسكاي بطريقة تماثل الطريقة التي تتلى بها مثل هذه البيانات في أروقة المحاكم، وربما في المدارس العسكرية أيضاً:
- غضبان أوسكاي. والده عبد الكريم أوسكاي. أمه ثَلْجَة البردان. مكان الولادة الفردوس، تاريخ الولادة…
- حاضر. أنا هو غضبان أوسكاي...
صاح غضبان. وكان ظهر، وهو يظلل بكفه عينيه اللتين جهرتا من شعاع الشمس في أول ظهوره. لم يتفاجأ بوجود الدرك ولا بتجمع أهالي القرية خلف السور الطيني المنخفض لداره. أغلب الظن أن الشاب المرسل من قبل المختار لاستدعائه، أخطره بوجود الدرك وبتجمع الأهالي، ووصف له الحالة القائمة خلف سور داره الطيني المنخفض.
أشبه غضبان في ظهوره على باب داره - وباب دار غضبان لوح واحد من خشب مطليّ بطلاء أصفر انتثرت فيه دوائر سوداء - ديكاً رومياً يظهر على باب حظيرته. كان مرتدياً دشداشة بيضاء مقلمة بخطوط زرقاء، منتعلاً شحاطة بلاستيكية عتيقة. كهل في حوالي الخامسة والأربعين، فَعْمُ الأطراف، مندمج التركيب، إلى الطول أميل، أشعث، نابت الذقن، لم تلمس ذقنه شفرة حلاقة منذ أسبوع أو أكثر.
وظهرت خلفه زوجه (أصيلة) وهي حامل منتفخة البطن رغم تقدمها في العمر، نسبياً، وكثرةِ أطفالها. كما ظهر خلفه أيضاً ابنه زاهي، وابنته آينور مع صديقتها المقربة إليها جيلان ابنة أسعد توتونجي ونائلة التي كانت أنجزت مهماتها المنزلية، واستحمت على عجل بماء من البئر سخّنته لها الشمس، قبل أن تجيء بتوقٍ ولكن مبطن بغلاف سميك من الكتمان؛ كي تقيل مع آينور وزاهي قيلولة ما بعد الظهيرة بغرفتهما الجديدة الرطيبة المنفردة عن شغب الأطفال وضجيجهم، وعن رقابة الكبار وتدخلاتهم المزعجة في حياة المراهقين الخاصة.
بلهجة قطر منها تهديد غير مباشر، خاطب الضابطُ الفلاحَ غضبان أوسكاي:
- عمّرتَ بيتاً جديداً يا غضبان من دون ترخيص؟ أوَلا تدري أن تعمير البيوت ممنوع من دون ترخيص؟
فتلفت غضبان حواليه، وكأنه يبحث عن مصدر الصوت، أو يحاول أن يتأكد من أن الضابط لا يخاطب رجلاً آخر سواه:
- ولماذا هو ممنوع؟
- لستُ هنا لأشرح لك لماذا هو ممنوع.
- فلأي شيء أنتم هنا؟
- كفّ عن إلقاء الأسئلة التافهة يا غضبان. مثلك يجيب... مثلك لا يسأل.
- اسمح لي بسؤال واحد، بسؤالٍ واحد لا أكثر.
- طلبت منك أن تكف عن إلقاء الأسئلة...
عاد الضابط يزجره عن إلقاء الأسئلة، ولكن غضباناً لم يحفل بزجره، سأله:
- هل كنت سأحصل على الترخيص، لو أني كنت قدمت طلباً لرئيس البلدية ألتمس فيه أن يرخص لي بالبناء؟
- أوَقدمت طلباً، ورفضه رئيس البلدية؟
- لا، لم أقدم طلباً.
- إذن فأنت لم تقدم طلباً للحصول على الموافقة. وما دمت لم تقدم طلباً، فأنت مخالف، فلماذا تسأل؟
- أسأل لأعلم هل كنتُ سأحصل على الموافقة، لو كنت قدمت له الطلب؟
- نهيتك عن طرح الأسئلة. ( لو ) السخيفة هذه لا تهمني. يهمني ما هو حاصل. وما هو حاصل، هو أنك مرتكب مخالفة للقانون. ومن يخالف القانون، فعليه أن ينتظر جزاء مخالفته، لا أن يسأل. أتفهم؟
حرك غضبان منكبه باستهانة، قال بلا مبالاة:
- عمّرتُ غرفة ملحقة بالدار، وانتهى الأمر.
- انتهى الأمر في حسبانك.
- والمعنى؟
- تهدم الغرفة!
شهقت أصيلة زوجة غضبان، جحظت عيناها، غطت فمها بأنامل يسراها، وبسطت راحة يمناها فوق بطنها المنتفخ.
وارتاعت جيلان! همست في أذن آينور التي لم يبدُ عليها أنها وعت وعياً صادقاً ما في كلام الضابط من حقيقة مرعبة: „ يهدم الغرفة!؟ وأين سيكون مقيلنا، إن هدمت الغرفة؟"
وإنما في هذه اللحظة من الزمان، خيل لجيلان أن الضابط رنا إلى همستها، وأنه يسألها:
- من أنتِ أيتها الشابة؟
فتجيبه وحياء الصبايا يلّون حروف جوابها:
- جيلان.
- ابنة غضبان أنت؟
- لا، أنا ابنة أسعد توتونجي.
- من أين لك كل هذا الجمال يا جيلان؟ فتانة المحاسن أنت. أقسم لم يقع طرفي على من هي أتمّ حسناً منك في كل أنحاء ديلانة!
- رأيتَ أنفي؟
- وسحرني ما فيه من ذَلَف.
- أأنا ذلفاء !؟ كلا أيها الضابط، إنك تسخر مني.
- أصمَّ اللهُ صدى من يسخر منك يا جيلان! إنك آية مبهرة من آيات الجمال.
- ولكن مرآتي لا تقول لي إني آية من آيات الجمال كما تقول لي أنت ذلك. فهل أصدق كلامك، وأكذّب مرآتي؟
- كذّبي كلام مرآتك!
- المرآة لا تكذب.
- إن تكن سليمة مصقولة مثل عيني.
- مرآتي سليمة مصقولة.
- وعيني سليمة مصقولة.
- أحقاً؟ فإن كانت عينك سليمة مصقولة مثل مرآتي، فكيف لا ترى قبح أنفي كما تراه مرآتي؟ وكيف ترى هذا الحجن في أرنبة أنفي جميلاً؟
- ليتكِ سألتني: لماذا لا ترى المرآةُ جمال أنفي؟!
- لماذا لا ترى المرآة أنفي جميلاً؟
- لعلة فيها.
- مرآتي سليمة مصقولة، ألم تسمعني أقول لك ذلك؟
- بلى، سمعت ذلك منك. ولكن مرآتك هي عينك. وليست عينك مثل عيني.
- أخلل فيها؟
- لا
- فما الذي بين عينك وعيني؟
- قد يكون الاختلاف في مقاييس القبح والجمال بين عيني ومرآتك أو عينك. تقول عيني: أنفك جميل. ولا يأتي جماله من كونه متسقاً مع مفردات وجهك وحسب، وإنما يأتي من مصدر آخر ينبع ثرّاً من ذائقتي. إن ذائقتي هي التي تقول لي إن أنفك جميل. أما مرآتك التي هي عينك، فلأنها تتشوّق تشوقاً محموماً مريضاً إلى أن ترى أنفك بلا عيب ألبتة وفاقاً للصورة المرسومة له من الذوق السائد المنتشر في بيئتك، فقد اختل ميزانها، فأخطأت في تقدير جماله تقديراً سليماً. إن توق الفتاة أن تبلغ درجة الكمال في صفة الجمال على مقياس الذوق الدارج، قد يوهن إحساسها بجمالها، حتى لتخال جمالها قبحاً. أضيفي إلى ذلك أن مرآتك (عينك) تراك في اليوم أمراراً. وكثرة رؤية الجميل تفتر الإحساس بجماله. ومن هذه الحقيقة ربما نشأ توهمك أن فيك عيوباً وهي ليست فيك حقاً.
