أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فاطمة ناعوت - ماما سهير … ماما آنجيل














المزيد.....

ماما سهير … ماما آنجيل


فاطمة ناعوت

الحوار المتمدن-العدد: 5825 - 2018 / 3 / 24 - 23:58
المحور: الادب والفن
    


فاطمة ناعوت
Facebook: @NaootOfficial
Twitter: @FatimaNaoot


محظوظٌ مَن له أمٌّ عظيمة. ومَرضيٌّ عليه مَن له أُمّان عظيمتان. أنا محظوظةٌ، وأنا مَرضِيٌّ عليَّ. محظوظةٌ بأمي "سهير" التي أتت بي إلى هذا العالم، فأحسنتْ تعليمي وتطبيبي وتهذيبي. علّمتني أن الجِدّ والإتقان هما الخيارُ الوحيدُ في الحياة. غرستْ في إدراكي أن: 10/9، والصفرَ: سواءٌ. فما عاد خيارٌ إلا ال 10/10. لم أرها إلا سيدةً حاسمةً، جادّةً، قليلةَ الكلام، غزيرة العمل. وحين كنتُ أغارُ من زميلاتي اللواتي تُدلّلهن أمهاتُهن، وأسألُها: “أين تدليلُك لي؟" كانت تجيبُ باقتضاب أن التدليل هو: التعليمُ الممتاز، الطعامُ الممتاز، والصحة الممتازة، وما دون ذلك إفسادٌ لا حاجة لنا به. رحل أبي مبكرًا عن عالمنا، فتحوّلت أمي إلى أمٍّ وأبٍّ. امرأةٌ فاتنة، وجدت نفسَها وحيدةً بلا زوج، وبين يديها طفلان بلا أب، فطرحت فتنتها وأنوثتَها جانبًا، وتحولت إلى جنرال عسكري صارم، لا يقبلُ أنصاف الأشياء. نسيَتْ رغدَ نشأتها وتعليمها في مدارس نوتردام، وخاضت معترك الحياة القاسية لترعى طفلين صارا مع الأيام: طبيبًا ناجحًا، ومهندسةً أديبة، هما ثمرةُ كفاحها الطويل المُضني. مبكرًا جدًّا فقدت السندَ، فصارت هي السندَ لأطفالها ولكل مُعوزٍ بلا سند. لهذا انقصم ظهري، حين غادرت أمي هذا العالم قبل عشرة أعوام، وانكسر عودي. لأن عودي كان مُتكئًا على عودِها. وحين دخلتُ بيتَها لأول مرة بعد رحيلها، وجدتُ البياضَ يحيطُ بكل شيء كأنه لونُ الحداد. وأطلّتْ قِطتُها البيضاءُ برأسها من وسط البياض، تموءُ وتسألني عنها. فصرتُ أخافُ اللونَ الأبيض:
"وماذا أعملُ بالثلجِ عشّشَ في أركان البيت؟/ بقِطّتكِ البيضاء؟/ ماذا أفعلُ بصور العائلة على الحائط الأبيض؟/ بالأبوابِ البيض المغلقةِ أمام قلبي؟/ بستارةٍ بيضاءَ ساكنةٍ؟/ بالسيارة البيضاء العجوز/ بفوطةٍ بيضاءَ تحملُ رائحتَكِ/ بخصلةٍ من شَعرِكِ بيضاءَ عالقةٍ بالمشط/ بشالِ حريرٍ أبيضَ ضمَّ كتفيكِ المُجْهدين/ بقطرةٍِ من ماءِ زمزمَ/ عالقةٍ في كأسِ غُسْلِك/ ماذا أفعل بخوفي؟/ هل أبيعُ كلَّ ذاك البياض وأشتري أقراصًا للنوم؟/ هل أقايضُ بثمنها على أمٍّ تركتني وطارتْ/ ويدي لم تزل/ معلّقةً في طرفِ ثوبِها؟"
***
لكنّ السماءَ رحيمةٌ، كما تعلمون. وهبتني أمًّا جديدة، تمنحني الحبَّ والتدليل، فاشتدَّ عودي من جديد. أُعانقُها في كلِّ مرةً، فلا أعانقُها عناقًا واحدًا بل اثنين. أُقبّلُها في كلّ مرة، فلا أقبّلُها قبلةً بل قبلتين. عناقًا لأمي التي رحلت، وعناقًا لأمي الجديدة. كل ما فاتني من قُبلاتٍ فاتني أن أمنحها لأمي التي غادرت، أنهلُ شهدَها الحاني من أمي الجديدة. عادت لي الابتسامةُ وتأكدتُ أن اللهَ يُحبَّني، لأنه أخذ مني أمًّا، ومنحني أمًّا. أمي الجديدة اسمُها آنجيل. وهي بالفعل الملاكُ الذي لا ملاكَ يشبهه. تلك "الملاكة" الجميلة ترقدُ اليوم على فراش مرض المايلوما. المرض الشرير الذي أخذ منّا العالم "أحمد زويل". ولو أخذ منّي آنجيلي فسوف أخاصمُه وأخاصمُ الحياة. حين رحلت ماما سهير عن الدنيا واسيتُ نفسي بأن كتبت: “أرحمُ ما في موت الأمهات، أنهنّ لا يمُتن مرتين. الأمُّ تموت مرةً واحدة.” وتصوّرتُ أنني تخلّصتُ من رعبي أن تموت أمي، فقد ماتت وانتهى الأمر. عزاءٌ خائب وفلسفةٌ فارغة كما ترون، لكن ما حيلتي؟! وأشفقتِ السماءُ على ضعفي ومنحتني العزاءَ الحقيقي. وكان العزاءُ أمي الجديدة "آنجيل”. فقدانُ الأم مرةً، قاس ومُرٌّ. ولكن مَن بوسعه أن يتحمّل فقدان أمّه مرتين؟! يا رب... لا تضعني في هذه التجربة. فأنا أضعفُ من ورقة شجرة.






