أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - شارع البابا شنودة














المزيد.....

شارع البابا شنودة


فاطمة ناعوت

الحوار المتمدن-العدد: 5820 - 2018 / 3 / 19 - 20:15
المحور: العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني
    



"مات اليومَ رجلٌ صالحٌ، فقوموا وصلّوا على أخيكم." هكذا قال الرسول (ص)، حين مات أصحمة النجاشي ملك الحبشة، الكريمُ العادلُ الذي لا يُظلم عنده أحدٌ. كان مسيحيًّا، وأكرمَ وفدَ المسلمين الذين لجأوا إليه هربًا من تعنُّت قريش مع أتباع الدين الجديد. ومنذ ستّ سنوات، في مثل يوم أمس، فقدت مصرُ الطيبةُ رجلاً صالحًا، قلّما يجودُ الزمان بمثله. قداسة البابا شنودة الثالث، رحمه اللهُ رحمةً واسعةً بقدر ما منح مصرَ وشعبَ مصرَ من حبّ فاق كلَّ تصوّر. لم تَهُن عليه مصرُ أبدًا، حتى في أشد اللحظات قسوةً عليه وعلى أقباط مصر.
كان رجلاً استثنائيًّا في الوطنية والحكمة. امتلكَ ناصية اللغة؛ فكان شاعرًا وفيلسوفًا وكاتبَ مقال رفيعَ الطراز. وامتلك ناصية الوطنية؛ فتحمّل الكثيرَ من أجل استقرار مصرَ ووحدة صفّها. وامتلك ناصية المحبة؛ فكان الأبَ المُعزّي لأبنائه كلما ضربتهم محنة طائفية على يد إرهابيّ ذميم. وامتلك ناصيةَ الحكمة والسياسة؛ فعرف دائمًا كيف يحوّل أحزان الأقباط لمزيد من المحبة لإخوانهم المسلمين، وحتى للمُسيئين منّا. وامتلك ناصية الزهد والتقشّف، فاعتكف في الدير سنوات لا يبرحه، ليحيا للصلاة والتأمل والدعاء لمصر وشعبها الطيب. عاش بهدوء ورحل بهدوءِ ناسكٍ، أحبَّ الله، فأحبَّ كلَّ خلق الله، دون تمييز. كان حديثُه مثقفًا حُلوًا لا يخلو من خفّة ظِلٍّ وسرعة خاطر في امتصاص أحزان المسيحيين؛ مُحوّلاً أنظارهم نحو السماء التي فيها العدلُ والعزاء عمّا يلاقي البشرُ على الأرض.
ترفَّع عن الصغائر والدنايا. فلم يغضب يومًا مما يُقال في حقّه من سخافات كان يُطلقها تافهون فارغو العقل فقيرو الروح. وكان يمنع شعبَه من الغضب لأبيهم الروحي ورمزهم الدينيّ. حتى حين كان ينفجرُ الأمرُ في إحراق كنيسة أو قتل مسيحيين، كان يدعو للغفران مُرددًا قولته الشهيرة: "كلّه للخير، مسيرها تنتهي، ربنا موجود." ثم يُصليّ للمجرمين داعيًا الله ألا يُقيم عليهم خطاياهم لأنهم لا يعرفون ماذا يفعلون. وحين احتشد الإرهابيون حول مقرّ إقامته بالبيت البابوي في الكاتدرائية، قُبيل رحيله، رافعين اللافتات البذيئة في حقّه وحق المسيحيين، قام وتحدّث إلى الأقباط في وعظة تاريخية عنوانها: "اغفروا"، ونجح في تحويل الأحزان والغضب إلى محبة وتسامح وسموّ؟! في إحدى عِظاته عام 1980، قال البابا شنودة لأقباط مصر:
"مثلما أنا مستعدٌّ لأن أبذل حياتي من أجل أيّ واحد منكم، فإنني مستعد لبذل حياتي من أجل أي مسلم فى هذا البلد. إن الحب الذى فينا لا يعرفُ تعصبًا ولا تفريقًا. فنحن أخوة فى هذا الوطن. ونحن جميعًا مستعدون لبذل أنفسنا من أجل كل ذرة تراب فى مصر. نحن لا نعرف سوى الحب.”
عمل على بناء كنائسَ قبطيةٍ (مصرية) في المهجر؛ حتى لا تذوبَ هُوية الأقباط في الهُويات الغربية. فكأنما بهذا كان يمدُّ خيوطَ المواطَنة بين أبنائه وبين وطنهم مصر، فكأنما لم يبرحوها مهما استطالت خيوطُ الغُربة، وتشتتت في أرجاء الأرض.
في أكتوبر 2012، حينما دسّت أمريكا أنفها في شأننا الوطني، ولوّحت بحماية كنائس مصر، ولوّح بعض أقباط المهجر غير الوطنين بتدويل القضية القبطية، قال البابا شنودة بهدوء وحسم: "إن كانت أمريكا ستحمي الكنائس في مصرَ، فليَمُت الاقباطُ وتحيا مصر."
أقولُ له اليومَ في رحلته للأبدية: يا قداسة البابا شنودة، أيها الوطني الشريف، إن مصر، بعد الله، هي التي ستحمي كنائسَها كما تحمي مساجدها وهياكلها وأهراماتها ومعابدها. مصرُ قادرةٌ على حماية أبنائها بالقانون والعلم. والمصريون على رباط إلى يوم القيامة. لم يفرِّق بينهم شيطانٌ ولا مُغرِض طوال تاريخها العريق، ولن يحدث. فنَمْ مستريحًا، وانعمْ بفردوس السماء، لأنك أهلٌ لذلك.
وأقول للرئيس الوطني عبد الفتاح السيسي، أتمنى أن نجعل في مصر شارعًا باسم قداسة البابا شنودة، مثلما جعلتْ أمريكا أحد شوارع ولاية نيوچرسي على اسم ذلك الرجل المصري العالمي النبيل: Pope Shenouda street. ذلك الشارعُ الذي زُرتُه بنفسي والتقطتُ فيه صورًا تذكارية؛ وأنا أقفُ بفخر تحت لافتة تحملُ اسمَ رجلٍ نبيل من بلادي.