- أنفي قبيح. هذه حقيقة أيها الضابط وليست وهماً.
- أنتم أهل الفردوس تهتمون بتفاصيل الجسد ومفرداته، تهتمون بجزئياته المتفردة أكثر من اهتمامكم به وهو كُلٌّ واحد. المفردة إذا نُظر إليها بمعزل عن المجموع، فلن يُرى لها قبح ولا جمال.
- أقسم ما فهمت شيئاً من كلامك! ومع ذلك فإن كلامك أيها الضابط، لذيذ كالحلوى!
- حلاوة كلامي من صدقه. وصدق كلامي من صدق شعوري. وما أصدق شعوري! ما أصدق إحساسي حين يتمثلك فتنة صاخبة الإغواء تضرم في دمي قطَماً أعنف من قطم الثور في يوم سفاده! ولأنني لا سبيل لي إليك الآن ونحن في هذا المقام الخطير، سأعمد إلى خطة ماكرة.. سأعتقل فتنتك وأزج بها خلف قضبان ذاكرتي. وفي الليل حين أخلو بنفسي، أطلق سراحها، ثم أضجعها على فراش خيالاتي المشتعلة كحرّ هذا النهار...
- فإن كنتُ جميلة في عينيك، كما تزعم أيها الضابط، فما حق جمالي عليك؟
- ما تشائين.
- لا تهدم الغرفة!
- بل أهدمها.
- ألا مندوحة لك عن هدمها؟
- لا بد مما ليس منه بد.
- إذن فأنا لست جميلة في عينيك أيها الضابط. إنك تخدعني.
وما تحسّ جيلان إلا وزاهي يلكزها بعنف في ساعدها، وقد ساءه إلى حدّ الحفيظة أن رآها تديم النظر إلى الضابط بعين لا يرف لها جفن؛ فتستيقظ جيلان من حلم يقظتها مجفلة مثل فاختة تنفض عن جناحيها البلل.
كانت الأعناق مشرئبة إلى غضبان، تترقب بانتباه صامت ممدود مشدود، ما سوف يبدر منه من فعل بإزاء الأمر الصادر إليه من قبل الضابط.
أما غضبان فحين رأى الأعناق مشرئبة إليه على تلك الصورة، حين رأى أنه صار محطّ اهتمام الجميع؛ انتفخ إحساسه برجولته كما ينتفخ ضفدع بإزاء خطر يدهمه من ثعبان. كان في قلبه مقدار خردلة من الوجل، وجاءت الأعناق المشرئبة إليه، فكنستها.
قال غضبان بجرأة لم يملك فلاحو الفردوس قط من قبل أن يعبروا عنها في محضر الدرك وموظفي الحكومة:
- ما يعمّره الفلاح، لا ينبغي أن يهدمه القانون.
- لستَ أنت من له أن يجادل في ما ينبغي للقانون أن يفعله أو لا يفعله. يا غضبان، اهدم الغرفة التي بنيتَها من دون ترخيص. القانون يأمرك بهدمها، ألا تفهم ما يعنيه أمر القانون؟ إن كنت لا تفهمه، أفهمتك إياه بأسلوبي الخاص.
- أفهمه جيداً. أمر القانون على الرأس والعين. ولكن ما يعمره الفلاح لا ينبغي أن يهدمه القانون.
- أوَتتجاسر على القانون؟
صرخ الضابط وقد ورم أنفه.
- لا أتجاسر على القانون. أتجاسر أن أقول: القانون لا ينبغي أن يهدم بيتَ فلاح.
وإذ كرر غضبان قولته: " لا ينبغي أن يهدم القانون بيتاً بيّتَه فلاح" فلأنه، ربما، ظنّ أن فيها الحق يقهر الباطل، أو المنطق يزري بالغلط، وليس لأنه لم يجد أن يقول شيئاً آخر سواها. لقد تمسك بقولة الحق، والتمسك بالحق، وسيلة ربما حمت الضعيف وأنقذته من براثن القوي.
التفت الضابط عند ذاك إلى الجموع، أشار بخيزرانته إلى غضبان، وصرخ بصوته الجهوري:
- أيعجبكم ما في هذا الرجل من نُعَرة؟
وهو بصرخته هذه لم يكن غرضه أن يسمع رداً يعبر عن إعجابهم بطبع غضبان أو مقتهم له. وإنما كانت الغاية منها – على الأرجح – التشهير أمامهم بطبائع غضبان التي تسوغ له أن يلوي عنقه. كان غرضها أن يشهد الناس على فساد سلوك غضبان. فغضبان بسلوكه الفاسد يرتكب جناية مما يضطره إلى معاقبته على جنايته ومعه الحق. وهو إن عاقب الجاني، فلن يكون ثمة وجه مقبول ألبتة لملامته من أحد.
تقدم الضابط خطوتين، تقدم ثلاث خطوات من غضبان. خيزرانته ترتجف في اليد القابضة عليها من الانفعال رجيف غصين هبت عليه ريح، زمجر:
- اسمع يا غضبان، إن لم تمتثل للأمر فتشرع بهدم الغرفة فوراً، طيّرت نعرتك بهذه الخيزرانة، أتراها !؟
- تهددني؟
- أحذرك يا غضبان...
كان يوسف ابن المختار عاد مع صهره ديكران إلى مكان الحدث كي يؤدي واجب النيابة عن والده كما يقضي بذلك العرف الدارج من بعد أن فارق والده يائساً من إقناعه بالعودة، وتركه يمضي في سبيله إلى حجرة من حجرات الدار، وهو يرجو له أن ينزوي فيها بكلاءة والدته رفقة؛ فعساه بكلاءتها أن يسترد هدوءه، ويؤوب إلى طبيعته.
فلما رأى يوسف الموقفَ يتأزم، جثم عبء ثقيل على منكبيه، وضغطه. أحس بقدميه تحت ضغط العبء تنغرسان بعيداً كالوتد في عمق الأرض حيث كان واقفاً؛ فلا يقوى بعد بنتيجة انغراسهما على الحركة. ولكنه يرى نفسه رغم فقدانه قدرته على الحركة، يندفع نحو غضبان، يدنو منه حتى يكاد يلزُّ به، ويقرب فمه إلى أذنه ويشوشه:
- غضبان، لا ترتكب سقَطاً، نفذ أمر الضابط ! ليس من الحكمة أن ترغمه بخنزوانتك وحماقتك على تنفيذ القانون بالقوة. الضابط لا يمزح، سيضربك. أنا على يقين من أنه سيفعل ذلك. وحينئذ ستكون أنت الجاني على نفسه، وأنت الملام. اسمع نصيحتي إكراماً لوالدي. أنت تعرف والدي. أنت تعرف أنه إن سمع أنك ضُربت، ارفضَّت كبده من الشعور بالمهانة، مات من القهر. لا يهون على والدي أن تضرب أمام زوجتك وأبنائك. أتدري ما معنى أن تضرب أمامهم يا غضبان؟ أن تضرب إهانة فظيعة شنيعة مخزية.. أن تضرب يا غضبان، عار على أبي وعليك وعلى أهل الفردوس كلهم دون استثناء. هو عارٌ لن يمحوه الزمان.
- وماذا عني أنا؟ أمن الرجولة يا يوسف أن أذعن لأمره؟
- الرجولة أن تحافظ على كرامتك. ما الذي يبقى لك إن ذهبت كرامتك، هل يبقى لك حينئذ شيء من رجولة تعتز بها وتفخر؟
- وأين كرامتي إذا أذعنت لأمره؟
- في احترامك للقانون.
- قانون!؟ عن أي قانون تتحدث يا يوسف؟ القانون الذي تتحدث عنه، قانون لا يحترم حقي، يحيف عليه، يسلبه مني بدلاً من أن يحميه ويحفظه لي. فلماذا علي أن أحترم قانوناً لا يحترم حقي ويحميه؟! لماذا ينبغي أن أحترم قانوناً لا يفيد منه أحد من أبناء منطقتنا إلا رئيس البلدية، وأعضاء مجلسه الفاسدين المرتشين؟ إنك يا يوسف تهيب بي أن أحترم قانوناً يضر بنا، ولا يجني منه فائدة إلا رئيس البلدية وأعضاء مجلسه الفاسدين، فهل هذا منك جميل؟
- اخفض صوتك، اخفض صوتك! هس... إياك أن يزلج من فمك كلام قد يسمعه الضابط؛ فنضحي في عسر من بعد أن كنا في فرج ويسر.