التسجيل الكامل لحفل فوز الحوار المتمدن بجائزة ابن رشد للفكر الحر 2010 في برلين - ألمانيا
الرأسمالية والصراع الطبقي، وافاق الماركسية في العالم العربي حوار مع المفكر الماركسي د.هشام غصيب


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- وشوشات مارس 18
- شارع البابا شنودة
- معركة سيناء 2018… سيمفونية الحسم الأسطورية
- الإيمان الحقيقي ... والإيمان الشو
- حكاية بنت اسمها فافي
- لو كانت -شيرين- إماراتية!
- وشوشات فبراير 18
- فاروق حسني … الفنانُ الذي يعرفه العالم
- حين عانقتُ (جميلة بوحَيرد)…أخبرتني الرصاصةُ
- عصا -راجح داوود- … في موريتانيا
- أبونا سمعان … العدلُ معقودٌ بناصية بلادي وجيشه
- الشمعةُ التي في قلوبكم
- بهيج إسماعيل … الروايةُ بنكهة الشِّعر والجنون
- صَهٍ … الجيشُ المصريُّ يتكلم!
- سأقولُ يومًا لأطفالي إنني زُرتُ العراق
- كتابي الفِضيّ: (نهم يصنعون الحياة)
- لماذا يُحاكَم الشيخ محمد عبد الله نصر؟
- صالون فاطمة ناعوت الشهري السبت القادم 27 يناير
- عن الإمارات سألوني .... فقلتُ (إنهم يصنعون الحياة)
- -البدلةُ الزرقاءُ وسامٌ- … قالتِ الجميلةُ


المزيد.....




- جلالة الملك محمد السادس، رئيس لجنة القدس، يعطي تعليماته السا ...
- خبير سياسي إسباني يتقدم بشكاية إلى القضاء ضد المدعو إبراهيم ...
- القضاء الفرنسي يقر حظر تظاهرة مؤيدة للفلسطينيين ومنظموها يتم ...
- -بروسيدا- مرشحة للقب عاصمة الثقافة الإيطالية
- برقية ولاء وإخلاص مرفوعة إلى جلالة الملك من أسرة القوات المس ...
- سلاح ذو حدين في مجتمع المخاطرة.. مناظرة حول -التقدم- في العص ...
- المغنية مانيجا: مشاركتي في -يوروفجن- فوز شخصي كبير لي
- مصر.. الكشف عن تطورات الحالة الصحية للفنان سمير غانم
- وفاة فنان مصري مشهور بعد مشاركته في مسلسلين في رمضان
- الموت يغيب فنان مصري شهير


المزيد.....

- مجموعة نصوص خريف يذرف أوراق التوت / جاكلين سلام
- القصة المايكرو / محمد نجيب السعد
- رجل من الشمال وقصص أخرى / مراد سليمان علو
- مدونة الصمت / أحمد الشطري
- رواية القاهرة تولوز / محمد الفقي
- كما رواه شاهد عيان: الباب السابع / دلور ميقري
- الأعمال الشعرية / محمد رشو
- ديوان شعر 22 ( صلاة العاشق ) / منصور الريكان
- هل يسأم النهب من نفسه؟ / محمد الحنفي
- في رثاء عامودا / عبداللطيف الحسيني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - فاطمة ناعوت - ماما سهير … ماما آنجيل