أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم

الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - مهند طلال الاخرس - قارع الأجراس















المزيد.....

قارع الأجراس


مهند طلال الاخرس

الحوار المتمدن-العدد: 5708 - 2017 / 11 / 24 - 09:16
المحور: سيرة ذاتية
    


قارع الأجراس
من على أسوار مدرستنا الابتدائية في مخيم البقعة للاجئين الفلسطينيين في الاردن، حيث خطت عبارة "الحياة جميلة يا صاحبي" ؛ يقرع الجرس للطابور الصباحي دائما وأنا منتصب بجلال ووقار أمام تلك العبارة المهيبة والمفعمة بالأمل، وأبقى هائما في تفاصيلها، وما أن أخرج منها حتى أهيم مجددا في تلك الخارطة التي تحمل تلك العبارة ويحمل كلاهما جدار المدرسة ولا ينجدني من ذلك التيه وتلك القشعريرة إلا صوت قارع الجرس (الاستاذ المناوب) حيث يريد أن يقفل باب مدرستنا، أنظر إليه بإبتسامة خجولة معتذرة وينظر إلي بكل الحب.

أدخل ويدخل من خلفي قارع الجرس، أسرع الخطوات بإتجاه الطابور حيث لا نشيد وطني ولا علم يرفع على سارية سوى علم مرفوع منذ جئنا الى هذه الدنيا، علم ازرق سماوي بلون السماء التي تحتضنه تتوسطه طلاسم بيضاء اللون، قيل لنا ذات يوم أن هذا العلم شاهد على مآساتنا، وتحت ستاره نهبت أوطان وأحتلت أخرى .

ينتهي الطابور الصباحي على عجل درءا لنا من مطر ينهمر ولا يغفر أن من تحته صغارا بعمر الورد لتوهم أدركوا أنهم فقدوا الوطن.

يغادر الطابور مبعثرا مرتجفا لكنه لا يخطىء هدفه فهناك دائما عصا تقومه وتهديه المسير الى حيث الصف الدراسي الذي ينهمر من سقفه المطر كأن لا سقف عليه إلا السماء ولارحمة إلا رحمة الدعاء والتي لا تقي ولا تذر .

الطلاب يناظرون حبات المطر عبر زجاج النوافذ ويتذوقون حبات أخرى عبر نوافذ أخرى طالها العبث صيفا ولم ترمم رغم حملات التبرعات من جيوب الطلبة.

يدخل المعلم يتابع معنا تمارين الطابور الصباحي، يستدفيء الطلاب، تدب الحركة في الصف، نتنفس الصعداء، تعلوا أنفاسنا القصيرة إبتسامة المخيم المكسورة، يبتهج الطلاب تبدأ حصة العلوم، يتغير مسار الدرس وينعطف بشكل حاد يتجه نحو الجغرافيا ثم ما يلبث أن يزور التاريخ وما بينهما تفاصيل حافلة لكنا لا نستطيع أن نسميها سياسة "فللاسبست والبركسات والبراكيات" آذان إنسان وذيل حيوان.

بصوت شجي أنغامه جماعية، ننشد فلسطين داري ودرب إنتصاري، فتهتاج بقية الصفوف ويتبعونا بالنشيد، تموج المدرسة وتهتز كذلك الريح الذي يغزونا، يعلوا النشيد تتكاثر الحناجر يتعاظم صداها وتصل في مداها حدود السماء، وحدود المخفر ومكتب المخابرات.....

عبثا يحاول قارع الجرس وزملائه إيقافنا، فبداخله طفل كبر ولم تتح له طفولته أن يتمرد على سجانيه وجلاديه، فغدا سعيدا بنا وبنفسه أنه بيننا وشفاهه تقرأ ما غنيناه وعيونه إغرورقت على وطن أضاعوه وفقدناه.

موجات أصواتنا قصيرة بقصر أعمارنا لكنها كانت كفيلة أن تقض مضاجع ولاة الامر وكل الزناة....