استكان له غضبان، فخفض صوته، ولكنه استمر في بسط رأيه المتمرد بخفوت:
- القانون الذي لا يمنح الفلاح حرية التعمير، يجب تغييره.
- نع..ع .. عم! أوَتفكر بتغيير القانون؟!
- أرجو أن يتغير، بل يجب أن يتغير.
- ولكن التغيير لا يتحقق هكذا بضرب الرأس في جدار صلب متماسك. أنت تضرب رأسك بجدار متماسك في محاولة منك هوجاء لهدمه. بل مَثَلُك في هذا كمثل من يلقي بنفسه في قدر يغلي ليحرك ما فيه. ومنذا الذي يفعل ذلك غير الذي لا عقل له؟ غضبان، من يرم نفسه في قدر وهي تغلي على النار؛ فسيسلق كالدجاجة ويؤكل.
ولكن يوسف حين أحس بيد ديكران تضرب كتفه، وسمعه يقول له محفزاً: " افعل شيئاً، ما بالك ساكتاً جامداً لا تتحرك " استيقظ وعيه كما استيقظ وعي جيلان من حلم يقظتها. لم يكن فارق مكانه ولا قيد خطوة. وحين صفا ذهنه، وحانت منه التفاتة إلى غضبان، قرأ ظلَّ ابتسامة زائفة متهكمة ترتعش على صفحة وجه.
نادى غضبان ابنه زاهي، أمره أن يأتيه برفش ومعول. ثم أشار بعد النداء إلى زوجته أصيلة إشارة غامضة – لعله أراد بإشارته الغامضة تلك أن تغادر زوجه أصيلة مكانها في الحوش، وتدخل الدار كيلا تفزع مما قد يمكن أن يقع - بيد أن أصيلة جهلت إشارته، لم تفهم معناها؛ وبقيت في مكانها لم تبرحه وهي ما تزال تلوك بأعصابها آثار الهلع الذي أصابها. وسيترتب عن عدم فهمها إشارته، أن تتضاعف مأساتها.
لبّى زاهي في لمح البصر نداء أبيه. دخل البيت وكأنه يقتحمه، غاب فيه قليلاً ثم أطل منه حاملاً رفشاً بيد ومعولاً بأخرى. ولكنه عندما همّ بالصعود على السلم إلى سطح الغرفة، قمعه غضبان عن الصعود إلى السطح:
- عد! إلى أين أنت ذاهب؟
فانفتل زاهي عن قصده، أطاع أمر والده دون أن ينبس بذات شفة. مد له يديه بالرفش والمعول، فتناولهما غضبان، ورماهما أمام الضابط، وقال:
- حسناً، أنا موافق. فليُهدم ما بنيتُه. اهدموا الغرفة إن شئتم.
وتشامخ غضبان بقامته، مشقها إلى الأعلى، عقد ساعديه على صدره، فرّج ما بين ساقيه، وحدق الضابطَ بعينيه المحمرتين منتظراً ردّه.
تفلفل الضابط وهو يرى إلى مسلك غضبان. عدّ مسلكه استفزاراً، بل تحدّياً سافراً، يجسد إباء وقحاً متوثباً بجرأة متهورة. وما عتم أن قصف كالرعد:
- اهدم ما بنيتَه يا غضبان!
- فليُهدَم ما بنيتُه. هل كنت عارضت أو قاومت أو منعت من يهدم غرفتي...
- الهدم على من بنى. بيدك بنيتَ، بيدك تهدم ما بنيت.
ارتاع يوسف ابن المختار، أذهله تطور الحدث، جمّد تسارعُه قدرتَه على المبادرة الفورية. لم يكن سبق ليوسف ابن المختار أن اختبر مثل هذا الذي يجري الآن أمامه.
واضطرب ديكران صهرُه اضطراباً شديداً. فهم الآن حالة الإحباط المريعة المخزية التي غمرت كيان المختار حتى أغرقته، فهم مراده البعيد مما كان يرمز إليه رمزاً من غير تصريح وإبانة. فإذا به يثب فجأة من مكانه ويصرخ ملوحاً بذراعه اليمنى بنزق الضّجِر من تعقيد القضية، الغاضبِ البرم من إيثار الحماقة على الروية في حلّ عقدتها:
- فليكن هدمها عليّ، عليّ أنا!
وكانت صرخة ديكران مؤثرة فاعلة في نفوس المتجمهرين ولا سيما الشبان! فما بلغت أسماعهم، حتى هاجت نخوتهم وحميتهم على الفور، حرّضت عزيمتهم على فعلِ ما يتوجب عليهم أن يفعلوه بمقتضى شيم أهل الأرياف في ديلانة؛ إذ خالوا صرخة ديكران صرخة استغاثة، خالوها طلباً لنجدة ومعونة – والحق أنها، في باطن أمرها، لم تكن كذلك. كانت صرخته في باطنها شجباً لموقف غضبان العَنِتِ المعنِت – فكان من الطبيعي، تبعاً لما خاله الشبان، أن تكون لصرخة ديكران في نفوسهم صدى مؤثر أيما تأثير. إن ذلك أمر من أمور البداهة. في قرية مثل قرية الفردوس، لا تذهب صرخةٌ، إن تُوهِّم أن في طياتها يقيم معنى من معاني الاستغاثة، عبثاً، أدراجَ الرياح.
خفافاً نفر شبان القرية إلى تأييد ديكران، إلى مشاركته في هدم الغرفة. عديدهم يكفي لهدم الغرفة وتسويتها بالأرض في غضون ساعة أو أقل. ضج الشبان وهم يطلقون نداءات وأوامر إلى الصغار أن يأتوهم برفوش ومعاول من البيوت المجاورة. بيد أن الضابط عاد فقصف كالرعد ثانية:
- قفوا في أماكنكم جميعاً، لا تتحركوا. هذا الرجل – وأشار إلى غضبان بأصبعه دون أن يلتفت إليه بوجهه - هو وحده المولج بهدم البيت، هو وحده، أتسمعون؟ هدم البيت لن يكون إلا بيديه. لن يهدم البيت سواه... أحذركم!
فتمتم يوسف في سره: "لحظة مخاض حرجة. هذه لحظة صيرورة جديدة!“ ولمح، أو خيل إليه أنه لمح، ذراعَ الضابط اليسرى تزحف كأفعى فوق بطنه، حتى لامست أصابع يده قراب مسدسه المعلق بنطاقه على خاصرته اليمنى، وجعلت تداعبه بحركة متتابعة تنطق بمعنى لم يستتر عن وعيه. وخيل إليه عقب ذلك أنه لمح حركةً مريبة في صف جماعته من الدرك، وأنه لمح بينهم شخصاً لم يره من قبل، يناول شرطياً سجلاً بغلاف أسود كان يحمله بيده، ويأخذ منه بارودته.
ولكن يوسف إذا كان هاله شعورُه بما في حركة الضابط من نذير مخيف؛ فإنه لم يدع - في هذه المرة - لشعوره أن يتأثر تأثراً سلبياً بما في حركته من نذير مخيف. تمكن بجهد طيب في هذه المرة من خلع السلبية التي تكبل روح المبادرة لديه، وتحبس طاقته عن التصرف السليم.
فكان أن هبّ إلى تأدية ما يجب عليه أن يؤديه. منع صهره ديكران والشبان الذين تدفقوا عليه لمؤازرته، من تحقيق ما كانوا عزموا عليه، وهموا بفعله. وإذ أفلح في ذلك، التفت إلى غضبان، وأمره أن يشرع في هدم غرفته، كما يأمر من له الرتبة العليا من هو أدنى منه رتبة:
- يلّلا، تحرك يا غضبان، خذ المعول من يد ديكران وابدأ…
ولكن غضبان انتابه امتعاض كالح من لهجة ابن المختار المستعلية، وسرعان ما عبر عن ذلك بتهكم مرّ الطعم:
- أبدأُ ؟ ما حزرت يا يوسف.