#فاطمة_ناعوت (هاشتاغ)      



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الباحثة اللبنانية د. ريتا فرج حول الاسلام والجندر واتجاهاته الفكرية في التاريخ المعاصر
الموقف من الدين والاسلام السياسي، حوار مع د. صادق إطيمش حول الاوضاع السياسية والاجتماعية في العراق


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- معركة سيناء 2018… سيمفونية الحسم الأسطورية
- الإيمان الحقيقي ... والإيمان الشو
- حكاية بنت اسمها فافي
- لو كانت -شيرين- إماراتية!
- وشوشات فبراير 18
- فاروق حسني … الفنانُ الذي يعرفه العالم
- حين عانقتُ (جميلة بوحَيرد)…أخبرتني الرصاصةُ
- عصا -راجح داوود- … في موريتانيا
- أبونا سمعان … العدلُ معقودٌ بناصية بلادي وجيشه
- الشمعةُ التي في قلوبكم
- بهيج إسماعيل … الروايةُ بنكهة الشِّعر والجنون
- صَهٍ … الجيشُ المصريُّ يتكلم!
- سأقولُ يومًا لأطفالي إنني زُرتُ العراق
- كتابي الفِضيّ: (نهم يصنعون الحياة)
- لماذا يُحاكَم الشيخ محمد عبد الله نصر؟
- صالون فاطمة ناعوت الشهري السبت القادم 27 يناير
- عن الإمارات سألوني .... فقلتُ (إنهم يصنعون الحياة)
- -البدلةُ الزرقاءُ وسامٌ- … قالتِ الجميلةُ
- قلقاسٌ على مائدة قبطية
- لأننا نستحقُّ الموسيقارة الجميلة!


المزيد.....




- محمد بن زايد انقلب على الشريعة الإسلامية كمصدر للتشريعات في ...
- السيد نصر الله: الجمهورية الاسلامية الايرانية بقائدها العظيم ...
- السيد نصر الله: الجمهورية الاسلامية في ايران لا تريد شيئا من ...
- السيد نصر الله: الجمهورية الاسلامية في ايران كانت حاضرة للدف ...
- قائد حرس الثورة الاسلامية في ايران اللواء سلامي: الانتقام لد ...
- السيد نصر الله: كل يوم جمعة يتم تفجير المساجد في افغانستان ل ...
- السيد نصر الله: ايران منذ انتصار الثورة الاسلامية هي موضع اس ...
- السيد نصر الله: اجراءات الحظر ضد ايران كان هدفها هو التحريض ...
- السيد نصر الله: عندما نزل المئات ضد النجمهورية الاسلامية تحد ...
- ليف طاهور: هروب 20 شخصا من الطائفة اليهودية المتشددة بعد احت ...


المزيد.....

- دراسة منهجية للقرآن - الفصل الثالث - الأخطاء العلمية / كامل النجار
- دراسة منهجية للقرآن - الفصل الثاني، منطق القرآن / كامل النجار
- جدل التنوير / هيثم مناع
- كتاب ألرائيلية محاولة للتزاوج بين ألدين وألعلم / كامل علي
- علي جمعة وفتواه التكفيرية / سيد القمني
- Afin de démanteler le récit et l’héritage islamiques / جدو جبريل
- مستقبل الدولة الدينية: هل في الإسلام دولة ونظام حكم؟ / سيد القمني
- هل غير المسلم ذو خلق بالضرورة / سيد القمني
- انتكاسة المسلمين إلى الوثنية: التشخيص قبل الإصلاح / سيد القمني
- لماذا كمسلم أؤيد الحرية والعلمانية والفنون / سامح عسكر


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - العلمانية، الدين السياسي ونقد الفكر الديني - فاطمة ناعوت - شارع البابا شنودة