نودي مرة أخرى على قارع الجرس بغية فتح باب المدرسة فأصوات دورية الشرطة وصوت محرك سيارة المخابرات(الفوكس) علت على أصواتنا علاوة على أن أصواتها من أنكر وأنكد الاصوات وكان من السهل تمييزها ولا زال...
اصوات السيارات شنيعة وكذلك من فيها...

هرول قارع الجرس خارجا من نشيده وأحلامه بإتجاه ساحة المدرسة وكذلك فعل زملائه الآخرون، إنتظروا كبيرهم الذي علمهم السحر(المدير) ذلك الرجل المناسب في المكان المناسب ، حضر المدير، تسمر حوله رجاله من قارعي الاجراس، لم ينبتوا ببنت شفه، عاجلتهم ألاصوات النكدة بضرورة فتح الابواب سريعا، وسريعا تواطئوا على أضعفهم وأكثرهم مروءة كعادة العربان في يوم غزو وإستباحة أو في يوم كريهة وسداد ثغر؛ أعطوا المفاتيح للأذنة وحراس المدرسة، ابوعبدالله والعرايشة والهودلي، فتحت الابواب وكان ذلك الفتح بمثابة الشروع بممارسة كل أفعال الحيونة تجاههم فقد زجوهم نحو المقصلة، قارع الجرس وزملائه لم يخجلوا من المتابعة وكأن صيحات الاستنجاد والاسترحام تنطلق في سماء بدون آذان أو كأن آذانهم عليها وطرا....

رويدا رويدا خبتت الاصوات ثم إختفت، إندفعنا نكسر حدة الموقف، تجمهرنا، هجمنا برأس سهم لا يخاف ولا ينكسر، كان رأس السهم يصيح مفجوعا؛ أبي أبي..
صرنا نصيح جميعا؛ أبي أبي
صاح المدير بقارع الاجراس، أطلب الشرطة !؟
حدقنا ببعضنا لبرهة فأنكشفت دموعنا، الشرطة!؟ ومن الذين كانوا هنا إذا ؟!.

حضرت سيارة الاسعاف، حمل ثلاثتهم على عجل، بعد سويعات وقبل إنفراط عقد الدوام، سرى خبر وشاع بين قارعي الاجراس، إسترقنا السمع، لم نتيقن الخبر، ولم ينقطع المطر،
فجأة وعلى غير موعد وبلا مناسبة وطنية أو مجزرة في الارض المحتلة، علت أصوات مظاهرة غاضبة قادمة بإتجاه المدرسة. تأكد الخبر مات الحراس الثلاثة.

إندفعت غاضبا والدموع تختلط على وجهي مع حبات المطر بإتجاه غرفة الحراس، تناولت فرشاة وعلبة من الدهان ووجدت نفسي أمام سور المدرسة بإستقبال المظاهرة، عزمت على ان أطمس العبارة التي طالما إستوقفتني على باب المدرسة "الحياة جميلة يا صاحبي"، وما أن هممت بالطلاء حتى نهرني من كان يهتف بالمظاهرة، وترجل عن كتف زميله وكان باكيا بحرقة مثلي تماما، لكني كنت أبكي طفولتي، وكان هو يبكي عروبته.

تمكنت المظاهرة من المدرسة وتمكن هو من كتفي المملوء بالدموع، هزني بحب، أسقط ما تبقى في من دموع، ثم سألني ؛ لماذا تريد أن تطمس هذه العبارة "الحياة جميلة يا صاحبي"؟ قلت: لأن الحياة ليست كذلك.!
قال:بلى ،" لكن نحن الذين يموت أفضلنا حتى يعيش الآخرون."

كسرت شوكة المدرسة، إنهار ما كنا نراه بقية من رجولة في قارعي الاجراس وبدأ عصر المهزلة؛ فمن خانته رجولته ليدافع عن أطفال بعمر الورد لا يمكن أن تأتمنه أن يدافع عن شعار على جدار .

يحدث أن يبكي فيك كل شيء قهرا وغضبا حبا وشوقا حنينا وأنينا وجعا وألما فراقا وبعدا، ويحدث أن يموت فيك الاحساس بكل شيء ؛ إلا تراتيل أنفاسك وهي تهتف للوطن.