- ابدأ يا غضبان!
فعقد غضبان ناصيته، وقال:
- ليس غضبان من يهدم بيته بيده. من شاء أن يهدم بيت غضبان، فله أن يهدم بيده بيت غضبان. ما كنت أمنع أحداً من أن يهدمه. أما أنا فلا أشاء أن أهدم بيتي بيدي، ولن أشاء.
- اخز الشيطان، اخز الشيطان يا غضبان!
صرخ بهذا رجل برز من الجمع خلف سور الحوش، طويل القامة، غليظ التركيب، نصفه ملفوف بشروال أسود فضفاض، ونصفه الأعلى بقميص بني رقيق، قد أعفى لحيته، رأسه مربوط بكوفية عتيقة ذات خطوط حمراء. ولكنه عندما قدم نفسه للضابط، تكسر صوته تكسّراً قبيحاً:
- أنا رمزي أوسكاي ابن عم غضبان قصيرةً.
ولم يسمع من الضابط جواباً. فمضى يقول بصوته المتكسر، من غير أن يبدو عليه أنه لحظ تجاهل الضابط له:
- أرجو أن يؤذن لي بالحلول محل غضبان في هدم الغرفة. أنا شرواه، هو ابن عمي. والده شقيق والدي. أنا وابن عمي واحد لا فرق بيننا. فإن هدمتُها عنه، فكأنه هو الذي هدمها.
ولكنه ما إن فرغ من كلامه، حتى سمع الضابط ينتهره كما ينتهر كلباً مشرداً:
- ابتعد، هيا ... !
كانت الأرملة أم غطاس تسللت بها قدماها من مكانها السابق إلى الحوش، دون إرادة واعية منها خطوةً بعد خطوة حتى أمست على مقربة من الضابط داخل الحوش.
سمعت الأرملة وشاهدت كيف أخفقت شفاعة رمزي أوسكاي لدى الضابط، وكيف باءت نيته الطيبة بالخذلان. ولكنها على الرغم مما شاهدته، لم تفقد الجرأة أن تخاطبه على طريقتها الخاصة بصوت لم يتكسر كما تكسر صوت رمزي ابن عم غضبان. كان شعاع لطيف من التفاؤل يضيء فناء قلبها الفسيح:
- أيها المحترم، الزلابية التي أكلتَها بشهية كانت من صنعي أنا. أعدك وعد امرأة تفي بوعودها أن أصنعها لك كلما اشتهيتَ أكلها.
- من أنت يا امرأة؟
- نبيهة أوك.
صرخ الضابط غاضباً.
- ماذا تبغين يا حرمة؟ أعربي عن رغبتك في الحال، أو اغربي عن وجهي! إن وقتي لا يتسع لثرثرتك الفارغة.
- أبتغي أن تأذن لابن عمه رمزي بهدم الغرفة، فغضبان يعزّ عليه أن يهدم ما بناه بيده!
بفظاظة علق الضابط على قولها:
- لن أشتهي أكل الزلابية أبداً، أقسمت لا آكلها بعد اليوم!
„ أسكت الله نامّتك " دعت عليه أم غطاس في عبّها دعاء سطحياً لم يغمض في تربة الحقد والكراهية، أو يتجاوز حدود لفظه إلى مدلوله الحقيقي. كان دعاءً من طرف اللسان. ثم أشاحت عنه بوجهها إلى الوراء وأدارته إلى اليمين والشمال. شرعت تنقل بصرها بين الوجوه الطويلة، والعيون الشاخصة خلفها وعلى جانبيها عساها تقرأ فيها تعبيراً، ولو بسيطاً هادئاً من تعابير التأثر بمحاولتها النبيلة الشجاعة التي رامت فعلاً جميلاً - في حسبانها - أمّلت منه أن يكون موضوعاً يكسبها ثناء من أهل قريتها، وأن يكون لها ذخراً لما تأخر من أيامها. لكن الوجوه كانت مسحاء، والعيون خاوية إلا من لهفة التطلع بشغف إلى النتيجة المرتقبة مما يدور في الحوش بين الضابط وغضبان.
وحزَّ في نفسها ألا تترك محاولتها النبيلة انطباعاً على الوجوه، أو أمارة ما توحي إليها بأنها أتت فعلاً طيباً جميلاً كالمأثرة تستأهل عليه أن ينوَّه بها. غير أنها سرعان ما التمست لتلك الوجوه عذراً مقبولاً.
أسرّت الأرملة لقلبها بسماحة ورضى: " لهم العذر !" ولم تغفل عن أن تردف ذلك بتعليل يفسر ما أسرت به لقلبها في نحو من أنحاء الكلام قد يمكن أن يصاغ في عبارة تماثل هذه العبارة: "وجوه ترقب مخوفاً موشكاً على الحدوث، فكيف لها أن تبالي بمحاولتها؟".
وقد يكون من غرائب الاتفاق أن محاولتها تلك لم تعفِّها رمالُ النسيان! فإنها بعد انقضاء سنوات عليها، سيُقدَّر لها أن تدوَّن في سجل الأحداث التي نكبت بها قرية الفردوس بكثير من الإشادة والتقريظ، وبكثير من المبالغة في الوصف. بيد أنها لم تسلم من تحوير معناها الأصلي على يد نفر قليل من المفسرين لها.
لم يكن ثمة مهرب من أن يطرأ تحوير ، فيما بعد ، على محاولة الأرملة. إن طروء تحوير على أحداث تُتناقَل روايتها مشافهة قبل تدوينها في سجل الأيام، أمر شائع مألوف في كل مكان وكل زمان، حتى ليكاد أن يكون قاعدة. وقد تجلى التحوير في انتقال مضمون محاولة الأرملة من معنى السعي النبيل الراغب في فض خلاف ينذر بالشؤم، إلى معنى الارتشاء.
إن محاولة الأرملة بحسب هذا التفسير الذي لم يراع المعنى الأصلي المبتغى منها، لم تكن أكثر من محاولة من جانب الأرملة رمَت إلى (رشوة) الضابط كي يسمح لرمزي أوسكاي أن يهدم الغرفة بالنيابة عن ابن عمه غضبان.
ولحرص الأرملة على ألا يغيب عن بصرها الفضولي شيء من تفاصيل ما يجري داخل الحوش، فإنها سرعان ما عادت إلى وضعها السابق ليصبح وجهها كما كان في اتجاه الضابط، وغضبان، وهؤلاء الذين اتخذوا لأقدامهم مواقع ثابتة داخل الحوش.
لم تكن أم غطاس متفائلة كل التفاؤل فهي تعرف غضباناً مذ كان طفلاً، ورغم ذلك فإنها لم تكن فقدت كلَّ رجائها دفعة واحدة كما فقده المختار. كان شيء من ذلك الرجاء ما يزال راسباً في قاع نفسها. على أنها في اللحظة التي أبصرت الضابطَ يلوّح فيها بخيزرانته أمام غضبان مهدداً متوعداً إياه بتلك الهمجية المجاوزة لحدها المألوف، انزوت في جلدها كالقنفذ وتقبّضت. طار من نفس الأرملة إلى الأبد ما كان تلبّث في قاعها من أمل شحيح يرتقب بلهفة أن يصل الطرفان إلى تسوية وانفراج؛ وحط بعيداً عنها على شجرة التوت بيأس حالك أسحم كالغراب.
إنها لتبصر الآن سيلَ الضابط يبلغ زُبْيَةً ليس يبلغها سيلٌ أبداً إلا على وجه من وجوه المجاز. وإنها لتسمع لعلعة رعده. إن لعلعة رعده القاصف، تطرق أذنيها كالقرع الشديد العنيف فتصخهما صخّاً:
- لن يهدم البيت إلاك أيها الجعسوس. أمنحك دقيقة واحدة، دقيقة واحدة لا أكثر.
