أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فاطمة ناعوت - مات نزار العنكبوت ... منذ خمس دقائق














المزيد.....

مات نزار العنكبوت ... منذ خمس دقائق


فاطمة ناعوت

الحوار المتمدن-العدد: 5842 - 2018 / 4 / 11 - 02:28
المحور: الادب والفن
    




إجلسي خمسَ دقائقْ/ لا يريدُ الشَّعرُ كي يسقطَ كالدرويش في الغيبوبة الكبرى/ سوى خمس دقائق/ لا يريد الشِّعرُ كي يثقبَ لحمَ الورق العاري/ سوى خمسِ دقائق/ فاعشقيني لدقائق/ واختفي عن ناظري بعد دقائق/ لست أحتاجُ إلى أكثر من علبة كبريتٍ/ لإشعال ملايين الحرائق/ إن أقوى قصص الحب التي أعرفها/ لم تدُم أكثر من خمس دقائق.
هل مات نزار؟ نعم، ماتَ منذ خمس دقائق. أو كأنه لم يمُت أبدًا. فهو "رقمٌ صعبٌ" عصيٌ على الموت. وهل تموتُ الأرقام؟! مَن منّا، نحن شعراءَ الراهنة، نجا من "شَرَك" نزار؟ الإجابة، تقريبًا: “لا أحد!”. نزار عتبةٌ حتميةٌ؛ يمرُّ عليها الشعراءُ، ثم يبرحونها بعد برهةٍ، أو برهتين، وقد علق بعباءاتهم شيءٌ، قَلَّ أو كَثُر، من غبار تلك العتبة الصعبة. معظم شعراء الراهنة قلِّدوا نزار في البدايات، بوعي أو دون وعي، أو تأثروا به. وإن وجدت شعراء كبارًا ينهلون من معين نزار حتى في مراحل نضوجهم، فلا تندهش، ولا تلُمهم. فهو "شَرَكٌ" صعبٌ، والتخلُّص من خيوط الشرك يحتاج إلى عزمٍ قويّ لا يمتلكه إلا أولو العزم.
نزارُ، سهلٌ سهولةَ الماء، وعصيٌّ كما خيط العنكبوت. نهرٌ دافقٌ إن خضتَ فيه، تحتاج إلى شمس حارقة وبعض يوم حتى تجفَّ ثيابُك من مائه. وأحبولةُ عنكبوتٍ إن علِقتَ فيها، تحتاجُ دهورًا حتى يستخلّص جسدُك من كامل خيوطه.
في بداية الصبا، حين بدأتُ كتابةَ الشعر، تأثرتُ بإبراهيم ناجي. كنتُ أحاكي قصائده وأغيّر في كلمات المتن والقوافي. وسرعان ما خرجتُ من عباءته لأسقطَ في أحبولة نزار. ولما اكتشفتُ أن التخلُّصَ من خيوطه صعبٌ على ضعفي، عاقبتُ نفسي عقابًا مُرًّا. حرّمتُ على نفسي كتابة الشعر أعوامًا ثلاثة. كلّما راودني شيطانُ الشعر، دحرتُه وكتمتُ الكلماتِ في صدري لئلا تخرج ممزوجةً بعطر نزار. كنتُ أجاهِدُ نفسي، وأجاهدُ الشعر، وأجاهدُ العنكبوت. معركة ثلاثية مُرّة وصعبة على طفلةٍ تحبو على عتباتِ الأدب. لكن عنادي كان صلبًا وكبريائي كانت حادّة. كلما ضعفتُ أمام نزار وقلتُ لنفسي ما قاله عنترة بن شداد: “وهل غادر الشعراءُ من مُتردّمِ؟"، كانت كبريائي تصفعُني قائلة لي ما قاله نزار: "إن لم تستطع أن تأتي بشيء مدهش، فلا تتحرّش بالورق الأبيض.” فكنتُ أقاوم التحرش بالورق حتى أصفو إلى صوتي الخاص. وصفا صوتي بعد برهة. فكتبتُ الشِّعر وأعلنتُ نفسي شاعرةً.
ولد نزار قباني في يوم الربيع. 21 مارس 1932، وطار إلى عالم الخلود قبل أن يبرح الربيعُ الأرض في مثل هذه الأيام من أبريل قبل عشرين عامًا. وكأنما لم يمت إلا منذ خمس دقائق. فهو عائشٌ لا في دواوينه هو فقط، إنما في ديوان الشعراء كافّة. فلابد أن تعثر عليه في كل ديوان شعري لشعراء الراهنة، مختبئًا بين سطرين أو متخفيًّا وراء كلمة أو نائمًا تحت ظلّ صورة شعرية. ولابد ستعثر به في أغاني المطربين هنا وهناك في شرق العالم العربي وغربه راقصًا فوق ألسنهم، متواثبًا فوق خيوط حناجرهم.
نزار قباني طفلٌ يتواثب فوق خرائط الفرح وخرائط العذاب وخرائط الهوى. قبض على خيوط جغرافيا القلوب والعشق فأحبّه العشاقُ وتلصّصوا على قلبه ليسرقوا من نزفه ما يكتبونه لحبيباتهم فتسقط الحبيبات في الهوى من فرط لوعة الكلمات.
أذكر أن أول قصيدة عشق وصلتني من "ابن الجيران" كانت من مُقرصنات نزار قباني. كنتُ صغيرةً جدًّا فلم أعرف وقتها أن القصيدة مُقرصنة من نزف نزار. لكنني عرفتُ أن الحبَّ وخطاباتِ الحبِّ وكلماتِ الحب، لا تكون إلا هكذا. فدقَّ قلبي دقَّتَه الأولى. أحببتُ الكلمات قبل أن أحبَّ مَن أحبّني وكتبَ لي شعرًا يشبه شعر نزار قباني. علّمني نزار أن أعشق قبلما أعرف ما العشقُ. علّمني نزار أنني أنثى قبلما أدرك ما الأنوثة. ولم أدر وقتها أنني بدأتُ مرحلة السقوط في أحبولة الشعر وأحبولة نزار قباني.
فيا نزار، مُتْ ما شاء لك الموتُ، فأنت حيٌّ على صفحات الشعر وفي نزيف الشعراء، وفي قلوب العشاق.





كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,468,724,793
- عاصفة الغبار ... شهادة جماهيرية ل (علي الحجار)
- فيلم هاني رمزي الجديد .. الضحك بطعم المرّ
- هل جدلت السعف بالأمس؟
- أوهامُ الحبّ ... وفنّ الهوى
- مشعل النور من الأقصر للمغرب على صفحة النيل
- نشاركُ في الانتخابات … حتى نستحقُّ مصرَ
- ماما سهير … ماما آنجيل
- وشوشات مارس 18
- شارع البابا شنودة
- معركة سيناء 2018… سيمفونية الحسم الأسطورية
- الإيمان الحقيقي ... والإيمان الشو
- حكاية بنت اسمها فافي
- لو كانت -شيرين- إماراتية!
- وشوشات فبراير 18
- فاروق حسني … الفنانُ الذي يعرفه العالم
- حين عانقتُ (جميلة بوحَيرد)…أخبرتني الرصاصةُ
- عصا -راجح داوود- … في موريتانيا
- أبونا سمعان … العدلُ معقودٌ بناصية بلادي وجيشه
- الشمعةُ التي في قلوبكم
- بهيج إسماعيل … الروايةُ بنكهة الشِّعر والجنون


المزيد.....




- معجبة اقتحمت المسرح وأرعبته.. لقطات طريفة لكاظم الساهر في حف ...
- أحلام -ترعى- الأغنام بعد حفلها في السعودية
- صدور ترجمة كتاب -الخلايا الجذعية-
- بفيلم استقصائي.. الجزيرة تروي معاناة الطفلة بثينة اليمنية من ...
- وزير الثقافة السعودي يوجِّه بتأسيس «أكاديميات الفنون»
- قصيدة نثر/سردتعبيري
- فيلم -غود بويز- يتصدر إيرادات السينما في أمريكا الشمالية
- أفلام قصيرة من قارات خمس في دهوك السينمائي
- اللغة الإنجليزية الإسلامية.. دروب لقاء الدين باللغات العالمي ...
- السعودية تعتزم إطلاق أكاديميتين للفنون التقليدية والموسيقى


المزيد.....

- المنحى الفلسفي في شعر البريكان / ياسر جاسم قاسم
- عناقيد الأدب : يوميات الحرب والمقاومة / أحمد جرادات
- ديوان ربابنة الجحيم الشاطحون / السعيد عبدالغني
- ديوان علم الانعزال ، أنتيكات الغرائبية / السعيد عبدالغني
- استعادة المادة، الفن والاقتصادات العاطفية / عزة زين
- سيكولوجيا فنون الأداء / كلين ولسون
- المسرح في بريطانيا / رياض عصمت
- الدادائية والسريالية - مقدمة قصيرة جدًا / ديفيد هوبكنز
- هواجس عادية عن يناير غير عادى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى
- نشيد الاناشيد المصرى سمير عبد الباقى / سمير عبد الباقى


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فاطمة ناعوت - مات نزار العنكبوت ... منذ خمس دقائق