عاد من كان يهتف على رأس المظاهرة واخبرني بضرورة إرشاده الى مفاتيح المدرسة بغية تأمينها وإغلاقها، فأرشدته الى قارع الجرس، ثم ما لبث ان طلب مني أن أعاونه أنا بإغلاق المدرسة، إعتذرت وبقية من دموع في قلبي لم تجد طريقها بعد، وأخبرته منتحبا :لم يعد هناك غدا لنأتي الى المدرسة، لقد إنتهت حصتنا من الحياة. فردد لي عبارة الجدار:"الحياة جميلة يا صاحبي".
قلت : هي لم تعد كذلك بعد الآن.
قال: مازال هناك متسع على الجدار.
قلت؛ وإن يكن، فالايام جرعتني العلقما
قال: إبتسم؛ يكفي التجهم في السما
قلت: لم يعد للايام طعم ولا معنى.

جثى على ركبتيه حتى أصبحت بطوله، إبتسم والدمعات تغرق عيونه وقال:
ياصديقي:
"أجملُ البحار ؛ هو البحرُ الذي لم نذهبْ إليه بعد

وأجملُ الأطفال ؛ هم الذينَ لم يكبروا بعد

وأجملُ الأيام ؛ هي تلكَ التي في انتظارنا

وأجملُ القصائد ؛ هي تلك التي لم نكتبها بعد".

وأجمل المدائن ؛ عيوننا إليها ترحل كل يوم

وأجمل الاوطان ؛ لم تطأها أقدامنا بعد .




















كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 3,386,251,254
- الخير والشر؛ لقاء المستحيل
- زمن مفقود وأمل متشظي، كيف يموت الفلسطيني؟
- الجهل؛ أعظم الاسلحة الصامتة لحروب هادئة
- الايقونة والرمز ؛ جميلة بوحيرد نموذجا
- شرق غرب -ما بحرث الارض إلا عجولها-
- -الحياة جميلة يا صاحبي-
- لكل خائن حبيب
- الهوية المكان الوطن : فلسطين نموذجا
- النهج الثوري والبحث عن الذات
- اوجعني الرصاص، لكنه لم يهزمني بعد!
- الافتخار والخجل : الشاعر عزالدين المناصرة نموذجا
- حكاية أغنية وإثبات نظرية


المزيد.....




- الحوثيون يستهدفون مطاري جازان وأبها في السعودية بطائرات مسير ...
- النائب العام السوداني: إحالة البشير للمحاكمة قريبا في اتهاما ...
- طاقم الناقلة النرويجية التي تعرضت لهجوم يصل إلى دبي
- النائب العام السوداني: إحالة البشير للمحاكمة قريبا في اتهاما ...
- تسريب صوتي يكشف مخططا إماراتيا للسيطرة على عدن
- الحوثيون يعلنون استهداف مطاري أبها وجازان بطائرات مسيرة
- إحراز تقدم في مسالة ترسيم الحدود البحرية بين إسرائيل البنان ...
- في عيد ميلاد ترامب... -سي إن إن- تعرض تقريرا عن -سيدة الغموض ...
- طهران تستضيف الاجتماع الـ 15 للتعاون التجاري بين إيران روسيا ...
- محمد بن سلمان: المملكة لا تريد حربا في المنطقة


المزيد.....

- تروبادورالثورة الدائمة بشير السباعى - تشماويون وتروتسكيون / سعيد العليمى
- ذكريات المناضل فاروق مصطفى رسول / فاروق مصطفى
- قراءة في كتاب -مذكرات نصير الجادرجي- / عبد الأمير رحيمة العبود
- سيرة ذاتية فكرية / سمير امين
- صدی-;- السنين في ذاكرة شيوعي عراقي مخضرم / زكي خيري
- صدى السنين في كتابات شيوعي عراقي مخضرم / زكي خيري, اعداد سعاد خيري
- مذكرات باقر ابراهيم / باقر ابراهيم
- الاختيار المتجدد / رحيم عجينة
- صفحات من السيرة الذاتية 1922-1998 / ثابت حبيب العاني
- ست محطات في حياتي / جورج طرابيشي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - سيرة ذاتية - مهند طلال الاخرس - قارع الأجراس