ولكن غضباناً يتظاهر بعدم المبالاة. إنها ترى ذلك في حركاته كما تراه مرتسماً على صفحة وجهه. وإنها تسمع صوته أيضاً. صوته واثق النبرات لا ارتعاش فيه ولا خذلان. يرد غضبان متحدياً بأنفة تنبعث منها رائحة كريهة:
- لك أن تعتبر الدقيقة انتهت منذ اللحظة!
ثم تراه وكأنه يهم بأن يتحرك متجهاً نحو زوجه أصيلة ليشدها من ذراعها ويدخل بها الدار. ولكن الضابط لا يمهله كي ينفذ حركته بالفعل. تصدى الضابط لحركته في هذه اللحظة بذاتها قبل تحققها بالفعل، بأن انقض عليه رافعاً عصاه، كما ينقض أسد فاتك على حمار وحشي. ولفأه بالعصا بأشد ما في ساعده من حيل وطاقة، فأصابه في أعلى صدغه. وكانت الإصابة بليغة جداً!
ترنح غضبان من هول الضربة. انبثق الدم من صدغه كما ينبثق خيط ماء مضغوط داخل أنبوب إذا ثقب الأنبوب. كاد يفقد رشاده ويهوي إلى الأرض. غير أنه تماسك.. تمكّن، بفضل ما تبقى لديه من زخم الوحش الرابض في أعماقه، من أن يستعيد بعض توازنه؛ فتفادى بذلك السقوط على الأرض.
وبأسرع من اللكمة، اختطف غضبان المعول من يد ديكران، رفعه فوق رأسه وهمّ أن يهوي بحديدته على رأس الضابط بما كان اجتمع له من قوة وعنفوان وضراوة. ولكن طلقات من بندقية كانت في انتظار حركته، كأنها كانت متأهبة مسبقاً للتعامل مع ردة فعله هذه المتوقعة، سبقت معولَه. لم تهوِ حديدة المعول على رأس الضابط، وهوى غضبان مع معوله.
سقط غضبان بقامته الثقيلة على الأرض مثل كيس محشو بالبر يسقط عن ظهر حمال، وتكوّم في مكانه على أرض حوشه، ودمه يشخب من أوداجه، ورأسه، وصدره.

- 10 -
همس الرجل الغريب في أذن الضابط:
- أوعز الآن إلى جماعتك بالتحرك! فليتحركوا باتجاه السيارة، بسرعة قبل أن يصحو الناس من ذهولهم، وتفور دماؤهم.
- أنقذتني من موت محقق!
غمغم الضابط، ربت على كتف الرجل الغريب بامتنان. كان وجهه ممتقعاً، وحلقه جافاً، وحنكه مسترخياً حتى ليكاد لسانه يخرج من بين شفتيه المنفرجتين كما يخرج لسان كلب آمَ، واشتد عطشه. إنها المرة الأولى يقتل فيها الضابط قتيلاً.
- أنقذك خطأ مميت من فلاح عريض الوساد.
رد الرجل الغريب، ثم أضاف على عجل شارحاً قوله:
- خسر الفلاح وقتاً غير قابل للتعويض حين رفع المعول فوق رأسه. لو كان زجّك بحديدة المعول مباشرة وباستقامة في بطنك، أو في خاصرتك، أو في عنقك بدلاً من رفعه فوق رأسه بتلك الحركة الغبية الهوجاء حيث ضاع منها زمن كان كفيلاً بأن يمنحه سبق قتلك.
- متى عدت؟
- أرجئ أسئلتك لوقت آخر، علينا الآن أن نفكر في الهرب. فلنهرب! في جوف كل ثانية تمر بنا هنا قنبلة سريعة الانفجار محشوة بالهلاك.
قال الرجل الغريب ذلك وهو يرد البندقية التي أطلق منها النار على غضبان إلى حاملها - وهو الدركيّ الذي كانت كمَّته سقطت على الأرض - ثم أخذ سجلّه ذا الغلاف الأسود والحروف المذهبة من الدركي، ووضعه تحت إبطه ومشى.
- إلى السيارة!
نفذ الدرك الأمر. حاولوا التراجع بنظام عسكري منضم منضبط، ولكن الواقع فرض عليهم أن يهملوا ضوابط التراجع النظرية التي لقنوها في مدارسهم العسكرية، وأن ينفلتوا من مراعاة أحكامه النظرية العصية عملياً على التطبيق. على أنهم لم يغفلوا عن تطبيق قاعدة تعد غريزية في مثل هذه المواقف الحاسمة العصيبة؛ هي أن يتسربلوا بحالة الدفاع القصوى عن أرواحهم مصوبين بنادقهم بدقة وحساسية نحو الخطر المحدق بهم من كل الجهات.
تمكن الدرك بفضل الذهول الذي سيطر على أهالي القرية وشل حركتهم، من الانسحاب بنجاح، ومن الوصول إلى سيارتهم الجيب بلا خسائر.
رأت نائلة من خلل الضباب الكثيف الذي اشتمل به وعيها، زوجها أسعد يهرع إلى البيت. يستل أسعد بندقيته من مخبئها. وإذ رأته نائلة يستل بندقيته من مخبئها، ولولت وجعلت تضرب براحتيها على ركبتيها من بعد أن ضربت خديها وخمشتهما بأظافرها الحادة. وأخذت تتضرع إليه بحرقة، تترجاه: „ أُعمِّرك اللهَ ألا تفعل! أسعد، يا أسعد... أرجوك، أرجوك! لا تكن سبباً في أن يتحقق حلمي بإطلاقك النار عليهم..." ولكن أسعد دفرها، على بعد المسافة بينهما، في صدرها. دعَّها بجفوة وعنف، كما يدعّ شرطي فظ محنق مجرماً لا يستجيب لأوامره؛ فارتمت نائلة على الأرض وناحت نوح والهة.
ولكن خيالها، ظل منطلقاً في إثر زوجها أسعد وهي مرتمية على الأرض على تلك الحال من الوله. خيالها يتتبع تحركاته. ها هو من بعد أن استل بندقيته من مخبئها، يخترق النقب الأول في جدار غرفة المؤونة، وها هو يخترق النقب الثاني في جدار مخزن الأدوات الزراعية، ومن باب المخزن الخشبي المفتوح تراه ينذرع كالعاصفة إلى ساحة القرية.
يتمترس أسعد خلف جول البئر. يروح من هناك يطلق النار من بارودته الانكليزية على الدرك. أسعد صياد بارع يملك خبرة ومهارة في الصيد لا يملكها إلا قلة من رجال ديلانة. طلقاته لا تخيب، طلقاته لا تطيش عن هدفها ومرماها... تردي شرطياً، تردي آخر.
وفيما هو يتحين صيد الثالث والرابع اللذين تمكنا من أن يفرّا من موقعهما المكشوف لبارودته ويحتميا بالسيارة، تسلل الضابط إليه رويداً في غفلة منه حتى بلغ جذع شجرة التوت حيث انكشف له من خلف جذعها أسعدُ، وأسعد لا يراه. وصوب الضابط مسدسه إليه بدقة.
وإذ رأت نائلة بخيالها زوجَها مكشوفاً لرصاص الضابط، أخذتها وهلة مما رأت أقوى وأشد! وهار وعيها، وتردّى في هوة العدم، وهي تشهد مصرعه بطلقات مسدس الضابط.
كان الدرك على بعد خطوات يسيرة من السيارة لحظة أن بدأ أهالي قرية الفردوس هجومهم الغريزي عليهم، ما إن هبوا من ذهولهم. فبات الاشتباك معهم أمراً مقضياً لا محيص للدرك عنه. بات بالنسبة للدرك، قضية حياة أو موت. فإما أو …
ولكن الرجل الغريب لم يشأ أن يدفع الموت عن الدرك بالموت. أصدر الغريب بجنان ثابت، أمرَه للدرك بإطلاق النار فوق رؤوس المهاجمين. قدَّر، وهو يزن الموقف الحرج بميزان خبرته، أن المهاجمين سيرتدون على أعقابهم خوفاً من زخات الرصاص أن تصيبهم فتهلكهم. لكن زخات الرصاص التي أطلقت في الجو فوق رؤوس المهاجمين، لم تكسر موجة اندفاعتهم العارمة الجارفة كما قدر. زغاريد النساء اللائي لم يسقطن مغشياً عليهن من الصدمة الأولى الناشئة من مقتل غضبان، ضخمت موجة اندفاعتهم حتى عتَت عتواً يكاد يضارع عتوّ إعصار من نار، أو عتو عاصفة دامسة الإسوداد من الرمال.
سأل الرجل الغريب في غير ما وجل:
- ألدى أحدكم ذخيرة حارقة؟
- لديّ مخزن عامر بها.
أجاب بهذا الدركي الذي كان يخفر السيارة.
- لقّم بندقيتك.
فامتثل الدركي لأمره. لقم بندقيته بيدين لم يستطع أن يخفي اضطرابهما. فأمره الرجل الغريب، وهو يحدد له الهدف بذراعه:
- أطلق النار على القش اليابس المتدلي من طنف البيت، هذا الذي بجانب التنور!
كان البيت الذي أمر الرجل الغريب بإطلاق الرصاص الحارق على القش المتدلي من طنفه، بيتَ الأرملة أم غطاس.
صراخ المهاجمين ينذر بالويل، يتوعد الدرك بالهلاك، وما زال يشتد ويرتفع ويلعلع حتى سد أفق القرية، وملأ فضاءها الرحب الوسيع كما يملؤه السحاب الداكن أو الغبار الكثيف!
ولكن المهاجمين حين بلغت أسماعهم استغاثات النساء، وعياط الأطفال وهي تنطلق من خلفهم على أثر مشاهدة هؤلاء النساء والأطفال للنار تشب في بيت الأرملة، ومشاهدتهم لهيبها يتلسّن مهدداً بانتشار حثيث في بيوت القرية كلها لا يخمد حتى يذيبها في مرجله الجهنمي؛ أوقفوا هجومهم مرغمين، وكروا على الحريق لإطفائه.
إنه الحريق! ولولاه لمضى أهل الفردوس في هجومهم على الدرك دون تفكير منهم في النتائج التي كانت ستكون - ولا ريب - باهظة التكاليف.
أتت النار على بيت الأرملة.. أتت عليها جملة وتفصيلاً!
ومثل طلقة الحامل الأخيرة تقذف بمولود تكوّن في رحمها الدافئ الآمن إلى عالم جديد غريب بارد يشجي ويُبكي؛ سيكون حريق منزلها طلقةً تقذف بها إلى عالم جديد لا يشبه عالمها القديم، لتنتصر أخيراً محاولات ابنها غطاس على ممانعاتها.
ستهجّ أمُّ غطاس من الفردوس مع من سيهجّ من ساكنيها عقب ما جرى من أحداث. وهي التي ما رغبت قط في النزوح عنها، ولا رغبت يوماً أن تبعد عن زوجها الراقد في سفح التل رقدته الأبدية، ولا هان عليها أن تفارق كلبتها الصماء ( كَرِه ) ولا أن تهجر إلى غير رجعة، موئل ذكرياتها في قريتها الفردوس التي أنتجتها كما تنتج البقرة عجلتها.
في الحقانية المدينة التي اختارها ابنها الوحيد غطاس، قبل ما يقرب من عشر سنوات على وقوع حادثة الحريق لتكون موطناً له بديلاً عن الفردوس؛ أقامت الأرملة في كنفه ورعايته في بيت مستقل يقع في الحي الذي يقطنه غير بعيد عن منزله.
أسعدها حال ابنها سعادة بالغة، تمتع قلبها بأحفادها حبات قلبها، سرّت بحسن أخلاق كنتها ومسلكها. ولكنها عجزت عن التكيف مع مناخ عالمها الجديد الذي أحسته بارداً باهتاً بلا لون ولا طعم ولا حرارة، وقاسياً يعزف عن خدماتها؛ فلم يلبث الجسم منها والروح أن صارا في زمن قصير مرعى خصيباً للاكتئاب، والسكري، وضغط الدم. وما هدأ حنينها أبداً إلى الفردوس. بقي يتأجج بين أضلعها، مثلما يتأجج بالبعد حنين مخلوق إلى أمه التي أنجبته، وحنين خلية إلى مكوناتها الأولى التي شكلت صورتها.
وكان أسعد زوج نائلة وقت الهجوم على الدرك، يتقدم موجة الهجوم، فأصابته رصاصة – وأغلب الظن أنها لم تكن طائشة كما ادعى الدرك - في كتفه الأيسر. سال دمه من جرحه واصطبغ بلونه القاني ثوبُه. ولكنه ضغط على جرحه كيلا يعيقه عن الهجوم. كان الغضب ممتطياً وعيه، متوغلاً في كل نبضة من كيانه.
ومضى أسعد لا يحس بأوجاع جرحه، ولا يعي مدى خطورته على صحته. كان جرحه في أول أمره، وقت الهجوم ، وكذلك في نهاية الهجوم وفي ما بعد النهاية بزمن قصير، طازجاً دافئاً لا يؤلمه. ولكنه مع قدوم المساء وحلول الظلمة، ستبدأ متاعبه المؤلمة المؤرقة مع ذراعه، ولن تنتهي بيوم اعتقاله.
جاء اعتقال أسعد توتونجي بعد يومين من وقوع الواقعة المأساوية. دوريةٌ مدججة بالسلاح باغتت قرية الفردوس، فاعتقلته ونفراً من فلاحي الفردوس بتهمة الاعتداء على أبناء الحكومة، والانتظام في سلك عصابة خطيرة يرأسها المجرم غضبان أوسكاي.
في نهاية السنة الأولى من سنيّ الاعتقال التي ستزيد على خمس سنوات، والتي سيصرمها أسعد، كما صرمها الآخرون من المعتقلين معه، دون محاكمة في سجن المدينة المزدحم بالأرواح المغلولة المعطوبة التائهة الهائمة في أجواء دكنت بأفانين شتى من الأشواق المعذبة والآمال المخيبة، وبألوان من الشرور لا مثيل لها بتةً إلا في جحيم آلهة العالم السفلي. في نهاية السنة المذكورة، ستصاب ذراعُ أسعد بالشلل التام، ولن تندمل أوجاعه أبداً قبل أن يزفر آخر زفرة من زفراته المرة.
أما إسماعيل البوطاني من أهالي الفردوس، وهو رجل لُكّيٌّ مكتنز اللحم، فإنه لما أصيب في فخذه الأيمن، انطرح بثقل قامته أرضاً، فتعثرت به أقدام بعض المهاجمين فآذته. وقد ظل إسماعيل منطرحاً في مكان سقوطه عاجزاً عن النهوض ومواصلة الهجوم على الدرك، إلى أن تنبهت له امرأة يقظى كانت في حشد من نسوة ملهوفات مخمشات الوجوه منفوشات الشعر، كن يحثثن الخطى خلف الرجال مثل جنيات الأساطير.
غير أن جرح فخذ إسماعيل البوطاني لن يبرأ. سوف يخزُن جرحُه بانقضاء أسبوع واحد على إصابته، ولسوف يقضي نحبه من جرائه بحلول نهاية الشهر.
أما ابنه الأكبر أورخان البوطاني الذي اعتقل مع أسعد والفلاحين الآخرين، والذي كان أشعر الرقبة كالليث بين أقرانه، فسيقضي في سجنه بداء الجنب في بدء عامه الثالث.
ولن يكون مصير المعتقلين الآخرين من فلاحي الفردوس أفضل من المصير الذي انتهى إليه أسعد توتونجي وأورخان البوطاني. ستكون حكاية مصير كل فرد منهم في المعتقل، مأساة تنزف لوعة حرّى، وأنيناً مبثوثاً من وتر ربابة شاعر متجول!

- 11 -
- نجونا بالرمق!
صاح دركي خلف مقعد الرجل الغريب وتنهد بارتياح.
- ليس بعد.
رد الضابط على صيحته، وهو ينعطف بالسيارة في الطريق الوعر خلف كروم الفردوس باتجاه البلدة، وهو الطريق الأخصر إليها. فابتسم الرجل الغريب ابتسامته التي تحمل معاني كثيرة، ثم سأله:
- أتقصد التحقيقات؟
- هو ذاك
- أوَتخشى أن تسفر التحقيقات عن تقصير في أدائكم لواجبكم؟
- هذا الذي أخشاه!
- إذن فأنت، في حسبانك، مقصر في أداء واجبك.
- منذا الذي يتنزَّه عن التقصير؟
- ولكنك لم تكن مقصراً، ولم يكن رجالك مقصرين أيضاً في أداء واجبهم.
- ألم نقتل فلاحاً، وكنا قادرين على ألّا نقتله؟
- قتلَ الفلاح نفسه!
- ولكنه قتل برصاصنا. أسأل نفسي الآن: أما كان من الأيسر أن نأخذ باقتراح المختار، فنمنحه مهلة لتنفيذ الأمر، وبذلك كنا استطعنا أن نتجنب قتله؟ القتل ليس لعباً ولهواً!
أجاب الغريب محاكياً منطقه:
- وأنا أسأل نفسي: أما كان من الأيسر أن يصدع الفلاح بما أمر به، فيهدم غرفته، وحينئذ: يا دار لم يدخلك شر؟
- القتل ليس لعباً ولهواً!
كرر الضابط شارد اللب، ثم أضاف:
- قتل الفلاح برصاصنا ولو أنكرنا ذلك!
- وهل كنا بملء إرادتنا اخترنا أن نقتله برصاصنا؟ لو كنا اخترنا أن نقتله لعباً وتسلية، كما تتوهم، وبملء إرادتنا، لحق أن ننعت بالإجرام.
- ألسنا مجرمين وقد قتلنا فلاحاً كنا قادرين بسهولة على ألا نقتله؟
- لا.
تدخل الدركي الجالس خلف مقعد الرجل الغريب، قال شارحاً للضابط في ارتباك، ما فهمه من كلام الرجل الغريب:
- لعل قصده، سيدي، أن القتيل لو لم يُقتَل، لقَتَل…
رد الضابط بغلظة وجفاء كما سبق له أن رد على غضبان:
- ليس حسناً تفسير الوقائع والحقائق بالأداة ( لو ) على الدوام. ( لو ) هذه لا تصلح هنا لتكون أداة تفسير مقبول. ينبغي النظر إلى ما هو حاصل، لا إلى ما لم يحصل.
- أما كان ذلك يمكن أن يحصل؟
- ولكنه لم يحصل. وما دام أنه لم يحصل وحصل أمر آخر، فلا معنى لاشتغالنا به، إلا إذا كانت الغاية من ذلك أن نملأ الفراغ من أوقاتنا.
مدّد الرجل الغريب، وكان جالساً بجانب الضابط في المقعد الأمامي، ساقيه.. دفعهما قدامه إلى أقصى حد يسمح لهما بالتمدد، أما الشرطي فقد شعر بما يشعر به المرء حين يتبين له أنه أخطأ؛ فكان أن انكمش داخل بزّته المبللة بعرقه، وسكت.
ثم قال الضابط بنبر اهتز بمعاني القلق:
- نحن في ورطة!
- أحقاً؟
تساءل الرجل الغريب بلهجة أدنى إلى التهكم. فقال الضابط بجدية، متجاهلاً ما في لهجته من معنى التهكم:
- لا بد أن تجري غداً، أو بعد غد في أبعد احتمال، تحقيقاتٌ في الواقعة. فماذا عسانا نفعل؟ كيف نخرج من الورطة؟
كان زجاج النافذة على يمين الرجل الغريب مسحوباً إلى الأعلى، إلى الحد الذي كاد أن يغلق عليه منافذ الهواء، فتحرك في مقعده بحركة مكّنت يده من إنزال الساتر الزجاجي حتى غاص إلى آخره في شقه العميق من باب السيارة.
بدأ الهواء يتدفق من النافذة. يعبث الهواء الصاخب بشعر رأس الرجل الغريب المفلطح وقميصه ذي الزرقة الخفيفة، يجفف عرقه. لم يكن الهواء بارداً منعشاً، ومع ذلك فقد انتاب الرجلَ الغريب شعورٌ بالانتعاش. رفع ساعده الأيمن العاري المشعّر، وضعه على حافة النافذة؛ فلسعته في الحال سخونة الصفيح. سحب ذراعه بردة فعل سريعة، وألقى بها على فخذيه. ثم عدل وضع نظارته الخضراء على أنفه بيده اليسرى، وقال رافعاً صوته فوق الصوت الذي أحدثه تدفق الهواء داخل السيارة:
- ستخرج منها كما الشعرة من العجين. ألم أبذل لك وعدي؟
- بلى.
- وهأنذا أفي لك بوعدي، وإن كنتَ لم تحرق الشعرة التي أعطيتك إياها.
وضحك الرجل الغريب ضحكته المميزة، ثم سأله:
- أيؤنبك ضميرك؟
- ليس القتل لعبة، ألم أقل لك هذا أكثر من مرة؟
- ولكنه حركة.
- ليست هينة بالتأكيد كحركة الضرب بالعصا.
- أردت أن الحركة خير من السكون.
- إن كانت كذلك حقاً - وها نحن نعود إلى بداية حديثنا قبل الواقعة - فما الخير في حركة قتل الفلاح غضبان؟
- أعدمه القتلُ حياتَه. أليس العدم خيراً له من حياة الشظف والعنت والبهدلة في قرية يابسة الجذع كالفردوس؟
وتناول الغريب سجله ذا الغلاف الأسود والحروف المذهبة، فتحه على صفحة منه، ثم قرأ: „عندما تكون الحياة مضنية، يكون الموت ملاذاً يسعى المرء إليه" وحين أنجز القراءة، قال معلقاً على ما قرأ:
- حقيقة يثبت صحتها واقع الإنسان في كل عصر وأوان. على فكرة هذه الحقيقة نطق بها حكيم من حكماء التاريخ تبعده عنا قرون وقرون، من هو؟ لا تسألني! لا يحضرني اسمه الآن. قد يكون أبا التاريخ المدون.
- هي حقيقة بالإضافة إلى المنتحرين.
- وبالإضافة إلى غضبان. ألم ينتحر غضبان؟
زوى الضابط ما بين حاجبيه، وأجاب:
- لو صح أن غضباناً انتحر، فما الخير الذي يجنيه أهل بيته من انتحاره؟
- سيكون موته نافعاً لهم! انتحار غضبان أكثر نفعاً لهم من بقائه حياً.
- منطقك غريب عني كل الغرابة، ومع ذلك فإني لا أجد في رأسي رغبة في معارضته.
التفت الغريب نحوه بعنقه، وقال بصوت عميق:
- الموت ملاذ لغضبان من حياة الشظف. وهو لأبنائه مشروع من مشاريع الحياة المشعشعة بالآمال والخيرات.. حين ترى أبناءه الذين سيهجرون الفردوس إلى (الحقَّانيّة) في القادم من أيامنا، وهم يرفلون هناك بالرغد والكرامة والرفهنية، بفضل الحركة التي أوقدتَ نارها في فردوسهم الجاف الساكن الشقي البئيس؛ لن تجد منطقي غريباً عنك.
- ليتني كنت في حال تسمح لي بفهم كلامك الغريب!
وفجأة صرخ الرجل الغريب فيه.
- قف!
بحركة فجائية كصرخته، نفذ الضابط طلبه المفاجئ. ضغط على كابح السيارة بعنف. تخضخضت السيارة، ارتجت، وارتطمت رؤوس الدرك بسقفها. كانت علامة استفهام كبيرة منكرة تقرع جبهة الضابط:
- ما بك؟!
فرد الرجل الغريب بأن فتح باب السيارة، واقتلع جرمه منها وألقاه خارجها، وفي يده سجله ذو الغلاف الأسود، ونظارته على أنفه.
- ما الذي حدث؟
- هنا ينبغي أن نفترق.
فهتف الضابط به من خلف المقود:
- طيب، ما شئت! ولكنك لم تقل لي كيف الخروج من الورطة؟
دق الرجل الغريب بأنامله على سطح السجل المغلق، ثم انحنى على باب السيارة، وقال:
- في هذا السجل الإخبار عما جرى في قرية الفردوس، قد أعدّه قلمي لوكالة الأنباء، وهو قمين بإخراجك من ورطتك. انظر... وفي هذه الآلة - وتلمس آلة التصوير المتدلية من رقبته - صور توثق الحدث بما لا يدع مجالاً للشك في صدق الخبر المعد بقلمي. فلا تقلق!
- كيف لا أقلق؟ أنسيت مقتل الفلاح؟ أهل القرية سيشهدون على أنّا قتلناه.
- طب نفساً! ستكون شهادة أهل القرية، شهادة شفهية. والشفهية لا قيمة لها بإزاء ما هو مصوَّر، وما هو مسجل مدوّن مكتوب ههنا في سجلي عن الواقعة، والذي ستذيعه غداً وكالتُنا للأنباء وتنشره. الاعتبار والمصداقية لما يُكتَب يا عزيزي، لا لما تطلقه الشفاه من ادعاءات في الهواء.
- ولكن، هبْ وكالةً غيرها من وكالات الأنباء سجلت الحدث تسجيلا كما وقع بالفعل مستعينة في تحقيق ذلك بشهود عيان من الفردوس و…
قاطعه الرجل الغريب:
- سيجيء ذلك متأخراً عما ستذيعه غداً وكالتنا، هذا فضلاً عن أنها لن يكون بحوزتها صور كما بحوزتنا؛ لأن مراسلها لم يكن موجوداً وقت حدوث الواقعة، كما كنت أنا موجوداً.
وحين لحظ الرجل الغريب أمارات شك على وجه الضابط، تابع:
- إذا أخبرتْ وكالةٌ ما بما حدث وكان الخبر مناقضاً لما أخبرنا به قبلها. فماذا تتوقع أن تكون النتيجة؟
أجاب الضابط:
- سيوجد للحدث المخبَر عنه عندئذ، صيغتان متعارضتان متناقضتان.
- نتيجة حتمية! وهي لا بد أن تستثير لدى الناس السؤالَ التالي: أي الصغتين أو الروايتين أصدق من الأخرى؟
- وما فائدة أن تستثير سؤالاً كهذا السؤال؟
-لهذا السؤال فائدة جليلة. به إنما تفقد صيغتا الخبر معاً المصداقية. لن يكون لأي من الروايتين المتعارضتين للحدث، أن تحوز على المصداقية دون الأخرى: نحن نخبر عن حدث، وهم يخبرون عن نفس الحدث بما يكذبه وينقضه. فأي منهما هو الصادق يا ترى؟ أهو هذا أم ذاك؟ جوابي: لا هذا ولا ذاك! لن يكون أحدهما أصدق من الآخر في هذه الحالة.
قال الضابط متسائلاً، وأمارات الشك والعناد ما تزال تبرق في عينيه المصوبتين نحو صاحبه الغريب:
- وماذا عن شهادة أهل الفردوس؟ لماذا تهملها، بل تزدريها؟ ألن تكون دليلاً على صدق ما تخبر به وكالات الأنباء، ودليلاً على بطلان ما نخبر نحن به؟
أجاب الغريب بقليل من الاكتراث، وهو يرفع ظهره وهامته عن النافذة:
- لأهل الفردوس أن يشهدوا لأنفسهم. ولكن من ذا الذي يصدّق شهادة الذين يشهدون لأنفسهم، إن لم يكونوا آلهة؟ الأغبياء وحدهم هم الذين يصدقون مثل هؤلاء الشهود.
وتنحى الرجل الغريب عن نافذة السيارة، انتصب بقامته المعتدلة، مدّ بصره الى الأفق البعيد، فرأى لوحة من لوحات الوجود العجيبة الممتعة معلقة على جداره المتطاول إلى السماء. تأملها لحظة. كان خطٌّ أفقي ينصّفها نصفين وهو يختال متموجاً بزرقته الباهتة المطرزة بأشعة النهار الذهبية؛ خطٌّ لاح في ناظره، وكأنه النهر الكبير يشق أرضاً شاسعة مترامية الأطراف لها ألوان منعشة ولكن بلا تضاريس.
وفي اللحظة التي عزم فيها على السير، قرع سمعه سؤال الضابط كما قرعه عندما أزمع على مفارقته في الظهيرة:
- متى ستعود؟
فرد عليه بأعلى صوته من غير أن يتكلف التفاتاً إليه:
- لا تذهب إلى النوم قبل أن أعود. انتظرني في النادي. سأعود قبل منتصف الليل.
ثم ضحك ضحكته، وقال من بعدها بلهجة ساحر يتغيّا أن يفتن سامعيه بقدراته الخارقة:
- سأعود ومعي متعٌ لم ترتشف مثيلاً لها قط من قبل!
وما هي إلا أن تطرف العين، حتى يمتصه الفراغ المغموس بصهب الشمس ووهجها الذي لمّا يعترِه خورٌ بعد، كما يمتص الظامئ من قدحه.
ابتلع الفراغُ الغريبَ، انطمست صورته أمام أعين الدرك، انمحت. فأما الدرك، فلم يظهر عليهم ما يدل على أن أمر انطماس صورته من الأمور التي يُكترث بها، كما في المرة الأولى التي رأوا فيها صورته تنطمس أمام أعينهم، ولم يكترثوا.





رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,164,207,021
- مشكلة المعرفة لدى ايدن حسين. (دحض المثالية)
- ياء ميم، ياء ميم الست مريم وصاحبها كريم
- خالق الموجودات
- مارس وفينوس
- حَدُّ المادة وأصلها
- صلوات حب على مدار العام 2
- صلوات على مدار العام 1
- في البدء كان الكلمة 2
- في البدء كان الكلمة
- رجع الكلام على ما تقدم من القول في المعنى
- لاهوت التنزيه
- مناظرة المسيحي والمسلم
- قصة التحولات الفجائية 7
- قصة التحولات الفجائية 6
- قصة التحولات الفجائية 5
- قصة التحولات الفجائية 4
- قصة التحولات الفجائية 3
- قصة التحولات الفجائية 2
- قصة التحولات الفجائية
- قضية الفعل (جَبَرَ) بين العقاد وجبران


المزيد.....




- الدكتورة غادة عبد الرحيم توقع كتابها -سوبر مامي.. كيف تبنين ...
- قصة (أنت البطل) ومحمد صلاح في معرض الكتاب للتوعية ضد المخدر ...
- القاهرة: انطلاق عروض -شجر الدر- يومي 24، 25 يناير الجاري
- بعد احتلال الأرض.. إسرائيل تسطو على الثقافة العربية
- على طريق الأوسكار.. -الكتاب الأخضر- يفوز بجائزة هامة!
- ميج.. مصرية تنشر ثقافة اليابان ويتابعها 7 ملايين على يوتيوب ...
- صدر حديثا كتاب -أوراق القضية 805.. مقتل الأنبا إبيفانيوس- ل ...
- مديرة معهد الأفلام السويدية -اتمنى ايجاد حلول للحد من انتقال ...
- تعزيز علاقات التعاون البرلماني محور مباحثات المالكي مع رئيس ...
- وفاة منتج سلسلة -رامبو- الهوليوودية


المزيد.....

- عريان السيد خلف : الشاعرية المكتملة في الشعر الشعبي العراقي ... / خيرالله سعيد
- عصيرُ الحصرم ( سيرة أُخرى ): 71 / دلور ميقري
- حكايات الشهيد / دكتور وليد برهام
- رغيف العاشقين / كريمة بنت المكي
- مفهوم القصة القصيرة / محمد بلقائد أمايور
- القضايا الفكرية في مسرحيات مصطفى محمود / سماح خميس أبو الخير
- دراسات في شعر جواد الحطاب - اكليل موسيقى نموذجا / د. خالدة خليل
- خرائط الشتات / رواية / محمد عبد حسن
- الطوفان وقصص أخرى / محمد عبد حسن
- التحليل الروائي للقرآن الكريم - سورة الأنعام - سورة الأعراف ... / عبد الباقي يوسف


المزيد.....


الصفحة الرئيسية - الادب والفن - نعيم إيليا - حقيقة ما جرى في قرية الفردوس